| 

منذ أن أُغلقت الأنفاق التي تمتدّ على الشريط الحدودي الجنوبي لقطاع غزّة مع مصر، حال الاحتلال الإسرائيلي دون إدخال مواد البناء إلى غزّة، وأصيبت الحركة العمرانية في القطاع الساحلي بجمودٍ تام. تستثنى من هذا الجمود حركة بعض مشاريع الإعمار الدولية التي تُلبي احتياجاتها عن طريق معبر رفح البري، كما يتحكّم بها قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي لجهة السماح بإدخال كميات مواد البناء اللازمة للبناء ومنعه بين الفينة والأخرى. أما المواطن البسيط فقد ذهبت أحلامه ببناء منزلٍ أو إكمال بناء بيت أدراج الرياح.
باتت صورة المنازل التي شرع أصحابها ببنائها قبل هذه الأزمة ومن ثم توقف العمل فيها نتيجة شح مواد البناء، واضحة للعيان. وتعثرت السبل أمام هؤلاء لإكمال بناياتهم السكنية وإتمام فرحتهم بها أمام النقص الشديد في مواد البناء. وإن توفّرت، فسيجدها المواطن الغزّي في السوق السوداء بأسعار خيالية، تفوق أربعة أضعاف السعر الحقيقي. ما جعل بعض التجار يستغلون حاجة الناس، غير آبهين بالظروف الاقتصادية المريرة التي يُعانيها أبناء بلدهم.
إن أزمة توفّر مواد البناء من حديدٍ، وأسمنت، وحصى، ليست وليدة اللحظة في القطاع، بل هي تُعتبر من الأزمات التي تشهد انفراجاً حيناً، وتتفاقم في أحياناً أكثر. إذ تتحكم بها الظروف الأمنية، خاصة في ظل الظروف التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي الذي يُسيطر على معابر القطاع. بيد أن إغلاق الأنفاق فاقم هذه الأزمة إلى أبعد الحدود، إذ كان الغزيون يعتمدون على تلك «الممرات الأرضية» المتصلة مع شبه جزيرة سيناء في مصر لإدخال أغلب احتياجات قطاع غزة الذي يقطنه قُرابة مليون وثمانمئة ألف نسمة، وأبرزها مواد البناء والوقود.
يسعى هذا التحقيق الميداني، إلى لقاء أصحاب البنايات التي لم يكتمل بناؤها بعد، ومناقشة حيثيات هذه الأزمة ومآلها مع المقاولين وذوي الاختصاص في غزة.

بيتٌ بلا السقف.. فعلياً!

الأستاذ المدرسي فادي النجار (27 عاماً) هو موظفٌ حكوميّ في غزة. بالكاد استطاع تدبر أموره واقتراض مبلغ من المال لبناء «شقة العمر» التي ينوي الزواج والاستقرار فيها. لكن، ما أن أكمل بناء ما نسبته 50 في المئة من الشقة، حتى عادت أزمة الأسمنت لتحلّ من جديد، ما حال دون إكمال سقف الشقة، وبقت على هذه الحال منذ عام تقريباً حتى اليوم. فقد باشر العمل على بناء منزله قبل أحداث يونيو/حزيران التي أدّت إلى عزل الرئيس المصري الإخوانيّ محمد مرسي، وتوتر الأوضاع الأمنية مع قطاع غزة وإغلاق الأنفاق: «قبل هذه الأحداث في مصر، كانت مواد البناء متوفرة في غزة وبيسر، وكان سعرها في متناول الجميع»، لكن، «مع إغلاق الأنفاق ومنع إدخال مواد البناء عبرها أو عبر الاحتلال الإسرائيلي، توقّف كل شيء على حاله».
يُضيف النجار والحزن بادٍ في عينيه: «هذه الشقة هي حلم العمر بالنسبة إلي. ومع توقف البناء فيها بسبب شحّ الإسمنت من السوق، اضطررت إلى تأجيل موعد زفافي الذي كان مُقرراً هذا الصيف لحين الانتهاء من صبة السقف وتشطيب المنزل وتجهيزه للزواج». وهو يرجّح أنه سيلجأ لاستئجار وحدة سكنية ليستطيع الزواج فيها، بعدما وضعه طول مدة خطوبته في إحراجٍ كبير مع أهل زوجته.
ولفت النجار «السفير» إلى أنه يستطيع شراء الأسمنت الذي يُغطّي مستلزمات سقف بيته وكافة التشطيبات الأخرى، ولكن بسعر يُضاعف الثمن الأصلي بأربعة أضعاف تقريباً. إذ وصل سعر كيس الأسمنت في السوق السوداء حالياً إلى 120 شيكلاً إسرائيلياً، بينما كان في السابق لا يتجاوز 25 شيكلاً في أبعد تقدير. وهو مبلغ لا يقوى على تأمينه الأستاذ الجامعي، وأغلب سكان القطاع الذين يعانون من أوضاع اقتصادية متردية للغاية.
وعلى الرغم من أنه دفع مبالغ مُقدَّماً لأحد أصحاب مصانع الإسمنت المسلح الجاهز حتى يصب له سقف منزله، إلا أن الرجل لم يستطع تزويده بالأسمنت الكافي بسبب الأزمة الخانقة. يقول النجار: «أنا أعذره، لأن الأمر ليس بيده».

