| 

المغلّف أبيض، مستطيل، ونظيف. أُدخلُ فيه المكتوب المطوي، ألعقه، وأغلقه. أتوقّف للحظة وأستدرك امتزاج الطّعم في فمي. لم آكل التّرويقة بعد. قطعة شوكولاتة مُرّة كانت آخر ما قد أكلته. لكنّ الطّعم في فمي هو طعم خبزة بلبنة. نعم، كان الطّعمُ محدَّدًا - مش لبنة لوحدها، بل قمح الخبز مخلوطًا بحموضة اللّبنة. خليطٌ من الجفاف والتّلذّذ. وضعتُ المغلّف في صندوق البريد، واستخرجتُ آخر من الدُّرج. فتحتُهُ واستطعمته هو أيضاً لأتأكّد من أنّ تذوّقي للأوّل لم يكُن مجرّد هلوسة صباحيّة سببُها قلّة النّوم وإسقاطاتي الاستشراقيّة على نفسي وتحتيم اشتياقها للوطن. لكنّ الطّعم لم يتغيّر. أغلقته من دون حشوه، وضعته جانباً، رأيت أنّ السّاعة تقارب الواحدة بعد الظهر، ومضيتُ أستذكر الأماكن الّتي قد تبيعُ سندويشًا باللّبنة في الجوار.

جغرافية المكان

المحلّات العربيّة في تورنتو تملأ الشّوارع. يكفيك أن تمشي في ما يُعتَقد بأنّه أطول شارعٍ في العالم، «شارع يونغ»، لكي تتعرّف على العشرات من أماكن الفلافل والشاورما والمناقيش. طبعاً، لا يخلو التّسكّع في الشّارع من اشتمامك لرائحة الأرجيلة، ورؤية أبناء شعبك مسترخين على دخنتها، تماماً، أو تقريباً، كما في الوطن. كأنّك في النّاصرة تتسكّع، من «فلافل الجبالي» في العين إلى «شاورما بونجور قبعين». أحد المحلّات هنا يذكّرك بشعبيّة «حمّص لينا» في القدس، ولو أنّه ليس بِقِدَم الأخير أو بطيب حمّصه. ما ان تجلس فيه هنا، يأتيك المضيف بسلّة من الخبز - خبز منفوخ ينفّس بخار زفيره كشابّة جالسة في محلّ الأراجيل - فتنسى جغرافيّة المكان وترجع بخيالك المشتاق إلى روائح سوق القدس - الحلو منها والعَفِن. في الخلفيّة، تسمع نانسي عجرم، هيفا وهبي، وعمرو دياب يدندنون لك كلمات ألمهم بينما تلتهم أنت حموضة اللّبنة وزيت الحمّص (ليس بطيابة زيت بلادنا). ينهي عمرو دياب ترانيم حبّه ليلحقه صوت المذيع مؤكّداً على مصدر الأغنية هامساً: «موقع بانيت».

«السيد جورج يونغ»

نعم، «موقع بانيت» الإخباري قد حمّل موسيقاه المسروقة من داخل فلسطين المحتلّة إلى تورنتو، أو جزيرة السّلحفاة المحتلّة - الاسم الّذي يطلقه السّكّان الأصليّون على أميركا الشّماليّة. نعم، قد تنسى لوهلة أنّك في شارع «يونغ»، وقد تجهل، أو تتجاهل، أنّك تقف على أراضٍ مستعَمرة صودرت من سكّانها الأصليّين بعد ذبحهم. وقد تجهل أنّ الشّارع سُمّيَ «يونغ» على اسم «السّيّد جورج يونغ»، صديق مخطّط الشّارع جون سيمكو، الذي كان قد تشاور مع أحد سكّان قبيلة الأنيشينابي لكي يساعده على تخطّي مأزق مستنقعات الشّمال، دالًّا إيّاه بخبرته المتناقلة على طريقٍ أفضل اشتقّها سكّان قبيلته عبر السّنين. شارع «يونغ» يربط بحيرة «أونتاريو» في الجنوب ببحيرة «سيمكو» في الشّمال. شارع «يونغ» يقسم مدينة تورنتو شرقاً وغرباً. كلّ شارع يقع شرق «يونغ» يضاف إلى اسمه «شرق»، وكذلك الأمر بالنّسبة إلى ما يغربه.
الشّارع ممتلئ بالحوانيت الأنيقة وغيرها، وساحته الرّئيسيّة ممتلئة بالواعظين. هنا واعظٌ يدعوك لقبول المسيح في حياتك، وهناك آخر يدعوك لتصفّح القرآن في يده، هنالك موسيقارٌ شابّ يعزف على طبوله في الجهة الأخرى من السّاحة، وهنا راقصٌ يقف على يديه بينما يقذف المارّة ببضع العملات في قبّعته. مشهدٌ يذكّرك بشارع «بن يهودا» في ما تُدعى اليوم بالقدس الغربيّة، حيث تقف هناك مجموعة من الكوريّين مرتّلين بأصواتٍ عذبة، طاغين على صوت الجيتارة في الخلفيّة. في آخر الشّارع، ترى جماعة «نحمان مؤومان» يرتّلون ويرقصون ويستخدمون مكبّر الصّوت لاجتذاب المارّة، بينما تقفز مجموعة من النّاشطين في الوسط، مطبِّلةً على صنوجها لكي تعلن امتعاضها من استيطان دولتها والاحتلال المستمرّ للقدس «الشّرقيّة». امتعاضهم جزئي، ولكنّه امتعاضٌ لا بأس به وسيسجّله لهم التّاريخ، بحسب نيّة كاتبه الطّيّبة طبعاً.

