| 

مؤخراً أصدر الشاعر وأستاذ العلوم السياسية شالوم سامي شطريت كتابه الأخير بعنوان: «يهودية وديموقراطية: اختبار في التعليم. كتاب عن التعليم، القومية، العرقية والديموقراطية». اخترنا هنا ترجمة فصل من كتابه عنوانه بالعبرية هو: «ما لم تحكه العصفورة اللطيفة لبياليك»، يتحدث فيه عن علاقته كـ«يهودي شرقي» تعود أصوله للمغرب، بالتعليم في إسرائيل، وعن صناعة الطالب بالمفهوم الصهيوني، وعن المحاولات الأولى لاكتشاف فلسطين.
هنا عشٌ للعصفور
بين الأشجار
وفي العش
ثلاث بيضات
وبكل بيضة -
هسس، لا توقظهم -
ينام فرخ
فرخ حديث العمر
أيّة قصيدة ساحرة! أتذكر حتى الآن بتأثر الصوت الصافي للبستانية اليمنية وحركات يديها وتعبيرات وجهها التي تلعب بكلمات الشاعر بياليك، وكلنا نحن التلاميذ - نغني وراءها، نردّد الحاء والعين في «الفرخ حديث العمر» ، ببهجة وبطبيعية. كنا وقتها قد جئنا من المغرب، واللغة العربية كانت معتادة على ألسنتنا، والحاء والعين أهل بيتٍ في حلوقنا. حتى عندما حكت البستانية عن «بياليك»، كان واضحاً بالنسبة إلي أنه واحدٌ منا، جدٌّ ما للجميع، يخترع قصائد لأطفاله الكثيرين. ماذا أقول؟ أحببته جداً. كانت هذه هي القصيدة العبرية الأولى التي تعلمت ترديدها وغناءها في إسرائيل.
بعدها، جاءت هذه القصيدة:
اجر يا حصاني الصغير
اجر واركض!
اجر في الوادي،
طر على الجبل!
لتركض، لتطر،
ليلا نهارا،
فارس أنا
وذو بأس!
كيف غنينا، بالتحديد نحن الأبناء، هذه القصيدة بصوت مدو وأديناها، نركض في الأنحاء، ندق بأحذيتنا المطاطية على الأرض ونربت على مؤخراتنا الخيلية الصغيرة. بالطبع، لم نر أبداً حصاناً. وبالتأكيد، لم نر فارساً يمر بين مساكن المهاجرين الكئيبة التي لدينا، الغارزة في رمال أشدود، إذا غضضنا البصر عن الحمار العجوز لبائع الغاز بالطبع. ولكنني دوماً ما تخيلت بسعادة هذا الفارس ذا البأس الذي سأكونه أنا نفسي ذات مرة.
لم أصبح فارساً، وبالتأكيد لست على حصان، ولكن بياليك كان هو شاعري المفضل في إسرائيل. مثل كل تلميذٍ إسرائيلي، فقد رافقني على طول سنوات دراستي وظللت مخلصاً له. بفضله أحببت اللغة وأنا ما زلت طفلا صغيراً. ليس العبرية، وإنما لغة الشعر نفسها، هذه القوة في خلق عوالم كاملة بكلمات معدودة ومقطّرة.
في المدرسة الأساسية، في حي المهاجرين بأشدود، كنا قد قرأنا:
حمداً على عودتك، يا عصفورتي اللطيفة
من البلاد الحارة إلى شباكي -
إلى صوتك الذي طالما تاقت روحي إليه
في الشتاء، عندما هجرتِ حصني
رنّمي، احكي، يا عصفورتي الغالية
عن البلاد البعيدة الرائعة،
وهناك في الأرض الحارة، الجميلة
هل تحدث أيضاً الشرور والمصائب؟
هل تحملين لي سلاماً من إخوتي بصهيون،
من إخوتي البعيدين والقريبين؟
آه أيها السعداء! هل يعرفون
أني أعاني، أعاني الآلام؟
هل يعرفون كم هم كثيرون أعدائي،
وما أكثر من يقومون ضدي، ما أكثرهم؟
المعلمة، في الفصل الرابع أو الخامس، لا أذكر بالضبط، قرأت القصيدة، كما ينبغي، بنبرة إشكنازية، كما كتبها بياليك عندما كان يبلغ 18 عاماً، ولم يكن متأكداً ساعتها من أن القصيدة المكتوبة بالعبرية هي أمرٌ جاد ينبغي الاحتفاظ به. لم تكن فقط النبرة الغريبة والعجيبة التي دعمتها بعد ذلك المعلمة باللحن عندما تعلمنا غناء هذه القصيدة الكئيبة التي احتلت قلبي هي ما مرّت عليّ بدون أي شك أو نقد، على الأقل في طبقة الوعي، وإنما أيضاً المضمون نفسه الذي يبدو من الضروري أن يطرح علامات استفهام بين أطفال شمال أفريقيين وصلوا للبلاد.
