| 

ألا يكون تاريخ الإفراج عنك مؤكداً يجعل انتظاره درباً من دروب الأوهام. ففي يومٍ يسبق إطلاق سراحك أو في اليوم ذاته، قد يجدّد اعتقالك لسنوات بعدد التي قضيتها، أو أكثر أو أقل.. مدّة التمديد ليست الأهم هنا، وإنما ما تطويه من ألمٍ لا يصيب المعتقل فحسب بل عائلته وأصدقاءه أيضاً، ناهيك عن أثر ذلك على زملائه الذين ينتظرون تاريخاً وهمياً يلاقونه في اليوم التالي.
بدايةً، عندما أتحدث عن الاعتقال الإداري، تراني أحكي عن تجربة حياةٍ عشتها وعايشتها أنا وأسرتي. لن أتناول الموضوع من الجانب القانوني أو الحقوقي، أولاً لأنني لست مختصاً بالمجال، وثانياً لأن هذا الجانب قد بات معروفاً للمهتمين به. بل أضحى واضحاً للجميع أن الاعتقال الإداري هو اعتقالٌ لا يستند إلى أي مسوغ قانوني سوى كونه إرثاً سيئاً من احتلالٍ مسيء (الانتداب البريطاني على فلسطين 1917-1948).
بدأت تجربة اعتقالي الاداري في العام 2002، حيث تم اعتقالي من مدينة القدس. وبعد التحقيق معي لقرابة شهر في مركز تحقيق المسكوبية، تم تحويلي للاعتقال الإداري ونقلي إلى سجن عوفر، ومن ثم إلى معتقل النقب الصحراوي، حيث بقيت مدة ثلاث سنوات ونصف. تمّ تمديد اعتقالي الإداري 15 مرة. وفي كل مرة، كانت تعتبر اعتقالاً جديداً، بل أسوأ من ذلك لما للتمديد من أثر نفسي على المعتقل وعائلته، وخاصة الأبناء.
قبل انتهاء مدة الاعتقال، عرضت قوات الاحتلال عليّ الإبعاد إلى الخارج لمدة عامين كبديلٍ عن الاعتقال الإداري. قدّموا العرض عبر محاميتي، وقد أُطلق على هذه السياسة في حينه اسم «سياسة الإبعاد الصامت». رفضت هذا العرض وبقيت رهن الاعتقال حتى الإفراج عني في يوم 21-12-2005.
الاعتقال الثاني كان بتاريخ 12/1/2009. بقيت رهن الاعتقال الإداري حتى تاريخ 10/1/2010، وقد قضيت هذه الفترة في معتقل النقب الصحراوي. تبعها الاعتقال الإداري الثالث بتاريخ 22/11/2011، وبقيت هذه المرة رهن الاعتقال الإداري حتى تاريخ 23 /8/2012 في معتقل عوفر قرب رام الله. وبهذا، تكون قرابة 6 سنوات من عمري قد انتهكت بالاعتقال الإداري من دون تهمة أو محاكمة عادلة، بادّعاءات لا أساس لها من دولة الاحتلال وأجهزتها لجهة أني «أشكل خطراً على أمن المنطقة والجمهور». والطريقة الوحيدة، بحسب تعبيرهم، لتجنب «هذا الخطر» هي في استمرار اعتقالي إدارياً.
تجربة الاعتقال الإداري وحياة الأسر هي تجربةٌ مريرة وقاسية للمعتقل وعائلته على حد سواء. فهي تهدف إلى احتجاز المعتقل وعزله وتعطيل طاقاته واحتجاز الإبداع فيه. وهنا، يبدأ الصراع بين المعتقل وسجّانه. ليس صراع قوةٍ بل صراع إرادة، وكيف يمكن للمعتقل المحتجز والمجرد من كل شيء، المتسلح بالإرادة والعزيمة والتصميم على قهر السجان والانتصار للكرامة الشخصية والوطنية، أن يقاوم الاعتقال وينتصر في معركة الصمود، والتصدي لإجراءات السجان وتعسف دولة الاحتلال.
