| 

«الذكريات هويّة الغرباء أحياناً، ولكن الزمان
يضاجع الذكرى وينجب لاجئين».
 

محمود درويش


«يا شقيري بدنا سلاح... هات سلاح وخود رواح». كنت أرى الناس وأنا بينهم. وارتصفوا صفوفاً، جلوساً ووقوفاً، على الدكك الاسمنتية الطويلة لـ«الملعب البلدي» في صيدا. كانت الأكفّ تصفّق بايقاعات قصيرة وقويّة. تصفّق أيدي الشباب الكبار بقوّة، وتصل الكفوف إلى بعضها في الوقت نفسه. تمتد الأيادي المصفّقة أمام الصدور، أحياناً فوق الرأس. تقافزت الأجساد على الأقدام. كانت غالبية ثياب الشباب هي قميص وبنطلون بزنار رفيع. حضرت القمصان البيض كثيراً أيضاً، والتفت مناديل قماش على رقابٍ كثيرة، كي تمتصّ العرق. وبدت وجوه الشباب ضاحكة غالباً، وجادة أحياناً، لكنها فوارة.
يغضب أحدهم، وهو ضخم الجسم، ويرفض أن يذعن للأيدي التي تشدّه من الخصر. حاول شابان دفعه بالكتفين. وضع آخرٌ سبابته على فمه عمودياً، وقال: «له...له...له». وعضّ آخر على سبابة ممدودة في يده المكوّرة، فيما عقد حاجبيه وتقلّص وجهه. شوّح الرجل الضخم الجثة والأسمر الوجه بكلتا يديه. كأنه نفض الجميع عنه. كان زبدٌ متجمع عند فمه الزاعق: «خلّصنا يا زلمة. بدي أحكي بدي أحكي»، وأكمل كأنه يهتف في تظاهرة وحده: «ياشقيري ي ي ي، يا شقيري ي ي ي. ما بدنا حكي. بيكفي خطابات. بدنا نحارب. بدنا نرجّع بلادنا». كان وجهه مليئاً بالعرق، كمعظم الناس. تكرّرت إحاطة الأجساد بالرجل. لم يهدأ. جاء رجلان. سارا ببطء. لم يكن على وجهيهما كثيرٌ من العرق. عندما اقتربا من المجموعة الصغيرة حول الرجل، بدت وكأنها تفرّقت فجأة. نظر الرجل الضخم الذي كان يلبس كنزةً صيفية من النايلون السميك والغامق اللون، إلى الرجلين البطيئين. ارتدى كل منهما قميصاً أبيض، ككثيرٍ من الشباب. كانت نظرته ثابتة عليهما. هما نظرا بثبات إليه أيضاً. وصلا إليه. وقف أحدهما إلى يمناه والآخر إلى يسراه. حرّك الرجل رقبته كل مرّة باتجاه أحد الرجلين: «شو يعني؟»، قالها الرجل بلا صراخ، لكنه لم يشوّح بيده. تلفتت ثلاثة وجوه إلى بعضها. كانت الحشود حولهما في صراخٍ مستمر، والجميع يتحرّكون في الاتجاهات كلها. ومن هذه الأجساد الثلاثة، لم يكن أحد يقترب. كانت الشمس ساطعة فوق «الملعب البلدي» في صيدا. في البقعة التي ضمّت الرجال الثلاثة، كان ضوء الشمس كأنه أكثر قوّة، فاستمر وجه الرجل الأسمر في صبّ العرق على جبينه ووجنتيه. مسح بكفيه وجهه. تلاصق الرجلان بجانبي جسمه. ثم سار الثلاثة مبتعدين.
حدث ذلك في العام 1964. كنت أقرأ التاريخ الذي يكتبه المعلم يوميّاً فوق اللوح الأســــــــود المنقّر بنقط بيض، بعضها صغير والآخر أكبر حـــــــــــــــجماً. كان كل معلم يحرص على كتابة التاريخ فوق اللوح، لأننا كنا ننهض ونمحي اللوح عند نهاية كل درس. ودوماً، يكتب التاريخ في الزاوية العليا اليسرى من اللوح.
في «الملعب البلدي»، لم يكن هناك لوح، لكن الناس تجمّعت لاستقبال أحمد الشقيري في العام 1964.