من أين كتب الشاعر، يا تلاميذي الأعزاء؟ سألتنا المعلمة. وفوراً، أجابت بصوت هائل: من المنفى البعيد والمتجمد. وماذا شعر الشاعر في المنفى البعيد، يا تلاميذي الأعزاء؟ وأجابت على نفسها: البرد، المعاناة، الألم، الاضطهاد، صحيح جداً. من هم الأعداء الذين قاموا ضده في المنفى، يا تلاميذ؟ صحيح جداً، الأغيار الأشرار، أعداء اليهود. وإلى ماذا يحنّ، يا أطفالي الأعزاء؟ إلى الأرض الدافئة والحارة. وأين هي هذه الأرض الدافئة يا أطفال؟ في الشرق، أرض إسرائيل، أرض صهيون أورشليم. صحيح جداً يا تلاميذي الأعزاء.
لو نجحت مرة في استعادة هذا الدرس، فقد أكتشف أنني ذرفت دمعة واحدة أو اثنتين على هذا اليهودي البائس. لو كانت لي عندئذ عصفورة تتحدث، كنت سأرسلها إليه مشحونة بالقصص وبقصائد الحب من أرض إسرائيل. لهذه الدرجة فرحت باكتشاف أنه وصل في النهاية إلى الأرض الدافئة والجميلة ليموت فيها بوصفه شاعرها القومي. ولكن، ليس هذا هو الأمر الذي كنت أريد استعادته تماماً، لو استطعت. لم يكن ممكناً استعادة التخبّطات النفسية لطفلٍ صغير، والذي من ناحية يسمع من أبويه قصصاً مليئة بالحنين لوطنهما العربي الدافئ، قصصاً وقصائد لا تحوي كلمة واحدة عن الأعداء والمضطهِدين، عن البرد وعن الألم (ليس الأمر أنه لم يكن هناك أبداً شيء كهذا)، ومن ناحية ثانية، فهو يسمع من معلمته المحبوبة عن آلام المنفى البارد والحزين، وعن الطغاة والمضطهدين المرعبين. من الزائد الإشارة أن درجات الحرارة في واحة الصحراء المغربية التي جئنا منها إلى إسرائيل، كانت أعلى من درجات الحرارة في سهول أوكرانيا التي كتب فيها بياليك قصيدته الحنينية القاهرة إلى الأرض التي لم يكن يعرفها أبداً وقتها.
معلمتنا، مثل الآلاف على مرّ ثلاثة أجيال، لم تعرف وقتها أنها تعمل على إعادة كتابة التاريخ اليهودي من خلال الكذب، التلاعب، التناقض واستنساخ افتراضات أساسية استشراقية. كانت تعرف أن عليها تشكيلنا، نحن اليهود العرب الصغار، من جديد، كيهود ملائمين، وفق المضمون الصهيوني الإشكنازي. من وجهة نظرها، فقد بذرت فينا، نحن الجهلة والأميين، بذور الصهيونية الجيدة القائمة على المنفى والاضطهاد والمعاناة والصهيونية والهولوكست والهجرة والاستيطان والثورة والانتفاض.
قرأت المعلمة الإسرائيلية النموذجية في مدرسة الأطفال الشرقيين الأبيات التالية بدون تلعثم: «يا رب ارحم وواسِ صهيون/ إن كانت ما زالت متروكة للقبور؟». أفترض أنها لم تعرف أبداً، ولذا، فلم تستطع أن تحكي لنا، أنه عندما تخيل بياليك البلد البعيدة والمهجورة، كان العثمانيون يعيشون في أرض إسرائيل. لم يكونوا فقط حوالي 300 ألف فلسطيني، وإنما أيضاً حوالي 30 ألف يهودي، أغلبهم سفارديون من البلاد العربية والإسلامية. عصفورة بياليك الجميلة لم تحكِ له أنه في العام 1892، كان الشمال أفريقي أهارون شالوم قد بنى بيته خارج يافا، وأسس هذا الحي اليهودي الحديث الأول، سويّاً مع حاييم أمزيلج ويوسف مويئيل. بعدها، في التاريخ الذي أصبح رسمياً، علّمتنا أن إليعيزر وشمعون ركيح كانا هما من أقاما الحي الأول خارج يافا «نفيه تسيدك». لم ندرس أبداً شيئاً عن العائلات المغربية، التي أقامت الحي الأول خارج أسوار القدس القديمة، «محانيه يسرائيل». آلاف من يهود المغرب كـــــــانوا يعيـــــــــشون في القدس في نهاية القرن التاسع عشــــــر، ولم أسمع أبداً أو أقرأ عن ذلك في المدرسة الرسمـــــــــية في إسرائـــــــيل. أنا مقتنع بأن هذا كان ليدفئ قلبي داخل كــــــمّ البرد الاكتئابي الإشكنازي البياليكي الذي أطعمونا إياه على مدار عملية تشكيلنا كيهود جدد، أي: مضطَهدين ومخلَّصين.
 

