| 

مِن تشكّل الحدث في الوعي صورةً ومعنىً عبر الاشارة، يمتد الواقع، ويغدو التعبير عنه تعبيرًا عن موقع الذات من نفسها، ووعيها بها وبواقعها. والحالة الفلسطينية باتت حالة معلقة في زمنية النكبة/الفقدان 1948، لا تنظر لما بعدها ولا تتأمل ما قبلها، وتختصر الاحتلال بالحدث، مقيدة دلالة كل الصور والمعاني الحادثة في اجترارات النكبة كحدث، وبالتالي تقفز فوق قراءة الواقع الاحتلالي كبنية مستمرة، ما يعطي حرية للاحتلال في تشكيل مفهوم الهزيمة والمقاومة لدى الوعي الفلسطيني بواقعه ومكانه.
على الوعي الفلسطيني أن يعي أن الاستعمار الاستيطاني بنية وليس حدثًا. وبالتالي، لا يتشكّل الوعي بالاحتلال في صورته النهائية بالحدث (النكبة/الفقدان). فالنكبة، باعتبارها فقدانًا للوطن، لم تتوج في العام 1948. النكبة هي بنية فعالة وديناميكية لا تزال حاضرة ومستمرة في الوعي الفلسطيني بذاته وموقعه من العالم، كأن تصبح صفد موقعًا سياحيًا إسرائيليًا، أو أن تصبح المقاومة عملية إرهابية، أو أن يتساوى الدم الفلسطيني والاسرائيلي، أو «لن نسمح بعودة اللاجئين لتهديد إسرائيل». هنا، يصبح الوعي الفلسطيني مكانًا مختلطًا، لا يقوم بذاته الفلسطينية/المحتلة دونما الذات الاسرائيلية/المحتلة. وبالتالي، لا يمكن أن يقاوم الوعي نفسه، وإلا بات عدمًا، ما يفسر الكثير من العدمية الفلسطينية.
لعل «المدن المختلطة» (يافا/عكا/حيفا/اللد/الرملة) تُعتبر شاهدًا مكانيًا باعتبار تَجاوز فكرة المكان - على فكرة الاِختلاط بِالآخَر/المحتل، وكيفية هندسة ذلك الاختلاط، ما يُفسر لنا ولو بشكلٍ لن يعطي الموضوع حَقه لضيق المَتن ها هنا، صَيرورة الذَات وَالآخر فِي الوَعي الفِلسطيني مَا بعد النكبة كتمظهر للحَدث.

تسمية الشيء لامتلاكه

«المدن المختلطة» هي المُدن التي كانت مدنًا فِلسطينية قَبل النكبة، وهَجّرت القوات العَسكرية الصهيونية أغلبية سُكانِها الفِلسطينيين، وَبات اليهود أَغلبية فيها. واصطلاح «مدن مختلطة» هو اصطلاح متحيز، مُهندَس ليُغيّب تَاريخ المدن المَعنية الفِلسطيني، فَتبدأ التَسميةُ (والتسمية أَول ظُهور الشَيء في اللغة وَالوَعِي، وَتسمية الشَيء امتلاكُه) لِتلك المُدن مِن لَحظة الاختلاط، أَي لحظة تَهويد المَكان بَعد طرد الفِلسطينين مِنه وظهور الاسرائيلي/المستمِر فيه. وأول من استعمل هذا المصطلح هم سِياسيو الحَركة العُمالية اليهَودية في سنوات الأَربعينيات فِي محاولة لوَصف الأقلية اليَهودية الوَاقعةِ تَحت حُكم الأغلبية الفِلسطينية، إِذ لم يثبت استخدام تلك التَسمية فِلسطينيًا منذ الأَربعينيات، بل ان استخدام تِلك التَسمية بَدأ في التسعِينيات لشَرعنة خِطاب المؤسَّسة الاِسرائيلية من خلال جعل «التسمية» عُنواناً لحقوق التواجد الفِلسطيني فيِها.
وبذلك تم تكثيف تغييب ذاكرة هذه المدن، كمدنٍ فلسطينية وكحيزٍ مديني فلسطيني، كجزء من تجليات الحالة الكولونيالية الاستيطانية الاسرائيلية. ولا يمكن فصل هذا الغياب عن مرآته في الخطاب السياسي الرسمي، خطاب أحزاب الداخل المحتل والمؤسسات السياسية الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني (فبسبب الانقسامات في جسد المنظومة السياسية العربية في يافا، والنزاعات بين ممثلي المجتمع المحلي، فقدت قائمة يافا مقعدها في المجلس البلدي، في االنتخابات المحلّيّة عام 2013)، ناهيك عن الخطاب غير الرسمي القائم في الحيز الفردي والمجتمعي كالأدب والشعر والفن. كما أن تاريخانية المدن الفلسطينية لم تتعرض فقط لإجحاف «مسمياتي/تاريخي»، ولكن للتغييب عن الذاكرة الجماعية الفلسطينية. إذ ان الوعي القومي الفلسطيني - بشكل عام - تأسس على الذاكرة القروية. وبتدمير المدن وتفريغها، غابت الحياة والذاكرة المدينية في الوعي الفلسطيني، وبات وعيًا ريفيًا قرويًا. ما يُمكننا من قراءة تداعيات ذلك على مكانة المرأة وعلاقات الجنوسة في الهوية الفلسطينية، وتمظهراتها الحمائلية والعشائرية والرجولية والطائفية وغير ذلك.

