| 

اكتشفتُ أنني أشبهُه بعض الشيء، ليس في شكله، بل بصمته الرهيب، وعناده، وأشياء أخرى تجمعنا، كحبّنا للوحدة.
جاء أبي إلى الحياة في مخيم جنين في العام 1943، وكَبرَ في حضن والدته حتى بلغَ مِن العُمر 11 عامًا. توفِيَ والدهُ تاركًا وراءه فتىً واحدًا «موسى مشارقة»، وأربعُ بنات، اثنتان أكبر منه تعملان في الفلاحة كي تسترزقا، في ظلِ الظروف العصيبة التي كانت تمرّ على مخيّم جنين في العام 1954. بعد وفاةِ والده، أُجبِرت الوالدة على الزواج والسفر بعيدًا عن مخيم جنين، إلى عمّان.
لم أسمعه يومًا يتحدث عن نفسه، رغم محاولاتي الحثيثة للتنصّت عليه، في سهرةٍ بيتية، في أثناء زيارة ليلية، عند استقباله لضيوفه ... لم أعرف عنه كثيرًا، فقد كانَ بطبعه قليل الكلام، ولا يسمح لنا، نحنُ الأبناء الستة، بسماعِ أيةِ تفاصيل، حلوة أو مُرّة.
جدّي، لم أرَ صورة وجهه. تركَ شقيقًا له، ولأبي أبناءُ أعمامٍ وأخوال، معظمهم في عمّان وفي المهجَر، لا أذكرهم ولا يذكرونني. مرّةً واحدة زاروا والدي، أيامَ كنت طفلة لا تحتفظ بالتفاصيلِ في الذاكرة.
وبعكسِ أشقائي الخمسة، ظلّت قصة أبي تشغلُ بالي.
كنتُ أتساءَل: مِن أينَ يأتي بقسوته وشدّته؟ ولماذا لا يربطني حنينٌ لمخيم جنين؟
شيئًا فشيئًا، ويومًا بعد يوم، صارَت ذاكرتي تتسِع، وظلّ السؤال الدائم عن اسم العائلة يستفزني: «هل أنتم من «في الأصلِ» من شفاعمرو؟!» - بالطبع.
«عائلةٌ صغيرة»، وأختصِرُ الإجابة حتى لا أتلعثم في الرد، لأنني سأكذب عليهم. أسئلة لا أحبها، وإجابات مُبهمة. يصنفونك في بلدةٍ هي مسقطُ رأسِك، كلاجئ. وإذا كانَ كل الفلسطينيين لاجئين، فلماذا يرمقك أحد مسنّي العائلات من الأعلى إلى الأسفل، ليُعرّي أصولك، ويُحرجك حين يسأل: مِن أينَ جذورك؟ عندها، تستطيع أن تختار أيّ بلدةٍ من الوطن، وتلصقها بالجواب. مَع ذلك، ستظلّ غريباً.
لم أسمعه يتحدث يومًا عن أصوله. كانوا ينادونه بـ«موسى الشوفانية»، أو بـ«الضفّاوي». هو، قليلاً ما رأيتهُ يضحك. كانَ صارمًا، جديًا، ومُراقِبًا لاذعًا، وكان يعاقبنا بالضرب. حين كنا نلمحه يقترب من بعيد بينما نلهو في الشارع، كنا نسارع للهرب إلى البيت، نحملُ الكتبَ، ونبدأ بالقراءة.
وضعني تحت المجهَر، لأنني «الأكـــــــــبر» بــــــين البنات. جعلني أخافه وأنزوي عنه، وأغوص في أعماق الكتابةِ والقراءة وأحلامي بأن أصبح شاعرة. فقرأتُ القصص، لكنني لم أعرِف أن في بيتنا قِصة لم أستطِع قراءتها.
لاحقاً، عرفتُ أنّ والدي اللاجئ مِن مخيم جنين، خرج منه هارباً في العام 1954، وكان لا يزال في الحادية عشرة من عمره، مع رجالٍ يكبرونه خرجوا باحثين عن مصدرِ رزقٍ في «إسرائيل»، بعد النكبة ببضعِ سنوات. وصغيرًا كانَ والدي عندما اقتحم سيارة العُمال، يحمِلُ معه بعض المؤن التي يُمكن بيعُها. وصل إلى مدينة «شفاعمرو» في الداخل، باعَ بعضاً من المؤن التي حملها بيديه، ووفّر بعض المال. وحين أرادَ أن يستريح بعد عناء يومٍ طويل، لم يجد مكانًا للنوم. فنام بين الحشائش والأشواك في إحدى المناطق الحُرجية، وانطلق في صبيحة اليوم التالي ليبحث عن عمل. وككل العمال الآتين مِن الضفّة متسللين، ستلاحِقهم الشرطة، وتعتقلهم، فكان لأبي نصيبٌ مِن السجن، وهو بعدُ طفلاً. بعد تسريحه، أمروه بالعودة إلى بلده.
عاد إلى مخيم جنين، مرّ على بيت عمّه، اطمئن على شقيقاته، وانتظر اليوم التالي ليستقل سيارة العمّال، ويعود إلى «شفاعمرو».