الاعتقال حرم عائلتي من تواجدي معهم في أصعب اللحظات وأجملها. ابنتي ميس، خلال الاعتقال الأول، كان حلمها أن أوصلها إلى المدرسة في يومها الأول. وخلال الاعتقال في العام 2002، تعرضت زوجتي بيان لمرض (كــــــيس بالرأس)، استخدم المحــــــــامي التقارير الطبية بالمحــــــــكمة للمساعدة على إطلاق سراحي كي أكون بجانب زوجتي، فكان رد القاضـــــي أن «حياة الجمهور الإسرائيلي أهم مــــن حيـــــاته وحـــــياة زوجته».
تحاول قوات الاحتلال، بمختلف أدواتها وأجهزتها، إضفاء الصبغة القانونية والشرعية على الاعتقال الإداري، عبر ما يسمى محاكم الاعتقال الإداري، وهي في واقع الأمر محاكم صورية. وعليه، فإن الرد على هذه المحاكم يكون بمقاطعتها بمختلف مستوياتها لتعريتها ونزع الشرعية عنها. وهذا ما قام به الأسرى الإداريون أكثر من مرة كخطوة نضالية في مقاومة هذا الاعتقال.
تقول زوجتي بيان التي خبرت الاعتقال الإداري كثيراً بأنه قتل بطيء للمعتقل وعائلته ومحاولة لتفكيك وتدمير العائلة: «الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود، وهو اعتقال له بداية وليست له نهاية واضحة».
في المقابل، تعتبر الزيارة في السجن هامة جداً فهي الحبل السري، ورابط الحياة مع الخارج، على الرغم من صعوبتها وحجم المعاناة التي يتكبدها الأهل للوصول إلى السجن، ناهيك عن معاناة زيارة معتقل النقب التي تستغرق ما يزيد عن 15 ساعة سفر وانتظار من أجل 45 دقيقة هي مدة الزيارة.
خلال الاعتقال الأول، زارتني زوجتي بيان وابنتي ميس للمرة الأولى، بعد مرور قرابة العام على احتجازي. إذ لم يكن يتم تنظيم زيارات لأسرى معتقل النقب، قبل «إعادة افتتاحه». عندها، تمت زيارتي أكثر من مرة، ومنعت والدتي البالغة من العمر 75 عاماً من الزيارة بحجة إنها «ممنوعة لأسباب أمنية». في الاعتقال الثاني، زارتني زوجتي بيان وابنتي ميس، ولم تحضر ملك ابنتي الصغيرة للزيارة بناءً على طلبي، حيث حاولت تجنيبها هذه التجربة الصعبة. في الاعتقال الأخير، زارتني زوجتي وابنتاي ميس وملك في سجن عوفر قرب رام الله، حيث تتم الزيارة من خلال زجاج فاصل ويجري الحديث عبر سماعة تشبه الهاتف تمكّن إدارة السجن من سماع المحادثة وتسجيلها. وعدا عن كون ذلك انتهاكاً للخصوصية والحرية، فإن إدارة السجن تعمل أيضاً على تشويش الصوت بحيث يصعب سماع المتحدث. تتم الزيارة في قاعةٍ مغلقة ومحصنة فيها 40 معتقلاً، يقابلهم حوالي 100 زائر من الأهالي. وخلال الزيارة، يسمح فقط بإدخال 4 صور من الأهل، سجائر بعدد محدد، وبعض الملابس، مرة كل شهرين.. وغالباً ما تتم إعادتها بحجة إنها تحتاج إلى تصريحٍ خاص.
هذا فصلٌ من فصول تجربتي في الاعتقال الإداري كما عشتها وعاشتها عائلتي. وهو فصلٌ من فصول الظلم الذي يتعرّض له الفلسطيني في بلده المحتلّ، وفصلٌ من فصول المقاومة التي يسطرها يومياً، باللحم الحيّ.

أسير محرّر