بعد أيامٍ، قال أبي شيئاً، وحرص على تكراره دوماً. كان دوماً يقوله بالطريقة نفسها، بالضحكة عينها، وبقليل من الشخير من أنفه. لم يكن يتعمّد الشخير، لكن نهاية الكلمات كانت دوماً ثقيلة، ومع الضحكة، كان النفس الثقيل الهازئ والساخر (والمتألم كما سأعرف لاحقاً)، يبدو كأنه شخير، لكنه لم يكن كذلك.
«راحوا لعند الشقيري. كان بفندق «كارلتون» في بيروت. وقعد مع الجميع. كان بيناتن فلان، وهذا بتعرفه لسانه طويل. بعدين، فلان فهيم. كل الناس بتشهدله، وما بيخاف من حدا. قال له: «إسمع يا أستاذ شقيري. أنا بحبك. ما تزعل مني، بس أنا زلمي فتت ع الحبوس، وقضيت عمري بالسياسة، ويمكن إنت سمعت عني. مش هيك أستاذ؟ يعني أنا قضيت عمري بالسياسة. أنا بدي أسألك سؤال، وما بدي جواب سياسي. إنت يا أستاذ محامي كبير وديبلوماسي وبتقعد مع الكبار، ومحامي ولسانك حلو والكل بيحبك. بس أنا ما بدي جواب سياسي ودبلوماسي». يصمت أبي قليلاً عند هذه النقطة، ويقلب نظره في الوجوه، ثم يبدأ وجهه بالانفراج والميل إلى التبسّم. «قال له: «يا شقيري، بتحرّر فلسطين؟ شو ردّ عليه الشقيري؟ اتطلع فيه الشقيري وقال له: «إذا توحّدوا العرب، بترجع فلسطين»». ضحكة قصيرة من أبي. يكمل: «يعني الزلمة مناضل ومعروف، وقال للشقيري أنو ما بدو جواب ديبلوماسي. بس الشقيري ما قدر، ردّلو بجواب دبلوماسي. هوي ما سكتلو. قال له: «عفواً، أستاذ شقيري. أنا قلتلك أنو ما تعطيني جواب ديبلوماسي، بس إنت لسه عم بتجاوبني بالديبلوماسي». ويرتفع الابتسام في وجه أبي ليشمل وجهه كله، وتبدأ ضحكته بمخالطة كلامته. «إطّلع فيه الشقيري. وقال له كمان مرّة: «إذا توحّدوا العرب، بترجع فلسطين». يضحك أبي، ويختلط ضحكه بأنفاسٍ ثقيلة، كأنه يطرد شيئاً من أنفه. «ما عندو إلا هالحكي. شو يعني إذا توحدوا العرب. لسه عم يلف ويدور. شو عمل للناس غير الخطابات. واجتمعوا العرب بالقمة عند عبد الناصر. يعني شو عملوا. لسه عم نسمع خطابات. هلق رح نرجّع فلسطين بالخطابات؟».
حدث ذلك في العام 1964. جاء الناس سيولاً إلى الملعب البلدي في العام 1964. وتحدث أبي مستهزئاً ساخراً في العام 1964. بعد ذلك بزمن، سأعرف أنه كان متألّماً. (حينها، لم أعرف ما سيحدث لاحقاً. حدث أنه كان في الخلايا السريّة الأولى لحركة «فتح»، وساهم في عملياتها العسكرية، وأنه دخل السجن العسكري في «ثكنة الحلو». وعُذّب على يد «المكتب الثاني». إذ حدث ذلك لاحقاً).
في 1964، كان أبي يتحدث عن لقاء وفد شعبي مع الشقيري. حضر الشقيري قمة العرب التي عقدها عبد الناصر في «فندق فلسطين» في الإسكندرية. أعرف أن الناس سعوا كثيراً للقاء الشقيري، حين جاء إلى لبنان في العام 1964.
* * *
- توقّف عن الكلام. أنا قابلتك أخيراً. توقّف. كيف تقول 1964، هكذا؟
- لماذا تريدني أن أتوقف عن الكلام؟
- كيف تتحدث عن الزمن؟ كيف نسيت «عشرين عاماً»؟
- أنا لم أنس. نعم، عشرون عاماً، رغم أنهم لم يكونوا «عشرين عاماً»، وأحياناً رغم أنهم أكثر...