«الحبكة العليا»


للتأريخ الصهيوني ثمة محدّد أساسي: ما لا يخدم «الحبكة العليا»، الصهيونية الإشكنازية، لا يدخل التاريخ، لأنه يحدث خارج تاريخ الشعوب الأوروبية، المحتلة، المسيطِرة، التي تشكّل العالم غير الأوروبي ومواطنيه الأصليين، وفق رؤيتها واحتياجاتها كما كتب عن هذا كثيراً إيما سيزار، فرانز فانون، إدوارد سعيد وإيلا شوحاط، ويضيق المجال عن أن نستشهد من كلامهم هنا. تشكيل المواطنين الأصليين اليهود العرب، مثل الفلسطينيين، مثل من يعيشون خارج التاريخ، هو ما أتاح استغلالهم اقتصادياً وقمعهم ثقافياً في ما بعد، بما فيه اجتثاثهم ونقلهم من قطعة أرض إلى أخرى. هذا يذكرني بقصة ذكية سمعتها مرة: رجل أفريقي أسود يتحدث إلى خالقه الذي يتجلى إليه، يسأله: لماذا أعطيتني ملامح كتلك مع شفتين سميكتين وأنف كبير؟ يجيبه الرب: كي تتمكن من النجاة في ظروف الغابة الأفريقية. يواصل الأفريقي: إلهي العزيز، ولماذا خلقتني بساقين طويلتين وقدمين واسعتين؟ ويجيبه الرب بصبر: حتى تتمكن من الركض بسرعة كالايل وقت الصيد والهروب من عدوك وقت الخطر. يستمر الأفريقي، ولماذا يا إلهي خلقتني أسود كالليل؟ ويجيبه الرب: حتى تتمكن من الاحتماء من الشمس الحامية وكي لا تغرق في حرارة الصحراء. ويودع الأفريقي خالقه بسؤال أخير: صحيح أنك شرحت لي شرحاً وافياً، يا إلهي، فقط قل لي من فضلك، ما الذي أفعله إذاً في هارلم بحق الجحيم؟!
في نهاية نوفمبر 1963، عندما كنت أبلغ من العمر أربع سنوات تقريباً، جئت مع والديّ وأخي من المغرب إلى إسرائيل، وعلى الفور بدأت مسيرة تعليمي في البلد. عائلتنا، وهي تتكون من أبوين شابين وولدين صغيرين وبنت ولدت بعد ذلك في إسرائيل، كانت أصغر من عائلات أعمامي وعماتي كثيرة الأطفال. وصلنا مع موجة الهجرة الثانية من المغرب، التي لم تمر بخبرة المعابر، واستوطنت مباشرة في مدن التطوير، مباشرة في ميناء أشدود التي كانت وقتها تمر بحركة نشطة من التطوير والبناء. كبرت في حي للمهاجرين بين مبان سابقة التجهيز، «بلوكات» كما اعتادوا تسميتها. كل طفولتي مرّت بين كثبان الرمال، بين الرافعات وهياكل البنايات. في غياب مراكز الثقافة الأخرى، باستثناء الشارع الصاخب، تحولت المدرسة بسرعة إلى مركز حياتنا كأطفال، وكنا نعود إلى ساحاتها أيضاً بعد الظهيرة للعب كرة القدم. كيف تعلمنا وما الذي تعلمناه (وما الذي لم نتعلمه) في المدرسة كأطفال مهاجرين؟ هذه هي الأسئلة الأصلية لي، ليس فقط لفهم العمليات الاجتماعية التي مررت بها أنا وأبناء وبنات جيلي، وإنما أيضاً وبالأساس لفهم منظومة التعليم في السياق الديموقراطي لإسرائيل، كدولة يهودية/ لليهود وكادعاء ديموقراطي غربي، خاضع بشكل واضح لسلطة الهيمنة الصهيونية الإشكنازية.
على الرغم من أن هذا الكتاب لن يعتمد على تجارب شخصية سياسية، وأن ادعاءاته مبررة بواسطة تحليلٍ للنصوص والحقائق والمعطيات، فقد شعرت أنه من واجبي أن أبدأ بمقدمة شخصية سياسية على قاعدة تجربتي الشخصية في منظومة التعليم الإسرائيلي، كتلميذ، كطالب، كمدرّس وكأب. بالطبع، إن قصتي ليست خاصة، والكثيرون سوف يرون فيها أسساً مشابهة لتجربتهم التعليمية في إسرائيل.

 

 