العمّال.. في ركب البطالة

نتيجة شحّ الإسمنت في غزّة، توقفت معظم مصانع الأسمنت المسلح والحجارة عن العمل، والتحق أصحابها بركب ما يُقارب 70 ألف عامل فقدوا فرصهم التشغيلية في قطاع المقاولات والإنشاءات، الذي كان يُضم قُرابة 550 منشأة. إذ سرح القطاع مؤخراً جميع العاملين فيه، وأقفل ما تربو نسبته عن 90 في المئة من شركات المقاولات، في انتظار دخول الأسمنت من جديد.
ويؤكد أبو أيمن صاحب مصنع «أبو طه» للإسمنت المسلح، أن «نقص الإسمنت ومواد البناء ألقى بظلاله السلبية على كافة مناحي الحياة في غزة، فتوقف العمال والمقاولون وأصحاب المصانع عن العمل، وانقطع مصدر رزقهم الوحيد، وباتوا جُلساء لبيوتهم بعدما كانوا لا يجدون فرصة للراحة إبان الحركة النشطة للأنفاق التي كانت تمتد على طول الشريط الحدودي بين غزة ومصر، والتي كان السكان يدخلون مستلزماتهم الرئيسية عبرها».
وكان المقاولون وعمال البناء في غزة يعتمدون بشكل رئيسي على الأنفاق الحدودية بين مصر وغزة طوال سنوات الحصار لإدخال مواد البناء اللازمة من أسمنت وحديد وحصى، بيد أن الحملة الأمنية للجيش المصري أدّت إلى إغلاق نسبة تفوق 95 في المئة من الأنفاق، وتوقف ما يصفه الفلسطينيون بـ «شريان الحياة».
يشرح أبو أيمن لـ«السفير» إنه «مع إغلاق الأنفاق ومنع الاحتلال إدخال مواد البناء لغزة، لم يبق أمامنا منفذ آخر للعمل»، لافتاً إلى أن «هذا أدى إلى فقدان التنافس التجاري واحتكار بعض التجار للكميات القليلة من الأسمنت الموجودة في غزة». ويضيف: «قطاع الإنشاءات حالياً معدوم تماماً، لكننا نأمل بعد الانتخابات المصرية والمصالحة بين فتح وحماس أن تتجه الأمور نحو التحسن، ويعود الوضع إلى سابق عهده».
تتذرع السلطات الإسرائيلية في منع دخول مواد البناء إلى قطاع غزة بحُجج واهية، إذ تتهم «حركة حماس» باستخدام هذه المواد في بناء أنفاق جديدة على طول الشريط الحدودي الشرقي لقطاع غزة، الفاصل بين القطاع والأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948. وازدادت حدّة المنع وتمت إضافة أصناف أخرى ممنوعة عن غزة على القائمة «السوداء»، في أعقاب عثور الجيش الإسرائيلي على نفق كبير جداً شرق قطاع غزة يمتد صوب الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل شهور قليلة. منذ ذلك الحين، لا تسمح سلطات الاحتلال بإدخال مواد البناء.
وفي محاولة للتغلب على الأزمة، اضطر بعض المواطنين إلى استخدام الطين الأحمر في البناء، لكن بصورة محدودة وتبعاً لطبيعة العمل المطلوب. إذ لا يمكن استخدام الطين مثلاً في بناء سقف منزلٍ، لكن يُمكن استخدامه في وضع عدد من الحجارة فوق بعضها البعض. وهي طريقة كان يعتمدها الفلسطينيون قديماً، تقوم على طريق خلط الطين الأحمر بقش القمح والشعير، وصنع عجينة متماسكة منه. هذا النوع من البناء لا يصلح إلا في فصل الصيف، إذ يمكن للأمطار أن تتسبب بانهيار الطين بصورة سريعة جداً.

