| 

يجتمع مفهوما الحقّ والواجب في كلمة «عودة»، ولأن الحقّ لا يُمنح، فإن الواجب لا ينتظر أحدًا ليتمّ. وقد شهدت السّنوات الأخيرة نموذجين حيّين في الداخل الفلسطيني، أو ما يُطلق عليه اسم أراضي الـ48، جرى خلالهما تحقيق واجب «العودة»، في قريتين هما: كفر برعم وإقرث، علماً أنهما قد هُجّرتا كغيرهما من القرى والمدن الفلسطينية في العام 1948.
المسيرات السنوية نحو القرى المهجّرة مستمرة منذ 17 عاماً، آخرها كان في ذكرى النكبة في العام الجاري، وقد سطّرت العودة إلى قرية لوبيا مشهداً استثنائياً إن في الحشد أو في تفاصيله الآسرة.
حين زرتُ القريتين، شعرتُ بفرحة العودة تخرج من عيون الأهل، صوت صياح الديك، غناء عجوز القرية، رائحة النعنع المزروع وصوت جرس الكنيسة.
وحين تسأل أي شخص من كفر برعم أو إقرث: لوين رايح؟
يُجيبك: «راجع ع البيت».

فما قصتهما؟

حقّق أهل القريتين (وتحديداً منهم، أولئك الذين يسكنون في حيفا والجليل) خلال السنوات الأخيرة، واجبًا وعادوا لإحياء القرى، رجالًا نساءً شبابًا وأطفالًا، أوصلوا المياه إليها، ونصبوا الخيـــــم في غرفةٍ باقية منها. وما زالوا يؤمون القريتين، ولو في عطل نهاية الأسبوع، صيفًا خريفًا شتاءً وربيعًا. تراهم يقيمون فعاليات ثقافية وفنية وتوعوية على مدار السنة، بهدف ترسيخ فكرة العودة، والتأكيد على عدم ضياعها في ثنايا الاحتلال.

إقرث

تتبع قرية إقرث لقضاء عكا، وتبعد عنها حوالي 25.5 كيلومترًا إلى الشمال الشرقي. تتواجد القرية على تل شديد الانحدار، على ارتفاع 550م عن سطح البحر، وتبعد بضعة كيلومترات عن الحدود اللبنانية. هُجّرت القرية في العام 1948 وهدمت في العام 1951، ولجأ جميع سكانها إلى لبنان وإلى القرى الفلسطينية المجاورة، بعدما طردتهم الجيوش الصهيونية بين العامين 1948 و1951.
بلغ عدد منازل قرية إقرث 50 منزلاً في العام 1931، أما عدد سكان القرية فبلغ 339 نسمة في العام ذاته، ثم 490 نسمة في العام 1945.
كنيسة الروم الكاثوليك هي المبنى الوحيد المتبقي من القرية حتى اليوم. ومن الهام الإشارة هنا إلى أن أهل قرية إقرث لم يتنازلوا عن حقهم في العودة إلى البلد، وبادروا منذ السبعينيات إلى التظاهر ضد سياسة المؤسسة الصهيونية القائمة على نهب الأراضي وعدم إعطاء الفلسطينيين بشكل عام والأقارثة بشكل خاص حق العودة إلى بلدهم. ثم صاروا ينظمون مخيماً لأولاد البلد في كل سنة في إقرث، لتعليم الأولاد أهمية الصمود وعدم التخلي عن حقوقهم، ولكي يقرّبوهم أكثر من البلد.
في شهر آب من العام 2012، أعلن أهل البلد عودتهم بشكل رسمي، بلا قرار محكمة، وبلا «إذن» بالعودة. وهم يسكنون هناك منذ ذلك الوقت.
تمارس المؤسسة الصهيونية على أهل إقرث الكثير من التضييق، فيتم دورياً قلع الشجر وتخريب ما تبقى لهم من وجود.
ومع ذلك، ما زالوا فيها. ويشار هنا إلى أن أهل قرية إقرث يستعملون الكهرباء على الطاقة الشمسية، ما يضعهم في ظروف معيشية صعبة أيضاً.

كفر برعم

ترتفع كفر برعم 750 مترًا عن سطح البحر في الجليل الأعلى، على بعد 17 كلم شمال غرب مدينة صفد، كما تبعد 4 كلم عن الحدود اللبنانية. وُصفت في القرن التاسع عشر بأنها قرية مبنية من الحجارة ومحاطة بالبساتين وشجر الزيتون وكروم العنب. كان عدد سكانها في تلك الفترة ما بين 300 و500 نسمة، وقد وصل عدد سكان القرية إلى 1050 في العام 1948.
طردت القوات الإسرائيلية أهالي القرية في العام 1948، فأقام معظم أهلها في البساتين المحيطة بالقرية، بينما اتّجه البعض الآخر إلى قرية رميش في لبنان والبعض إلى صفد. وفي إطار عملية حيرم العسكرية، طُرد أهالي القرية بشكل نهائي منها في يوم 29 تشرين الأول 1948. ومنذ ذلك الوقت، بدأت عملية هدم القرية ونهب معظم الممتلكات ومنع الأهالي الأصليون من العودة بحجة أنها أصبحت منطقة عسكرية. وفي العام 1953، حدث تفجير عسكري للمساكن بعدما أقرت المحكمة العليا بالحق في عودة الأهالي في العام 1952. وتواصل الهدم في العام 1952 بحجة الحفريات الأثرية التي كان يجريها الباحثون الألمان. وعند تصاعد مطالبة الأهالي بالعودة، حوّل العسكر الإسرائيليون القرية إلى محمية عسكرية مقفلة.
يقيم أهالي كفر برعم في مخيمات العودة منذ الثمانينيات لرفع الوعي وترسيخ فكرة العودة. ومنذ شهر آب 2013، أعلن أهالي كفر برعم العودة إليها بشكل رسمي.
يعيش الأهـــــالي حـــــــالة صراع قضــــــــــــائي مع المؤسسة الصهيونية، حيث أنهم يواجهون أمراً بإخلاء القرية، ولكنهم تقدموا باستئناف، بينما يؤكد وجودهم في القرية إصرارهم وعزيمتهم وتمسكهم بالعودة.
يذكر أن القريتين تحظيان، حتى اليوم، بتضامنٍ فلسطيني وخارجي كبيرين، وبزيارات دعمٍ دائمة.
هذان النموذجان يربيان الأمل في مَن فقد الأمل، ويضعان مفهوم العودة على رأس قائمة الحقوق والواجبات: إذ لا عودة عن حق العودة.