تجربتي الشخصية ــ السياسية


وضع عائلتنا في ستينيات القرن العشرين، كان أفضل نسبياً من وضع أبناء وبنات المهاجرين في الخمسينيات. ففي الستينيات، لم يتم إسكاننا في المعابر، وكنا قد درسنا في مدرسة أساسية نظامية، يومها الدراسي طويل نسبياً وغذاؤها ســــــــاخن. المدرسة التي درست فيها كانت حكومية، أي يهودية غير دينية. من خلف جدار المدرسة، كانت تنــــــــــشط مدرسة حكومية دينية درس فيها تلاميذٌ أقل. كان لديّ أصدقاء في المدرستين، وفي الأغلـــــــــب كانـــــــت عائــــــــــلاتنا متدينة بالدرجــــــــــــــة ذاتها تقريباً. أبي، الذي اتخذ القرار بشأن تعليمنا، فضّل التعـــــــــــليم الحكومي غير الديني الذي كان ملائماً لعملية العلمنة التي مرّ بها هو نفســــــــــــه كصبي في مدرسة «أورط» بالدار البيضاء. مررت الفصل الأول في مدرســــــــة تضم تلامذة من السكان الأوائل لأشدود، قبل أن ننــــــــــــــــتقل إلى شقة حكومية تتبع شركة «عاميجور»، ذات مســــــاحة أكبر (60 متراً) في حي المهاجرين الجـــــــدد. المدرسة الجديدة التي وصلت فيها إلى الفصـــــــل الثاني بدت في تركيبتها الإنسانية كأنها معــــــــــــسكر لاجئين عملاق، مليء بالألوان والأصوات في خلـــطة لغات (مغربية، تونسية، فرنسية، هندية، فارسية، وهنا وهناك نجد التركية والرومانية). يومياً، كان يصل تلاميذ جدد، وعلى مدار السنة يتم افتتاح فصول جديدة.
لمفاجأتي، اكتشفت منذ الأيام الأولى أن الكتب في الفصل الثاني هي الكتب التي درستها في الفصل الأول بمدرسة السكان الأوائل، وشكوت من ذلك لوالديّ. بعد بداية العام الدراسي بأسبوعين، قرّر المدير على خلفية اختبارات العبرية والرياضيات، أن يصعد بي مباشرة إلى الفصل الثالث. وهناك، عانيت من مضايقات الأطفال. بالنسبة إليهم، فقد كنت أنا الطفل الذي تسلّل إلى مجتمع الكبار. تعلّمنا في فصل يضم ثلاثين تلميذاً، مع معلمة - مربية درّستنا أغلب الدروس. المعلمة - المربية الأولى لي كانت إشكنازية من مواليد إسرائيل. في الفصل الرابع، كانت معلمة جديدة قد أصبحت من نصيبنا، معلمة أنهت «سمينار» التدريس. وهي أيضاً كانت إشكنازية، شابة وجميلة. أتذكر كم أحببناها محبة روحية. بالنسبة لنا، فقد كانت هي إسرائيل، وأردنا أن نكون مثلها. أغلب المدرسين كانوا إشكنازيين، باستثناء مدرسي الفرنسية والمهن الذين كانوا مغاربة، ومدرسي الألعاب الذين كانوا مهاجرين من شرق أوروبا. أحببت دروس المهن، وفيها بنيت أرفف من الخشب وكراسي بلا ظهر. لم يساورني الشك أبداً بأن «المهن» كانت هي كلمة السر لفخّ «ما قبل الصناعي»، الذي أُدرجنا به.
ظاهرة فريدة إذاً: حظي بعضنا بتعليم مع معلمة إنكليزية هاجرت مؤخراً من الهند، كانت تتحدث الإنكليزية البريطانية الفخمة المغموسة بلكنةٍ هندية (والتي أعرفها اليوم من المحادثات الهاتفية لخدمة زبائن شركات كثيرة تتم إدارتها على يد شباب وشابات في الهند)، في مقابل الإنجليزية المتلعثمة للمعلمات الإسرائيليات اللواتي درّست معهن (أو لم أدرس). تعلّمنا الإنكليزية والرياضيات بمستويات مختلفة في الصف ذاته. الرياضيات، درستها بشكل ما، ولكن رسبت بالإنكليزية في المستوى الأخير، الذي قضينا فيه الوقت في متعٍ مختلفة. تعلّمنا الفرنسية جميعاً في الصفوف الأولى، وبعدها توقف تعليم الفرنسية وتأسفنا لذلك. العربية لغة العدو كانت خارج المجال. حتى كلمة «عربية» لم تكن تتردد في المدرسة. وأكثر من هذا، فإن أغلبنا، نحن الذين كان أباؤهم يتحدثون معهم بعربية مغربية، قد حرصوا كثيراً على إبقاء العربية خارج أبواب المدرسة. فقط الشتائم صمدت بشكل ما. في اجتماعات الأهالي، كنا نجلس متوترين ليس خوفاً مما ستقوله المعلمة، وإنما لنكون جاهزين لإحباط أية كـــــــلمة عربيـــــــة تخرج عن طريق الخطأ من فم الأم أو الأب. عنـــــدنا في البيت، أبي، الذي كان يتفهم مزايا أوامر الدولة بمحـــــــو العربية، قرّر هو نفسه في السنوات الأولى أن يحظر العربية داخل بيتنا، من أجل تأسيس العبرية كلغة أولى. لحظنا الوافر، فقد واصلت أمي الحديث إلينا بالمغربية في عدم حضوره، وكذلك جدتي وأعمامي وعماتي الكبار، الذين لم يدرسوا العبرية أبداً بشكل نظامي في إسرائيل.
المربية المعلمة الأولى لي، كانت ابنة لناجين من الهولوكست. البلدة اليهودية في شرق أوروبا، معاداة السامية والهولوكست، كل ذلك كان بالتأكيد أساس دروسها. أذكر أنها كانت تستحلفنا أن نقاطع جميع المنتجات الألمانية، وتفصّل أسماء المنتجات مثل راديو بايلوت، ماكينة خياطة زينجر، وسيارة فـــولكس فاغن، منتجات لم يكن بوسع آبائــــــــنا آنذاك سوى أن يـــــحلموا بها. الألمان، على اختـــــــلاف أجيالهم، لا النازيون، أصـــــبحوا أعداء روحي على طول فترة طفولتي.