كرّر حكايته، وبحثه عن مكانٍ ينام فيه. داسَ الحشائش والأشواك، ونــــــــامَ في كـــــــيسٍ مختبئًا كي لا يراه أيّ من الذين اعتادوا الوشايــــــة بالعمال الفلسطينيين الوافدين من الضــــــفة الغربـــــــــية. واعتاد السجن، والهروب، والعودة، والربح، والخسارة.
سأل عائلة «شوفانية» عن إمكانية مساعدتهم في العمل بالزراعة أو رعي الأغنام، فوافقوا، ووعدوه بحماية، وائتمنوه على أملاكهم، وكان وفيًا في خدمتهم. صارَ واحدًا مِن العائلة، وفرّ نقودًا ونسي عائلته وهو لا يزال في الثانية عشرة من العمر، بعدما احتضنته العائلة الجديدة واعتبرته أحد أفرادها. وحين تجاوز السابعة عشرة من عمره، تقدّم أحد أفراد العائلة بطلب بطاقة هوية للشاب موسى، الذي يعمل في أرضهم وحقولهم، فكانَ لهُ ذلك، وصارَ اسمُه «موسى أسعد».
صارَ ابنًا لعائلةٍ شوفانيــــــــة، كبر وتعافى، ووفّر مالاً، وقرّر الزواج من أمي - بعد لقاءِ تعارفٍ سريع مع عائلتها المُقيمة في قرية اعبلين المُحاذية لمدينة شفاعمرو في الجليل - بحث عن عملٍ آخر في البناء، وعمل فترة طويلة في مصنعٍ للشوكولاتة في حيفا، وظلّ قويًا وجبارًا طوال حياتِه، وقاسيًا بعـــــــض الشيء. لكنّ نظرته تجاهي أنا بالذات كانت تحيرني، لم أفهم ماذا يقصِد بها، أو ربمـــا لم تكن نظرته تجاهي هي الغريبة، وإنما نظرتي إليه، حائرةً ومتسائِلة.
كان أباً لستّة أبناء يومَ عرفت والدته أنه يسكُن في مدينة «شفاعمرو»، وبأنّه على قيد الحياة. جاءت باحثة عنه، كان لقاؤهما مؤثرًا، حسبما سمعتُ مِن والدتي. وبعد سنواتٍ مِن الزيارات المتكرّرة سنويًا، رحلت جدتي، فزادت غربتي تجاه والدي. لم يستطع الذهاب للمشاركة في دفنها، بكاها بصمتٍ وغابَت عنّا إلى الأبد.
وكلما كبرتُ أكثر، أفكّر: هل من رابط بيني وبين بلدتي، أو بيني وبين مسقط رأس أبي؟ وإذا كنتُ أحب فلسطين حدّ الثمالة، فلماذا أشعرُ بالغربة؟ هل أحاول أن أبتعد عن وطنٍ وأناسٍ لم ألمس منهم شعوراً داعماً تجاه لاجئٍ؟ كُلُ التـــــــــــساؤلات في حياتي شرعية، لأنها تحدث بيني وبين نفسي، ولا تخرج إلى الفضاء.
صارَ أبي يغيبُ عني يومًا بعد يوم، صارَ يكبر، وصِرتُ أعانده. لا يريدني أن أعمل حتى ساعات متأخرة، فأعمل هربًا مِن تساؤلاته، ولاءاته.
كبر أبي أكثر فأكثر، أصيب بجلطةٍ حرمته من الكلامِ ومِن الراحةِ ومِن المُعاتبة، لكنّ نظرته تجاهي ظلت هِيَ هِي... ذات النظرة التي يُحاسبني فيها على شيءٍ لا أعرفه.
صارَ عليّ أن أساعده في الوقوف والذهاب، ويرضى بمرافقتي وبمساعدتي وهو صامتٌ، ويُعانِد أمي رافضًا تنفيذ أوامرها، فتحتكم إليّ، فيرضى أن أكون إلى جانبه.
رحل عنّا حينَ كُنتُ بعيدةً عنه. سافرت لبضعة أيام، فأخبروني أنّ والدي توفي، وعليّ أن أعود في ساعةٍ مبكرة قبل صلاة الظهر كي أودّعه. لم يكن ذلك ممكنًا لبعد سكّة سفري، فوصلت وقد غابَ عني تمامًا. لم أره ولم أودعه، لم أقبّله ولم أعتذر منه عن عنادي، عن عدم مشاركته في الحديث، لم أخبره أنني أخيرًا، بعد رحيله، فهمتُ ماذا يعني أن تكون لاجئًا، أو فاقدًا للعائلة، أو لأحد الوالدين...
محاولات أقاربنا في مخيم جنين الحصول على تصريحِ لعبور الحاجز والوصول إلى شفاعمرو، باءت بالفشل: كيف يكون اسم عائلتهم «مشارقة»، والمتوفى من عائلة «أسعد»، ويكونون أقارب درجة أولى؟! والنتيجة أنه أغمض عينيه، من دون أن يشعر بريحة أهله وناسه وأحبائه بقربه. عاشَ وحيدًا، وماتَ وحيدًا، وأنا... أنا أيضًا كنتُ بعيدة يومَ أغمض عينيه للمرةِ الأخيرة.
أتراهُ لا يعرف أنني أيضًا لاجئة، وأنّك أحيانًا، من دون أن تدري، تكتشف أنّ الغائبين عنك هم كلّ حياتك؟