شارع 6 بين القدس والجليل

في تورنتو، لا يسجّل التّاريخ الامتعاض من الكولونياليّة في الوتيرة ذاتها المسجّلة في فلسطين. فالبنايات العالية تخفي آثار سكّان الأرض الأصليّين بشكلٍ جيّد، وتبهرك عن الالتفات للاختطافات الّتي تحصل سنويًّا لفتيات ونساء تلك القبائل. تلك القبائل الّتي طالما حذّر الفلسطينيّون من اللّحاق بمصيرها. ذلك المصير المشؤوم حيث لا استرجاع للأرض أو لأرواح الأموات. تحذيرٌ حُذّرنا منه وما زلنا نُحذّر منه، يومَ أرضٍ بعد آخر، جاعلين من قصّتهم قصّة تليق بالمتاحف لا غير. لكنّ السّكّان الأصليّين في أميركا الشّماليّة ما زالوا أحياء يُرزَقون، ونضالهم يتجدّد يومياً ضدّ الشّركات الّتي تستولي على أراضيهم لتمرير خطوط النّفط الرّمليّ فيها، وبناتهم تكثّفن كتابتهنّ للورقات الأكاديميّة عن اختفاءاتهنّ المستمرّة. وبعد، سكّان جزيرة السّلحفاة وسكّان أرض كنعان هم جزء من مشروع استيطاني متشابه، أصبحت الإشارة إليه اجترارًا أكاديميًّا مفروغًا منه. فشارع «يونغ» يوحي بالعصرنة تمامًا كما يعد شارع «6» بتسهيل السّفر ما بين القدس والجليل، غير آبهين بالثّمن المدفوع في سبيل العصرنة أو التّسهيلات. كلاهما أصبحا وسيلة نقل للوافدين الجدد. في أحدهما أنتمي أنا إلى الدّيموغرافيا المتآكلة، وفي الآخر قد أساهم، عن دون قصد، في عمليّة التّآكل كوافدة جديدة نصف هاربة ونصف جاهلة (والجهل لا يبرّئ ذنبًا).

«عكّو في إسرائيل»

في المستقبل القريب، سيفتح مطعم حمّص أبوابه في تورنتو. بحسب الأخبار المحلّيّة، سيكون المطعم على شاكلة أمكنة الحمّص في «عكّو في إسرائيل» حيث التّخصّص سيكون بالحمّص فقط. أي نعم، صحتين. «ألِف» عكّا السّاكنة، الحمّص، ومطبخنا فدا الاحتلال وسواد عيونه. لقد حفظنا الدّرس واعتدناه. لكن أن تفتح «حمّصيّة» أبوابها في تورنتو لتعرّف الأجانب على المطبخ الإسرائيلي بعدما كانت قهوة «أروما» قد فتحت لها 19 فرعًا في المدينة ذاتها، أن تصدّر إسرائيل مطبخ مستَعمَريها لتثبّته بأرض الأنيشينابي المحتلّة، فهذه تحفة فنّيّة من نوع آخر. كنت أتصبّح بـ«أروما» في طريقي إلى جبل المشارف في القدس، والآن أراها في كلّ مفترق رئيسي في البلدة «التّحتى» في تورنتو صباحًا كان أم مساءً. حمّص شعبي المحتلّ يؤكل هنا. جزيرة السّلحفاة ترحّب بآكليها.
فتحتُ مغلّفًا آخر ووضعت فيه مكتوبًا كنت قد كتبته للرّجل الرّاقص في تورنتو. كان يمشي الهوينا أمامي ويقفز عاليًا على الثّلج المكدّس على جوانب الشّارع. يقفز، يسدل شعره الطّويل ويلتفت إلى الوراء. يربط شعره مرّةً أخرى، يسدله فورًا، ويتلفّت حوله وهو يضحك. لا أظنّه لاحظ مراقبتي له أو انتبه إلى السّيّارات الآتية صوبه عند عبوره من بناية إلى أخرى. أكمل سيره إلى أن قصرت المسافة بيننا. حينها التفت إلى الوراء وقال لي، وكأنّه كان يعلم بوجودي طوال الوقت: «يو آر بيوتيفول،» ومضى. ابتسمت. أردت القول: «وأنت أيضًا. جمالك مجنون وخاصّ». لكنّه كان قد مضى. عدت إلى مكاني. أخرجت ورقة من الدّرج، كتبت عليها «يو تو،» طويتها، تذوّقت القليل من الخبز باللّبنة، وتركت الظّرف مفتوحًا لساعي البريد.

كاتبة فلسطينية مقيمة في تورنتو