 

 

 

 

تحديثنا و«فلشتينا»


في مرحلة مبكرة أكثر، تعلّمتُ أن العرب قد هربوا، وأنهم يحاولون حتى الآن تصفية اليهود في أرض إسرائيل، وتصفية دولتنا الشابة والضعيفة، وفقط بفضل الوحدة اليهودية وشجاعة المحاربين القلائل أمام الكثيرين، فقد نجحنا في إيقافهم وإحباط مؤامراتهم. كلمة «فلسطين» لم أسمعها ولا مرة حتى نهاية التعليم، باستثناء كلمة «فلشتينا» التي بدت لي دائماً كلمة توراتية. كنا نعرف كلمات «فتح»، «منظمة التحرير الفلسطينية»، «مخرّب»، ومتأخراً عرفنا «ابن التنظيم»، وهي شتيمة كانت توجه لليهودي الذي يتجرأ على لفظ كلمة «فلسطينيين»، الفلسطينيين الذين قالت عنهم رئيسة الوزراء غولدا ميئير أنهم غير موجودين. هذه الغولدا ميئير التي تحت سلطتها وسلطة مجايليها تشكلت هويتي الإسرائيلية. وهي قالت أيضاً عن «الفهود السود»، الذين خرجوا احتجاجاً على القمع الموجه ضد اليهود الشرقيين، أنهم «غير لطيفين». ولكن، لحظنا الوافر، فهم على الأقل كانوا موجودين في نظرها.
لم تخترع غولدا هذه المقاربة الازدواجية تجاه الفلسطينيين من ناحية، والشرقيين من ناحية الأخرى. هاتان المقاربتان المختلفتان تماماً انتهجتهما السلطة منذ البداية ضد هاتين المجموعتين «الأخريين» من نظرنا. قامت السلطة الصهيونية بمحو الفلسطينيين، والذين تحولوا إلى لاجئين خارج حدود 1949، من وعي الجمهور. هم غير موجودين. أما الفلسطينيون الذين بقوا داخل حدود 1949 فقد وطنتهم إسرائيل ونصبت عليهم حكماً عسكرياً حتى عام 1966. أي، قامت بإقصائهم من خلال العملية الرسمية المركزية لبناء المجتمع الإسرائيلي، أو باسمه الشعبي «المصهر»، أو باسمه اليهودي «مزج المنافي». هاتان التسميتان تقصدان المجتمع اليهودي فحسب، كمجتمع قومي، بينما المواطنون العرب تم الاحتفاظ بهم خارج هذه العملية بفضل تسمية «العدو الداخلي»، أو حسب تسمية أحد الجنرالات: «السرطان الكامن في جسد الأمة». بالطبع، هذه ليست «أمّة المواطَنة»، التي حلم بها عزمي بشارة، وإنما الأمة اليهودية. أما العلاقة باليهود الشرقيين فكانت كما أسلف علاقة إدماج، ولكن ليس مجرد الإدماج، وإنما «إدماجهم من خلال سلبهم اجتماعياً»، أي، التحديث. هذه هي إحدى الأساطير الكبرى للصهيونية الإشكنازية التي تزعم ان إسرائيل الشابة أنقذت يهود البلدان الإسلامية الضعيفة وأتت بهم إلى مجتمع حديث ومتطور. هدف هذه الأسطورة المدحوضة هو تقديم هجرة يهود البلدان العربية والإسلامية إلى إسرائيل بوصفها «هجرة إنقاذية»، ومن هنا يأتي تبرير العلاقة القمعية ضدهم، التي يتم شرحها في السوسيولوجيا المؤسسية بوصفها «أخطاء» تصاحبها نوايا طيبة.
هذه الأسطورة مليئة بالثقوب. أولاً، التحديث في فلسطين في العقود الأولى من القرن العشرين، مثلما في كل البلدان العربية وبشكل أساسي في المدن الكبرى مثل بغداد، الإسكندرية، القاهرة، الجزائر، دمشق، بيروت، إسطنبول، أنقرة، ومدن المغرب الساحلية، كان تحديثاً للمجتمع العربي واليهودي ولم يحدث بفضل القيادة الصهيونية، وإنما تحت الاستعمار البريطاني. وأكثر من هذا، فالقيادة الصهيونية حرصت على بناء اقتصاد مستقل عن اقتصاد العرب بل وعلى حسابها، في إخلاصها للأسس الاقتصادية للأيديولوجيا الصهيونية: «احتلال الأرض» و«احتلال العمل». فلو أراد الصهيونيون أن ينعموا بهذا التحديث، فهم ينعمون بوظيفتهم كمستوطنين استعماريين، وهو الدور الذي ينكرونه تماماً. اليوم، نعرف أن إسرائيل بدأت الانتقال للاقتصاد الصناعي فقط مع مجيء يهود الشرق، الذين أدّوا، رغماً عنهم، دور البروليتاريا للثوريين الصهاينة الإشكنازيين «الاشتراكيين»، الذين أصبحوا مدراء وسماسرة وتجارا وأصحاب مشاريع. وبخصوص الفلسطينيين من مواطني إسرائيل، ادعى اليهود الأوروبيون المتقدمون أيضاً أنهم قد جلبوا إليهم بشارة التحديث من الخارج، بينما الحقيقة هي العكس: مع سيطرة اليهود على كل أنحاء فلسطين، وطرد أغلبية السكان الفلسطينيين وإقامة دولة أغلبية يهـــــــودية، فقد دمـــــــروا 400 قرية فلسطينية، فرضوا حكماً عسكرياً على الفلسطـــــــينيين الباقين وأوقفوا عملية التحديث الفلسطيني التـــــي بدأت قبل 1948 بكثير، من أجل جعل المجتمـــــــع العربي معلقاً بإحسان السلطة «التــــــــــحديثية». على ســـــبيل المثال، هناك الحقيقة البسيطة التي تقول إنــــــه لم تـــــتم إقامـــــــــة مســـــتوطنة عربـــــية واحــــــدة جـــــــــــديدة منذ 1948، في مـــــقابل مئات المســــــتوطنات اليهـــــودية.