الفن كأداة ترسيخ الاحتلال

يميل بعض الباحثين (أورن يفتاحئيل، مثلاً) إلى تسمية «المدن المختلطة» بـ«المدن الاثنوقراطية» باعتبارها تشكّل مواقع الصراع الاثني المستمر، والظاهر مكانيًا وطوبوغرافيًا (والاحتلال تغيير في طوبوغرافيا المكان). إذ لا تختلف السياسة الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين في تلك المدن عن سياساتها تجاه الفلسطينيين عمومًا باعتبارهم أهل البلاد الأصليين. فقد تم تشكيل جوانب الحياة العامة وتحديد معالم الحيز العام من خلال التحكّم في هندسة المشهد الثقافي والسكاني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالتأسيس على نفي الفلسطيني من الزمان والمكان عبر عمليات التخطيط والتنظيم والميزانيات المدينية والتطويرية والتخطيطية.
إن موضعة الحداثة في سياق «الاحتلال/الاحلال» الاستيطاني الاسرائيلي، يمكّننا من فهم كيف يتشكل المكان الفلسطيني المحتل في تلك المُدن ويُشوَّه، إذ تطبق إسرائيل سياسة تهويد الحيز، وتقليل عدد السكان الفلسطينيين وأحيانًا ترحيلهم، كما حدث عند ترحيل بعض سكان عكا إلى قرى مثل: كفر ياسيف، والمكر، والجديدة، ناهيك بمنع ترميم البُيوت الآيلةِ للسقوط وتغيير معالم المكان من خلال تغيير الاسم في الوعي، كأسماء الشوارع العربية وبيوت المهجرين واللاجئين، وتَحويلها إلى أماكن يهودية، تمحو التاريخ الفلسطيني وتهوده، كما هي الحال في حي الفنانين في يافا، وحي «وادي الصليب» في حيفا، حيث تطرح المؤسسة الاسرائيلية مشروع هدم العديد من المباني العربية وتحويلها إلى ورش عمل فنية. ما يجعل هندسة المكان المحتل إسرائيليًا تتم من خلال أدوات الفن والثقافة والأدب، وبالتالي رسوخه أكثر في الوعي (صورةً ومعنىً). وإذا كان الفلسطينيون مشاركين في الحيز المديني العام في «المدن المختلطة»، إلا ان مستوى الخدمات المتحصلة للأحياءِ العربية يأتي في استِمرارٍ مَديني لعمليات التَضييق على الجزء الفِلسطيني، وطردِه من «المدن المختلطة».

خارج الزمان التوراتي

في أعقابِ الانسحاب من غزة في العام 2005، أطلقت الحَركة الاِستيطانِية اليهَودية حملة «إعادة احتِلال المُدن المختلطة»، وهي الحملة التي كانت مدعومة بشكل كبير من الحكومة والمنظمات اليَهودية. ما أدى إلى وجود تجمعات استيطانية محلية في تلك المُدن (أصبحَت المستوطنة اليَهودية فِي يافا تَضم 51 عائلة، مثلًا)، وكان ذلك التحرك تحت شعار «إعادة بناء المُجتمع التوراتي». هنا، يتم توظيف العامل الأمني من حيث السيطرة الكولونيالية على الأرض (الزمان والمكان) تحت ذرائع دينية وَأيديولوجية وأسطورية استِشراقية في خطاب المؤسسة الاسرائيلية، في سياقات السيطرة على الأرض وإخراج الوجود الفلسطيني مِن زَمنه. فَتبدأ تلك المدن تاريخها اليهودي من وجودها التوراتي وهو وجود خطابي، وبالتالي، فوجودُ الفِلسطيني مكانيًا غير متحقق لأنه خَارج زمان تلك المدينة الموجودة خطابيًا منذ المجتمع التوراتي(!).
ولعل التحولات التي طرأت على يافا واعتبارها ان «الحي العربي» التابع لتل أبيب، هو مثال عن سيرورة «المدن المختلطة». فبعيدًا عن تاريخ المدينة وفرادتها الثقافية، فإن المجتمع العربي يكافح منذ العام 1948 من أجل الحفاظ على وجود جماعيّ قابل للحّياة والنموّ، بالنسبة إلى البلديّة والدولة. إذ شكّلت يافا العربية «مشكلة» سياسية، ما دفع بالمؤسسة الاسرائيلية إلى تكثيف استراتيجياتها لجهة التطويق والرقابة والسيطرة. فعادة ما يصف أعضاء المجتمع العربي في يافا أنفسهم كـَ «أقلّيّة مزدوجة» يجري إقصاؤها مرّتّين: الأولى على المحور القوميّ من قبل مؤسسات الدولة، والثانية على مستوى السلطة المحلية. في غياب قيادة موحدة، وعمليات تجريف واستهداف للطبقة الوسطى في المدينة التي تضمن دينامية المجتمع، في مواجهة نسب الجريمة المرتفعة والموجهة من قبل المؤسسة الاسرائيلية.
وإذا كانَ تشكل الحَدث في الوَعي صورةً ومعنىً عَبر الاشارة يشكّل الوَاقع، فقد أحدَثت هَبة تشرين الأول / أكتوبر العام 2000، (هبّة الأقصى) تحولًا هامًا في وعي الأقلية العربية بموقعها المديني «المختلط» وَالمرآوي، فِي المدن المختَلطة. فاندلعت أَحداث المواجهات في يافا وحيفا والرملة واللد وعَكا، كاشفةً النقاب عن الفجوة الآخِذة في الاتساع في تلك الحيزات المدينية الحداثية بين السلطة والمجتمع الأقلياتي العربي الأصلاني، فجوة الدمج والثقة والسلطة، وعن التدخّل العنفي لمؤسسات الدولة في مواجهة الهوية الفلسطينية وإرتباطاتها بالزمان والمكان الفِلسطينييّن.