خسائر فادحة

يشرح مدير عام المعابر في غزّة نظمي مهنا أن «إغلاق المعابر الإسرائيلية أدّى إلى توقف أكثر من 50 في المئة من مشاريع القطاع أكانت حكومية أو خاصة»، مُشيراً إلى أن حكومته «تتواصل مع الجهات الدولية والمعنية من أجل إيجاد حل لهذه الأزمة ولإنهاء الحصار عن القطاع». وعن استنسابية إدخال مواد البناء عبر المعابر الإسرائيلية، قال: «ما يتم إدخاله مخصص فقط للمشاريع الدولية في غزة.. وفي حال إدخال مواد بناء للقطاع العام فتكون قليلة جداً ولا تُلبي احتياجات المواطنين».
ويؤكد نقيب المقاولين في غزة نبيل أبو معيلق أن «أزمة منع إدخال مواد البناء عطلت العمل الاستثماري العقاري والمشاريع الأخرى في القطاع بشكل كلي، بسبب العجز الحاد في المواد الإنشائية المتوفرة في السوق». غير أنه يجزم أيضاً بأن «جميع المشاريع المحلية للإعمار وحتى المشاريع التي ترعاها الأمم المتحدة ومؤسسات دولية أخرى في غزة توقفت بشكل كامل بسبب أزمة منع دخول مواد البناء».
ويقول خبراء في القطاع إن استمرار حظر دخول مواد البناء من شأنه تكبيد اقتصاد غزة الهش المزيد من الخسائر، وتكريس واقع الفجوة المستمرة في قطاع الإنشاءات بين زيادة الطلب على المساكن وقلة المعروض منها.
ويواجه قطاع غزّة عجزاً كبيراً، إذ أن الحاجة إلى وحدات سكنية تتطلب أكثر من 91 ألف وحدة سكنية، فيما لم يتمكن القطاع من تغطية سوى نسبة 14 في المئة منها خلال العامين الماضيين.
وفي الإطار ذاته، حذّرت مؤسسات دولية مراراً من حالة البنية التحتية المهترئة في قطاع غزة المكتظ، وحاجته إلى مشاريع ضخمة وتدفّق منتظم لمواد البناء بهدف إنعاشه.
وشهد قطاع الإنشاءات في غزة طفرة نوعية خلال عامي 2011 و2012 نتيجة لازدهار مواد البناء عبر أنفاق التهريب مع مصر. حينها، ساهم، مع قطاعي الخدمات والإدارة العامة، بنسبة 70 في المئة من الناتج المحلي الذي سجل ارتفاعاً في النمو خلال العامين المذكورين بنسبة 23 في المئة.

نسبة البطالة إلى 43%

يجمع خبراء اقتصاديون على أن الأوضاع الاقتصادية في القطاع تتجه نحو المزيد من الانهيار والتدهور، لاسيما مع تواصل إغلاق المعابر التي تربط القطاع بالخارج، ورهن الواردات والصادرات من غزة وإليها بسياسة الاحتلال الإسرائيلي لجهة فتح أو إغلاق المعابر التجارية، بالإضافة إلى إغلاق معبر رفح البري لفترات طويلة.
ويقول الاقتصادي ماهر الطباع إن «إسرائيل تسمح بمرور ما يُقارب 300-400 شاحنة فقط إلى قطاع غزة بشكل شبه يومي، وهذا لا يلبي احتياجات السوق الغزي، ما ألحق أضراراً بالغة بالأوضاع الاقتصادية الهشة أساساً».
ويوضح الطباع - الذي يـــــرأس دائـــــرة العلاقات العامة في الغرفة التجارية لمحافظات غزة - أن هناك حوالي نصف مليون نسمة يعيشون في قطاع غزة بلا دخل يومي نتيجة تفاقم الأوضاع الاقتصادية واستمرارها في الهبوط نحو الهاوية. ويتوقع أن تصل نسبة البطالة خلال الأشهر المقبلة إلى 43 في المئة، إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن.
وتقول مصادر «حماس» التي تحكم القطاع، إن الاقتصاد المحلي في غزّة تكبد خسائر بقيمة 230 مليون دولار شهرياً منذ أحداث 30 حزيران الماضي في مصر والحملة المصرية لإغلاق أنفاق التهريب. ووفقًا لتقرير موسع نشره «الأورومتوسطي» مؤخراً، فإنّ قطاع البناء والإنشاءات في غزّة سيواصل انهياره الحاد الذي بدأ منذ يوليو/تموز الماضي بسبب انعدام مواد البناء التي توقّف دخولها عبر الأنفاق، بينما تفرض السلطات الإسرائيلية قيوداً تعجيزية لمرورها عبر معبر كرم أبو سالم.
والتقديرات - بحسب التقرير - تشير إلى أنَ هذا القطاع يعمل بأقل من 15 في المئة من طاقته التشغيلية، ما يعني أنّ 30 ألف فرصة عمل تم فقدانها، بينما 12 ألف مواطن ما زالوا مشردين لعجزهم عن إعادة إعمار منازلهم التي دمرتها الحربان الأخيرتان على غزة.
ووفقاً لإحصائيات «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان»، فإن كمية الواردات من مادتي الإسمنت وحديد البناء خلال الشهر الماضي كانت محدودة جداً، ولا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الفعلية للقطاع، حيث تم توريد 12,696 طناً من مادة الإسمنت، و457 طناً من حديد البناء، وهي كميات لا تتجاوز نسبتي 15 في المئة و0.8 في المئة من الاحتياجات الشهرية لقطاع غزة.