 

 

 

 

أشدود... وأسدود


أشدود التي كبرت فيها كانت غارقةً في الصحراء، وكانت محاطة بمساحات من الكثبان والنباتات، انجذبنا إليها كأطفال في نزهاتنا الكثيرة. سريعاً جداً، اكتشفنا أنه لم يكن كل شيء رمالاً. في واحدة من نزهاتنا الشاردة الأولى إلى المداخل الجنوبية للمدينة، تعثرنا ببقايا مهجورة من مبنى حجري، وبينها بقايا بيوت وبينها مبانٍ أكبر، مثل مدرسة ما زال لوحها معلّقاً على واحد من جدرانها. وبشكل خاص، سحرتنا الحدائق بكرومها، أشجار التين وسائر أشجار الفواكه في أفنية البيوت التي كان بعضها مدمراً بالكامل وبعضها مدمراً جزئياً. انقضضنا على الأبقار بشهوة بالغة. كنا أطفالاً نبلغ من عشر حتى اثني عشر عاماً على الأكثر. لم يستطع أحدنا أن يخبرنا لمن تنتمي البيوت والحدائق. لم نسمع في الفصول الدراسية، ولا في البيت ولا في الشارع، عن أسدود الكبيرة جنوب أشدود، أو النبي يونس على شاطئ البحر الشمالي، والتي تجولنا في أنقاضها. القليل الذي كان يعرفه آباؤنا هو تحذيرنا من هذه الأماكن لأن «البدو سكنوها ذات مرة». لسببٍ ما، قرّرت أن تلك هي أنقاض القرى الفلشتية، التي سمعت عنها من قصص التوراة. هكذا، طوّرت أساطير كاملة حكيتها لأصدقائي عن الفلشتيم الذين عاشوا يوماً في أشدود حتى هزمهم البطل شمشون وبنو إسرائيل، فتمت تصفيتهم واختفوا. هذه حقيقة، كما زعمت، فهل رأى أحدكم فلشتياً حياً؟ عندما استجوبني أصدقائي بخصوص مكان تلك الأعمدة التي أسقطها البطل شمشون (الإرهابي الانتحاري الأول في المنطقة) عندما حطم هذا المعبد الفلشتي على من به، أرسلتهم إلى غزّة كما يعلمنا الكتاب. لم نكن قد قرأنا رواية «خربة خزعة» لـ«ساميخ يزهار»، أو «أمام الغابات» لـ«أ.ب. يهوشواع»، ولكنه شيء ما من كل هذا تعلمته في المدرسة. من المثير للاهتمام أنه حتى بعدما زرنا غزّة مع آبائنا (كتان، توابل، علاج أسنان، وأشياء أخرى)، فوراً بعد احتلالها في 1967، لم أربط بين «عرب غزة» الذين اعتادوا هم أيضاً على المجيء مرة في الأسبوع إلى سوق أشدود وإقامة نصبة سمك أو توابل أو أثاث خشبي خفيف وبين البيوت العربية المهجورة في محيطي. حتى عندما بدأ بث التلفزيون بالعربية مع برنامج «سامي وسوسو» الأسطوري وبث الأفلام المصرية في ليل السبت، كنت مقتنعاً أن البرامج بالعربية موجهة إلينا، نحن متحدثي العبرية، لا للفلسطينيين من مواطني إسرائيل الذين لم يصل ذكرهم إلى أشدود.
هذا الجهل في طفولتي تجاه سكان البلاد ومواطنيها الأصليين المجتثين لم يكن عَرَضياً. ليس بالصدفة أنني قمت بقفزات زمنية تشمل آلاف السنوات، حتى أضبط أمام عقلي صورة الواقع الناقص. وهذه هي النقطة، دائماً عرفت بشكل غامض ومُزاح عميق إلى الداخل، أن الصورة ناقصة. ولم تتشوش الصورة لديّ بشكل درامي إلا عندما زرت عمتي للمرة الأولى في يافا. عمتي التي وصلت في الخمسينيات، تم تسكينها مع عائلتها الشابة في المعبرة ثم في بيت شان وفي النهاية في بيت عربي بيافا. زيارتي الأولى ليافا أربكت جميع معلوماتي وأحاسيسي تجاه من كنا قد تعلمنا معرفته بوصفه العدو الذي كان والذي لم يعد موجوداً. أمام البيت الذي سكنت فيه عمتي (والذي أممته الدولة بعد الحرب)، كانت تسكن عائلة فلسطينية لها أطفال كثر من سننا. ذهلت عندما أخذني ابن عمتي لبيتهم، لاكتشافي أنهم «بالضبط مثلنا». التقيت بعرب محليين فعلاً لم أكن قد عرفت حينها أن اسمهم فلسطينيون. تعلمت عندهم لعب البلياردو، كما لعبنا كرة القدم في الشارع. كانوا أصدقاءه وأصدقاء أصدقائه اليهود، كانوا جميعاً يتحدثون العبرية بلكنة، وكلهم كانوا يسبون بالعربية، ولم يكونوا يدخلون معارك أبداً كما يحدث في جميع الأحياء. فجأة، بدأت تنتظم في رأسي قصص أبي عن حياة اليهود والمسلمين في المغرب، وبشكل خاص عن أصدقائه المقربين، وعلاقات جدّي القوية بالقادة المحليين للمسلمين في منطقة تافيلالت الصحراوية التي جئنا منها. حتى حينه، كانت قصص أبي تصطدم مع قصص المعلمة بخصوص العرب الذين يتآمرون ضد يهود البلاد، وماذا نفعل، أغلب الوقت كنت أصدق قصص المدرسة. اليوم، عندما أتذكر قصص طفولتي هذه في يافا، تخطر على بالي أيضاً كلمات بن غوريون الذي حذّر من أن يتصل هؤلاء الصبية الشرقيون بالشباب العرب.

