| 

دقائق قليلة كانت تفصل بين الاتصال الهاتفي الذي تلقاه حارس قارب «فلك غزة» وبين الانفجار الذي وقع في القارب المتواجد في ميناء غزة البحري وألحق به أضراراً جسيمة. تلك المكالمة الهاتفية تلقاها الحارس من مصدرٍ مجهول، تحثّه على إخلاء القارب، لأنه سينفجر بعد قليل.
أما مصادر «السفير» فتلفت إلى أن التحقيقات الأولية تشير إلى تسلل بحري ليلي سبق التفجير، نفذته مجموعة «كوماندوز»إسرائيلية، بهدف تفجير القارب.

منها وليس إليها فحسب

باشر فلسطينيون ومتضامنون من عدّة دول أجنبية ببناء قارب «فلك غزة» منذ عامين تقريباً، وهم سعوا من خلال هذه المبادرة «السلمية» إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزّة منذ العام 2006، بطريقةٍ مغايرة لسفن «أسطول الحرية»، إذ سعوا لتحطيم الجانب الآخر من الحصار البحري، وتحديداً لجهة منع الصيادين الفلسطينيين من اجتياز مسافة ثلاثة أميال بحرية. فكانت الخطة ببناء القارب واستخدامه لشحن منتجات فلسطينية محلية، نقلها عبر البحر إلى مشترين وقّعوا عقود شراءٍ مُسبقة مع القائمين على الحملة.
وبينما سعت أساطيل الحرية في وقت سابق لكسر المنع المفروض على الوافدين إلى غزّة، ومدّها بالمساعدات الدولية والطارئة، سعى هذه القارب لتحدّي البحرية الإسرائيلية التي تُسيطر على المياه الفلسطينية والدولية، ومساعدة الصيادين أيضاً في عبور مسافة أكثر من تلك التي تحددها السلطات الإسرائيلية. فكان القارب يحمل متضامنين أجانب، ونجح عدة مرات في مرافقة الصيادين الفلسطينيين في أثناء جولات الصيد ومنع الاحتلال من إطلاق النار عليهم إذا تجاوزوا المسافة التي يسمح الصيد فيها.
وأكد القائمون على القارب لـ«السفير» أنه كان يرسو في ميناء غزّة البحري على مسافة كيلومتر واحد فقط عن الشاطئ، ويعمل على تجهيزه شبانٌ ممّن أتقنوا حرفة صناعة السفن في غزّة. إذ كان من المفترض أن ينطلق إلى أوروبا بعد حوالي شهرين من الآن، محمّلاً ببضائع ومنتجات فلسطينية صالحة للإبحار، في مبادرةٍ أطلقتها مجموعات أجنبية وعربية متضامنة ورافضة للحصار الإسرائيلي على غزة.
وقد شرح مدير مشروع السفينة محفوظ الكباريتي في وقت سابق أن هذه الخطوة التي تأتي بمبادرة من مجموعات متضامنين محليين وأجانب، تهدف إلى «إنهاء سنوات من معاناة القطاعين الزراعي والصناعي في غزّة مع سلسلة قيودٍ إسرائيلية تحول دون التصدير الحرّ إلى الخارج». ولفت إلى أن الرحلة الأولى للمركب أقلّت متضامنين فلسطينيين وأجانب، مشيراً إلى أنهم توقعوا اعتراض قوات البحرية الإسرائيلية للمركب، «لكن ذلك لن يثني عزيمة العالم والمتضامنين ولن يتسبب في وقف إرسال السفن إلى قطاع غزة لكسر الحصار نهائياً».

المستفيد ليس «مجهول الهوية»

بعد النجاح الذي حققه «فلك غزة» في كسر الحصار الإسرائيلي عن الصيادين الفلسطينيين خلال رحلات الصيد، اتهم المسؤولون عن القارب قوات الاحتلال الإسرائيلي بتفجير القارب، ومحاولة عرقلة انطلاقه من ميناء غزة البحري إلى أوروبا، كما كان متوقعاً.
وقال مدير «شبكة المنظمات الأهلية في غزة» أمجد الشوا إن الانفجار الذي استهدف قارب «فلك غزة» أدى إلى أضرار جسيمة فيه وغرق جزء منه، مشيراً إلى أن المركب كان جاهزاً للانطلاق بعد عامين من العمل والاجتهاد على تجهيزه، علماً بأنه شُيد بتبرعات وجهود من متضامين دوليين عبر تحالف دولي قائم بالشراكة مع مؤسسات فلسطينية.
وتساءل الشوا عن المستفيد من حصار غزة ومن الإقدام على تفجير قارب سلمي، متهماً الاحتلال الإسرائيلي بالوقوف وراء هذا الاستهداف، مؤكداً أن «ما حصل لا يخدم سوى الاحتلال ومن يتعاون معه في حصار غزة، وليس لأحد مصلحة باستمرار الحصار الإسرائيلي الخانق الذي يمنع وصول الغذاء والدواء ومواد البناء، بالإضافة إلى حصاره على تصدير منتجات القطاع الزراعية».
وبينما أعلن نقيب الصيادين الفلسطينيين نزار عياش بوضوح انه ليس من مصلحة أي أحد تفجير قارب «فلك غزة» سوى الاحتلال الإسرائيلي، قال الناطق باسم وزارة الداخلية في غزة إياد البزم إن الأجهزة الأمنية المختصة ما زالت تجري التحقيقات لمعرفة ملابسات وخلفية الانفجار الذي استهدف قارب «فلك غزة».