***

يتحدّث جدّي باستمرار عن ميدالية الشجاعة التي نالها من الجيش التركي. «أنا الجيش العثملي أعطاني ميضاليا». كان يقولها هكذا. يكون وجهه منفعلاً، أحياناً يقولها في نقاش ساخن مع أبنائه عن ضيق الحال في دكان الخضار التي لا ينجح دوماً في تجارتها. يسعفه دوماً أبي. ذات مرّة، كان أبي في مزاج رائق. كان جالساً قرب الصوفا التي تستقر عليها جدتي عندما ترتاح. يحب أبي أمه بطريقةٍ مذهلة. ذات مرّة، لم تكن هناك. لم يكن جدّي هناك. وكان مزاجه رائقاً. تحدث عن جدّي. قال أنه اشتهر دوماً في عكّا بقوّته البدنية الكبيرة لأن «عصبو كتير قوي»، وهو نحيلٌ وطويل. قال أنه في الحرب العالمية الأولى، أُرسل ليمدّ خطّ الهاتف للجيش من يافا إلى بيروت. سار جدّي حاملاً البكرة الضخمة لخيط التلفون، برفقة جندي كان بإمرته. كلما بلغا مكاناً، اتّصلا بالقيادة. لاقهما الجيش العثماني قبل وصولهما إلى بيروت، وهنّأهما على سرعتهما في الوصول. وأُرسل مجدداً ليشارك في «حملة سيناء». وقع في الأسر. ثم هرب وعاد مشياً إلى فلسطين. التقى بالجيش العثماني مجدداً على الطريق. تعرّفوا إليه. نال ميدالية شجاعة. كان ذلك قبل العام 1964 بكثير. عند ذلك العام، كانت الأحاديث في الأسرة، كلها تجمع على أنه مضى على النكبة والخروج من فلسطين «عشرين سنة». على الراديو غنّت فيروز أيضاً العشرين سنة. ربما لم تكن عشرين سنة منذ 1948، لكن الكل كان يقول «عشرين سنة»، في العام 1964.

***

- يا أنت. كيف تحكي عن ذلك بثقة؟ كيف تقول عن الزمان بثقة؟
- جاء الناس إلى «الملعب البلدي» في صيدا، قرب «أوتيل طانيوس»، في 1964. ونال جدي ميدالية شجاعة قبل 1964.
- أنت لم تفقه شيئاً. كيف استمر الحديث عن عشرين سنة؟ بعد كثير من كرّ الفصول والأيام، ذهبت فيروز إلى الأردن. جاء من أهداها مزهرية، وقال أنه «فادي» الذي غنّته في عشرين سنة. كيف يوجد أكثر من كذا عشرين سنة في عشرين سنة؟
- لا أدري. الناس تستعمل المجاز، حتى في الزمن. كانوا دوماً يقولون عشرين سنة.
- الزمن؟ ما أدراك أن هناك شيء اسمه الزمن؟
- تأتي الفصول سنة من الزمن بعد سنة. يكبر الناس ويشيخ جدّي، سنة من الزمن بعد سنة...
- توقّف. لم تفقه درس «عشرين سنة». يأتي الناس إلى الشقيري. تحدث الفصول وتتكرّر، مراراً ومراراً. يأخذ جدّي ميدالية. يحدث الليل والنهار تكراراً. كل شيء يحدث، لكن الزمن؟
- مهلاً. كيف يحدث كـــــل شيء، مـــــــن دون الــــــــــــزمن؟
- فكّر. كيف يحدث الزمن، إذا كنت أنا أنت؟ نعم. كنت أنا أنت في الملعب البلدي. سمعت أبي يسخر من الشقيري، وعلمت أنه كان في حركة «فتح» وحمل أعباءً في العمليات الأولى للـ«عاصفة». سمعت جدّتي وجدّي وأعمامي يتحدثون عن فلسطين. ثم حدث ليلٌ كثير، وكذلك نهار. جاءت الفصول كثيراً، وكذلك الأمطار. جاء الناس إلى «الملعب البلدي» في صيدا، وكتب المعلم على اللوح 1964. حدث ذلك كله. لكن الزمن لم يحدث.

(النص جزء من تأمّل ذاتي ينشر قريباً للكاتب)
كاتب وطبيب