 

 

 

 

هكذا اكتشفت...


كانت تلك هي السنوات الأولى من الاستيطان اليهودي في بيوت العرب بالأحياء الفلسطينية. بعدها بسنوات طويلة، ثقب عقلي السؤال لماذا لم يوطن بن غوريون الناجين من الهولوكست، والذين كانوا أكثر من الشمال أفريقيين في الخمسينيات، في هذه البيوت؟ لماذا كان من تم تسكينهم في جميع هذه الأحياء العربية، في صفد، عكا، حيفا، القدس، الرملة، اللد ويافا، غالباً وبشكل يبدو منهجياً تماماً، يهوداً شرقيين، أو كما كانوا حينها يهوداً عرباً؟ في حالات يافا ومصرارا ويمين موشيه بالقدس، فإن الإجابة تكمن ربما في ما حدث بعدها، إذ تم خلال أقل من ثلاثة عقود إخلاء جميع اليهود من بيوت العرب وتم تسكينهم بشكل مستقل في أحياء من بلوكات جديدة، مثل شمال بات يام المعروفة باسمي يافا 3 ويافا 4. دخل سكان إشكنازيون بالأساس إلى البيوت العربية، البيوت التي رممت ويقدر ثمنها اليوم بملايين الدولارات. أما اليهود الشرقيون فقد أدّوا دور مستوطني الحدود، في السنوات التي اعتبرت فيها هذه الأحياء قرى حدودية. فوق هذا، فقد شكّل ذلك طريقاً سريعاً لوضع هؤلاء اليهود أمام انعكاسهم العربي والذي كان وقتها هو العدو نفسه، مثلما أن سائر أقربائهم قد تم تسكينهم في القرى الحدودية في الشمال أو في الجنوب، وتعلموا على جِلدهم، هنا في دولة إسرائيل، أن العربي هو عدو اليهودي ومضطهده. أي أن الواقع اليهودي العربي الذي شكلته الصهيونية الإشكنازية في أرض إسرائيل أثبت لهم في ما يتجاوز أي شك أن الهوية العربية هي عدوة الهوية اليهودية. وأكثر من هذا، فإن اليهودي ليس بإمكانه أن يكون يهودياً كاملاً، وليس إسرائيلياً فحسب، إن لم يكن نقياً ومتحرراً من أية ذرة عروبة. المنهج الدراسي الإسرائيلي الرسمي هو ما وقف وما زال واقفاً كرأس حربة متصدياً لهذه المهمة القومية سلب العروبة عن اليهود العرب. فُهم هذا وقتها وما زال يُفهم بوصفه مهمة قومية أمنية حقيقية. بعد سنوات طويلة، شاركت في إقامة التنظيم التربوي البديل «كيدما»، وأدرت مدرسته في حي «هاتيكفا» الفقير، جنوب تل أبيب، فهاجمتني مديرة مدرسة تل أبيبية راسخة وقديمة لكوني أقمت مدرسة للدراسات النظرية في حي هاتيكفا: «أنت تطعن في العنصر اليهودي المشترك وبهذا فأنت تمس أمن إسرائيل». بالضبط هكذا. واختارت أن تدير ظهرها رداً على سؤالي بأنه لو كان الأمر هكذا، فأين تقف المدارس العربية في إسرائيل من وجهة النظر هذه؟ ليس فقط سلب العروبة هو ما حدث لليهود العرب، وإنما أيضاً محوهم من التاريخ اليهودي وإخضاع قصتهم للرواية الصهيونية المركزية. أصبحنا جميعاً من نسل الخارجين من شتايتل البولندية والجولاج الروسي والغيتو، تبنينا هذه الهوية المتخيلة وتمسكنا بها بكل قوانا، لأن هويتنا التي لم نتمكن من معرفتها، كانت قد رحلت عن العالم، تقريباً. يبدو أنها فقط قد تم إبعادها وسوف تنفجر في الجيل الثاني والثالث وتطالب بمكانها من جديد.
في مدينة أشدود الشابة، كانت هناك مدرستان ثانويتان «شاملتان»، أولاهما كانت دينية والثانية ليست دينية، وإلى جانبهما مدارس مهنية صغيرة. نموذج المدرسة الشاملة الذي سندرسه في ما بعد، هو أحد الميكانيزمات المركزية لخلق التقسيم العرقي للعمل في إسرائيل. بشكل تعميمي، فثلث تلاميذها فقط يحظون بالفرصة لدراسة المنهج النظري الذي يمكّنهم من مواصلة التعليم العالي. وكل الباقين ينهون الثانوية، في أحسن الاحتمالات، مع شهادات مختلفة ومتنوعة تصدرها وزارة التعليم من أجل إرضاء رغبتهم ورغبة آبائهم، مثل حماقة «نصف تخرج مع مهنة» . مع نهاية المدرسة الأساسية في العام 1973، أشارت المستشارة التعليمية على أبي بأن يرسلني لمدرسة داخلية لسبب ما. في المدرسة الداخلية، وفق كلامها، سوف أكون محمياً من «البيئة السلبية» في أشدود، والتي ضمت بها من دون قصد طبعاً بيتي وعائلتي. من ناحية أخرى، فما الذي يخلق هذه البيئة، إن لم تكن البيوت والعائلات؟ بالطبع، لم أكن الوحيد ولم يكن هذا السلوك شائعاً في أيامي فقط. منذ الخمسينيات والسيتينيات، كان ساد مفهوم «المستوعبين»، أو «المربين»، كما سماهم سفيرسكي، هذا المفهوم الخاص بمصلحة الطفل، في مقابل بيته البدائي والفاشل. هكذا وجدت نفسي رغماً عني منفصلاً عن بيتي، عن أبوي وإخوتي وأخواتي، وقضيت أربع سنوات في مدرسة نحالات يهودا الزراعية، سنوات مليئة بالخبرات والصداقات الروحية التي امتدت على طول حياتي، ولكن مع القليل جداً من الدراسات النظرية القيمة. الرؤية المركزية هناك كانت إعادة تثقيف أبناء البلدات والأحياء وضمّهم إلى المجتمع. والأساس هو تأهيلنا للاستيطان الزراعي مع كل ما يترتب عليه ذلك. هكذا، وجدت نفسي في السنوات التالية للثانوية، مستوطناً صهيونياً فخوراً، أستوطن الجليل الغربي، في إطار ما سميَ حينذاك «تهويد الجليل». أي، مصادرة أراض عربية وإقامة مناطق عسكرية عليها، تحولت في ما بعد لمواقع وأبراج ونقاط مراقبة مدنية وكل أنواع التسميات المغسولة والتي تعني مستوطنات عنيفة أقيمت بالتوازي مع حركة الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة. إلى هناك، لأسفي الشديد اليوم، حملني التعليم الصهيوني المتمركز حول أوروبا والمعادي للعــــرب. أذكر حوارات مع شخص رائع من مؤسسي الكيــــــبوتس الصغير الذي تم وضعي فيه كجندي في شـــــبيبة الطليعة المحاربة، كان يدرس العربية الفصحى في الجـــامعة، أراد وحاول بشدة أن يتقبله عرب الجليل كواحد من أبناء المكان. لم يدرك إلى أية درجة كان يفرض نفسه عليهم، يغتصب أرضهم وروحهم، حتى وهو يبدو كأنه يريد التعلم منهم وأن يكون واحداً منهم. الحقيقة أنه، مثلنا جميعاً، كان يتجول في المساء وبيده بندقية.
في سنواتي الأولى بالجامعة فقط، انكشف أمامي تاريخ القمع الفلسطيني. وللمرة الأولى أيضاً، انكشفت أمامي تلك الحفنات الأولى من التاريخ المكتوب، البحثي والتوثيقي، للقمع ضد الشرقيين، وبالتحديد المنشورات الأولى لسفيرسكي وبرنشــــــــــتاين، وأكثر منها الدروس السياسية لدكتور ناعومي كايـــــس التي كانت إحدى الداعمات والمســــــاهمات في صـــــــراع «الفهود السود». ولكن أساساً، لولا اللقاء مع طلاب من اليسار، يهوداً كانوا أم فلسطينيين، لم أكن لأعي بالقصة الفلسطينية، تلك التي لم أحظ بسماعها أبداً على طول سنوات دراستي في منظمة التعليم الإسرائيلية، ولا حتى في إشارة هامشية. سريعاً جداً فهمت أنني أعيش حياتي بين قمع وقمع بين كوني مقموعاً كشرقي على يد الهيمنة الصهيونية الإشكنازية، وبين كوني قامعاً للفلسطيني، سواء الفلسطيني الإسرائيلي أو ذاك في أراضي غزة والضفة الغربية. ما لا شك فيه، حسبما تعلّمت على قدر ما تعمّقت، أنه من المريح من هذه الناحية أن أكون صهيونياً إشكنازياً. وأن أكون صهيونياً إشكنازياً فهذا ليس موضوعاً عرقياً أو دينياً. الشرقي أيضاً يمكنه ذلك بل والعربي حتى، لأنه اختيار أيديولوجي سياسي يقف أمامه أي إسرائيلي أن يختار أو أن يرفض اختيار منظومات علاقات القوة في المجتمع. إحدى هذه المنظومات وربما الأبرز في مركزية تأثيرها على الإسرائيليين كأفراد أو كمجاميع هي منظومة التعليم. من هذه الناحية، هي بمثابة مرآة لإسرائيل تعكس جيداً الديموقراطية اليهودية بعيوبها وإخفاقاتها الكثيرة.

كاتب مصري وصاحب مدوّنة «هكذا تحدّث كوهين»
http://hkzathdthcohen.blogspot.com/