فرضية «الكوماندوز»

أكدت مصادر أمنية لـ«السفير» أن التحقيقات الأولية تُشير إلى تسلّل وحدة «كوماندوز» من الضفادع البشرية الإسرائيلية إلى مرفأ السفن في ميناء غزة فجراً، بغطاء من الزوارق التي تنتشر في عرض البحر، والطيران الإسرائيلي الذي شُوهد محلقاً في المنطقة ليلة التفجير. وقامت هذه الوحدة بزرع عدّة عبوات ناسفة أسفل القارب الذي كان يطفو عند نهاية اللسان البحري في عمق كيلومترٍ واحد، ومن ثم قامت بتفجيره بعد تحذير الحارس.
وما يُعزز فرضية أن الاحتلال يقف وراء تفجير قارب «فلك غزة» هو تاريخ استهدافها لمراكب المتضامنين الأجانب مع غزة، إذ قامت عدّة مرات بإطلاق النار صوبهم وإصابة مراكبهم، إما بصورة كلية أو جزئية، في محاولة لثنيهم عن نشاطهم في كسر الحصار البحري المفروض على القطاع.
وخلال جولة لـ«السفير» في ميناء غزّة البحري بعد التفجير الذي طال المركب، بدا الحزن والهدوء الشديد سيدَي الموقف في المنطقة، وقد بدا الصيادون الفلسطينيين هناك في حالة يأس بسبب فقدان الأمل في تكرار جولات «حرّة» للصيد، مع تفجير القارب الذي كان يمثل طوق نجاة بالنسبة إلى كثيرين منهم.
ويجمع الصيادون على أن حملة التضامن الأجنبية التي تمثلت أخيراً في قارب «فلك غزة» قد أتت أُكلها، وأغضبت الاحتلال الإسرائيلي، لكن جنوده لم يتمكنوا من إطلاق النار على متضامنين أجانب كانوا يرافقون الصيادين ويوثقون الانتهاكات الإسرائيلية بحقهم. فأقدم الاحتلال على تفجير القارب فارغاً، ومنعه من الإبحار من غزة إلى أوروبا، لمعرفته المسبقة بأن هذا القارب سوف يجلب الأنظار إلى القطاع، وسيعمل على حشد الرأي العام العالمي ضد عنصرية الاحتلال الإسرائيلي وبطشه.
كان الناشطون قد أطلقوا اسم «فلك غزة» على هذا القارب تيمناً بالفلك الكبير الذي صمم للحفاظ على ركابه وبضائعه آمنة، وأمل الناشطون عبره في تنشيط الشعور بالأمل بين الناس في غزة.
ورغم الأضرار التي لحقت بالقارب الذي يحمل رسائل إنسانية رمزية، إلا ان ذلك لن يمنع الناشطين من مواصلة مهمتهم في كسر الحصار البحري المفروض على القطاع، إذ أكدوا لـ«السفير» أنهم سيقومون بإعادة ترميم القارب من جديد، وإطلاقه محملاً ببضائع فلسطينية محلية الصنع إلى أوروبا، فور الانتهاء من إعادة الترميم.
يُشار إلى أن المتضامنين مع قطاع غزة المُحاصر نظموا في ما سبق حوالي 12 محاولة بحرية لكسر الحصار، نجحت منها نحو أربع قوافل في الوصول إلى القطاع، وأعاقت إسرائيل وصول القوافل الأخرى. كما شنت هجوماً على أبرز القوافل التي أتت عبر البحر المتوسط، نذكر منها أشهرها، سفينة «مرمرة» التركية التي تعرضت لهجوم إسرائيلي في أيار/مايو 2010، وقتل الجيش الإسرائيلي في هجومه عليها تسعة متضامنين أتراك.