التوحّش خارج المدينة الحديثة

إن الفضاء الاسرائيلي (المديني)، وتمثيل الذات والآخر فيه، قائم على أربعة عناصر للتحكّم والمنع والرقابة: استيطان/توسع/تحوّل إثني (أثننة)/سيطرة. وفي مثال «إشارة» موازية لا تختلف من حيث الشبه مع «هبة أكتوبر «2000، كانت تظاهرات ومواجهات الشباب الفلسطيني ضد مشروع قانون برافر- بيغين الأخيرة، أواخر تشرين الثاني من العام الماضي. في حيفا، لوحظ أن قوات الاحتلال كانت تكثف من ضرباتها واعتداءاتها على المتظاهرين/ات فقط إذا دخلوا الحيز الزماني والمكاني المراد إحلال الدولة الحداثية الاسرائيلية فيه بصورتها المدينية. فكانت هناك محاولات لدفع المتظاهرين/ات إلى داخل منطقة «وادي النسناس» باتجاه «حي الصليب» في حيفا، وهو الحي العربي الحيفاوي القديم/ ما قبل الاحتلال ببنيته الحداثية. ولا يعدّ الدفع بالمتظاهرين/ات إلى ذلك الحيز المكاني من المدينة فقط تفصيلًا ميدانيًا محكوماً بالمواجهة، فجيش الاحتلال الذي يستمد بنية عمله من المبدأ الحاكم للمنظومة الصهيونية، إنما يقوم بذلك ليدفع المتظاهرين/ات إلى الحيز المكاني الفلسطيني المهجّر من المدينة، وهو الحيز الواقع خارج المنظومة الحداثية للدولة الاسرائيلية، وبالتالي فهو مكان «خارج» عن الزمن الصهيوني، باعتبار أن الفلسطيني/العربي هو متخلف وخارج منظومة الحداثة والتقدّم العالمية/ الرأسمالية بصورتها الاسرائيلية (المتفردة في منطقة القمع والتخلف العربي). وبالتالي، فإن الدفع بالمتظاهرين/ات إلى هذا الحيز الزماني/المكاني الفلسطيني يجعل المتظاهرين/ات خارجين/ات عن الزمان والمكان الاسرائيليين، أي منفيين/ات، ما يضمن للقوات الاسرائيلية درجة من التوحش المادي أعلى من تلك في الزمان والمكان المؤسرل الحداثي الذي يدّعي المدنية والتحضّر في سياقها الرأسمالي، وبالتالي فلن يدع - الاحتلال - المواجهات بينه وبين المتظاهرين/ات الفلسطينيين/ات تحدث في الحيز الرأسمالي المديني في منطقة المقاهي، ولا بالقرب من مقابر البهائيين، مثلًا.
إن «المدن المختلطة» هي مرحلةٌ بينية في سبيل الوصول إلى «المدن العبرية» الخالصة كولونياليًا، كجزء من صيرورة «الدولة اليهودية». وبالتالي، فهي جزءٌ بنيوي من «زمنية الفقدان/النكبة» التي لم تنته بعد، بل هي لا تزال في حالة من المقاومة لسياسات الاحتلال والاحلال الصهيونية، ما لم نتخلَّ نحن عنها باعتبار أن النكبة هي فقط لحظة قبلية معلّقة في العام 1948 لا بَعْدَ لها.

كاتب وباحث فلسطيني