| 

في صباح يومٍ مشمس من أيام أيّار الجاري، صنع فلسطينيو أراضي الـ 48 المحتلة صورةً عن «العودة». وهي صورةٌ نقلها الإعلام الاجتماعي لنا، نحن الذين نحيا خارج فلسطين، ولم تنقلها وكالات الأنباء العالمية. إذ اكتفت بنقل مسيرات إحياء ذكرى النكبة (تاريخها 15/5) في أراضي السلطة، جنباً إلى جنب مع احتفالات عيد الاستقلال الإسرائيلي (تاريخه 5/5)، كتوازنٍ سياسيّ لم يكن بديهياً لعقـــــــــودٍ طويلة، خـــــــلال سطوة صورة «الضحية الإسرائيلية» على المشهد العالمي. اعترفت إذاً بحلول النكبة، ومع ذلك، لم تبلغ بعد مرتبة الاعتراف بأحقية أخذ العودة بالغصب، أو حتى بالرمز.
قبل «أخذها» بأيامٍ، وقف الرجل المسنّ ذو الوجه الحبّوب على قارعة شارعٍ ترابيّ، في فيلمٍ تعبويّ قصير يدعو إلى المشاركة في «مسيرة العودة» إلى قرية لوبية. أوقف بيده «فان» أجرة لنقل الركّاب. نظر في داخله الفارغ، ومع ذلك سأل السائق عن اتساع الأمكنة للركّاب. استخفّ السائق بسؤاله، فإذا بالمسنّ ينده على أحفاده الذين قفزوا بكثرتهم من خارج الصورة ليملأوا الفان رقصاً وهتافاً. ولأن الوجهة هي قرية ممحية، وجد السائق صعوبةً في إيجاد الطريق، وقد باتت أشدّ وعورة كناحيةٍ مهجورة، كـ«أرضٍ بلا شعب». تراه يستعين بالـ«جي بي أس» للاستدلال على الطريق، فيعجز صوت الآلة عن تحديد موقع القرية، لا بل ينفي وجودها، كخطابٍ رسميّ. يتنرفز الختيار، ويضرب الآلة بيده. يكسرها، فيخرج صوتٌ عربيّ فلسطينيّ يدلّه إلى القرية التي يتحدّر هو والأحفاد منها، وهي تقع في الاتجاه الذي أشار الختيار للسائق به سابقاً. يفرح كطفلٍ، وتكون الدعوة للجميع بالتوجّه إلى حيث يعرفون.
منذ 17 عاماً، يقصدون القرية تلو الأخرى، بأعدادٍ بدأت رمزية لا خبرَ يُنقل عنها، حتى بلغت الآلاف تحت الأعلام الفلسطينية الموحّدة، في نسختها لهذا العام. في المسيرات السابقة، كانت تجاور العلم الفلسطيني صورٌ من أنظمةٍ ساهمت في صناعة واقعنا غير السعيد هذا. تطوُّر الأيام والأفهام والأصوات أدّى إلى ولادة مشهد هذا العام. علمٌ فلسطينيّ واحد ترفعه أيادي المختلفين في ما بينهم. وهم فعلاً مختلفون كأي جماعة، كأيّ شعب.
جهّز جيش الاحتلال نفسه ليستقبل المسيرة بالقمع المعتاد سنوياً، لكن الأعداد التي فاجأتنا فاجأتهم. لن تصطدم وحدة «الياسام» بحشدٍ كهذا. ستصبح القصة مسألة أخرى، تبعاتها ليست محسوبة بعد. تجهّزوا إذاً وعجزوا، خارج أدوات «توازن الرعب» المعتادة. فرأينا الأطفال يلهون بالأعلام وكأن العسكريّ ليس هنا، وكأن القرية فعلاً هنا. تراهم مدّوا سؤال «الوجود» الشائك بإجابةٍ بسيطة، كزيارةٍ قروية في يومٍ مشمس.
أما العَلَم الفلسطيني الذي يبدو بديهياً لكل عربيّ متواجد خارج أراضي العام 1948 فهو ليس كذلك فيها. إذ يكفي أن نعرف أن السجن كان عقوبةً تنتظر رافعي العلم الفلسطيني في إسرائيل. وأن ترفع العلم الفلسطيني اليوم، بألوانه المنعشة على الطريق «الإسرائيلية» نحو القرية الخفيّة وفيها، أو تعلّقه على باب البيت، فذلك يعني أن تسجّل نقطة تقدّمٍ في نضالك أولاً، وتؤكد تالياً عبر نضالك هذا أن «الدولة» ليست الدولة، والمُعمّم ليس الواقع. إذ مزّق العلم سطح الصورة، ليخبر عن وجودٍ يمتدّ في باطنها، متّقدٍ ومقيّدٍ في آن. اشتهر عن محمود درويش انزعاجه من تكرار العرب لقصيدة «سجّل أنا عربي» خارج سياقها، إذ أن سياقها هو تحدٍّ وجودي يرفعه فلسطيني الداخل الذي نام في ليلةٍ حربية واستيقظ ليجد نفسه «إسرائيلياً». انزعج درويش عندما استحال قولُ النضالِ الوجودي هذا، هتافاً لا يتطلب من الشخص أي جهدٍ في بلادٍ يحكمها العرب أساساً، لا بل ويُبذل احتفاءً قــــــــومياً بالذات يهمّش أي مساءلة، كما يطحــــــــن اختلاف أهل 48. اليوم، عندما يرفرف العلم الفلسطيــــــني في أراضي 48، تراه يستكمل البناء الذي قامت عليه قصيدة درويش حينها، ولفتت إليه. يخبر عن الخصــــــــــــوصيات التي تصنع الفوارق في القضية الفلسطينية، تُغنيها ولا تجزّئها. خصوصياتٌ تُحاك بالقلّة النامية، بالإبرة والخيط، سنةً تلو الأخرى، بالعربية والعبرية، ترسم للوجه ملامح كثيرة، تمدّه بالعمق والعدالة معاً.
وهكذا، خلال الفترة الممتدة ما بين «الاستقلال» والنكبة، استيقظنا في بلاد العرب لنتذكّر النكبة كما في كل عام، فوجدنا أنفسنا نحفظ اسم قريةٍ لا أثر لها على خريطة الحاضر. «لوبية» التي تبعد 10 كلم غرب مدينة طبريا، كانت تقع على الطريق المؤدية إلى مدينة الناصرة. هجّرت ودمّرت ومحيت عن الخريطة. فاتجهوا بالآلاف نحوها، جعلوها عودةً، وغنّوا لها. إن الفيلم الذي نقل مشهدهم وهم يضعون الأكف على الصدور بينما ينشدون «موطني»، صنع حالة فرحٍ بيننا. فرحٌ يعرف حجمه الطبيعي، ولا يدّعي أكثر منه.. لكنه يعرف المعنى أيضاً، ويدرك أن العدالة بناءٌ مضنٍ يتم تشييده منذ زمن. وصورة لوبية بالأمس هي مشهدٌ سعيدٌ منه.
لقد حصل إذاً أن اخترقنا عنوان «النكبة» العريض، بمشهدٍ سعيد.