| 

في هذه الزاوية الأخيرة، تقترح «السفير» على قرّاء ملحق «فلسطين» مقتطفات من أعمالٍ متخصّصة في الشأن الفلسطيني، أو أنتجها فريق عمل فلسطيني، أكانت كتاباً أو كلمات من أغاني فرق موسيقية أو مشاهد وحوارات من أفلام سينمائية،...
في كل عدد، تـ/يختار المقتطفات لكم زميل/ة، بخصوصية في الانتقاء تشبه القلم الرصاص الذي يخطّ سطوراً أحبها أو وجد فيها غاية معيّنة، فيتم تشاركها مع قرّاءٍ ربما يكتفون بما أضافته إليهم، أو تغريهم بالذهاب إلى المصدر والبحث عن المزيد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المقتطفات لا تختصر العمل الذي هي بصدده، ولا تقدّم جردة وافية للأفكار الواردة فيه، وإنما تشارك مع القرّاء عبارات بدت لافتة لعين قارئها.
وفي حال ترجمة نصوص من لغتها الأصلية إلى العربية، فإن الترجمة تبقى غير رسمية، ولا تلزم العمل الأصلي بمضمونها.

***

«جنين جنين» فيلم وثائقي لـمحمد بكري يعرض على مدى 53 دقيقة مشاهد وصوراً للدمار الهائل الذي لحق بمخيم جنين للاجئين، شمالي الضفة الغربية، بعد العملية التي أطلقت عليها إسرائيل تسمية «السور الواقي»، والتي استمرت من 1 إلى 12 نيسان من العام 2002. كما يعرض شهادات للسكان عن عمليات القتل والقصف والتصفيات التي أسفرت عن استشهاد أكثر من سبعين فلسطينيّاً.
صوّر «جنين جنين» في خمسة أيام فقط، مباشرة بعد انتهاء الهجوم الإسرائيلي، وتعرّض مخرجه لحملة تشهير في إسرائيل، ومنع عرض الفيلم أكثر من مرّة. كما رفع خمسة جنود دعوى ضد مخرجه تطالبه بدفع التعويضات بذريعة الإساءة لصورتهم.
وصنعت ثلاثة أفلام مضادة لمواجهة الصورة التي وثّقها الفيلم: «يوميات في خدمة الاحــــــتياط» شارك فيه جنود إسرائيليون شاركوا في اجتياح المخيم، «جنين جنين يقتل الحقيقة» و«الطريق إلى جنين». وعرضت الأفلام الثلاثة على شاشات التلفزيون في إسرائيل، في ساعات الذروة، بعد نشرات الأخبار الرئيسية.
في هذا العدد، ننشر مقتطفات من شهادات أهل المخيم كما وردت في الفيلم الذي حمل في مقدمته إهداء إلى منتج الفيلم إياد صمودي، الذي قتل بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي في قرية اليامون، بعد انتهاء التصوير، وتحديداً في 23 حزيران 2002.

***

رجل من سكان المخيم:
«ثمان أيام قصف، برّ وجـــــوّ، دبابــــــات تضـــــــــرب والطيارات تضرب والقنيصة يضربوا. الكل يضــــــربوا. لو في بحر كان جابوا بحرية وضربوا، بس ربك حميد ما فيش بحر يضربوا». (الدقيقة 4:44)
«كان قدامي واحد، هسة مش مبين، واحد معاق حركيا وعقليا، أنا وياه قعدنا بالدار لحــــــــالنا يــــــــــعني. ما شفنا غير جرافة للجيش، توصل للـــــــطابق الثاني. تفكرها دار. شبابيك وهندسة وكل شي. بس تمشي تجرف زي البحر قدامها، يعني بتاكل الأخضر واليابس. جرفته للزلمي لأنه معاق. سحبته من إيده. جرفته معاه وأخذته..». (الدقيقة 24:30)

***

طبيب في مستشفى:
«في يوم أربعة الشهر، الساعة الثالثة صباحا، قصف المستشفى بواسطة الدبابات الإسرائيلية بإحدش قذيفة. اتدمرت الغازات الطبية ومواسير الميّ والمجاري وغرفة مرضى وغرفة سكن للأطباء والتمريض. أصيب كل الجناح الغربي بأضرار متفاوتة. وكان هناك هلع شديد لأنه كان في اختلاط للأوكسجين والغاز الطبيعي عندما دمرت هذه الأنابيب. وكنا نخشى من انفجار كارثي ليس فقط يقلع المستشفى من جذوره وإنما المستشفى وما حوله من مساكن ومباني (...)
انقطعت الكهرباء حتى من المحوّل تبعنا، ولم نستطع الذهاب إلى المحول من شدة القصف. كان القصف على أشده. الطــــــــائرات فوقنا كل تلات دقايق تعدها. ما فيش دقيقــــــــــــتان تلات صاروخ. طبعا جوا الهدير والمدير والقناــبل، تحطيم كامل وتشوف النار مولعة قدام عينيك والإطفائية مش سامحينلها تدخل.. سيارات إسعاف ممنوع ، بلاش يصير معها لي صار مع خليل سليمان. شفطوه قذيفة احترقت السيارة واحترق هو تماما وتفحّم حتى أصبح وزنه لا يزيد عن عشرة كيلو غرام». (دقيقة 14:15)

***

رجل يتنقّل بين ما تبقى من منزله المدمّر:
«أنا ولدت في الدار.. هاي.. الدار هاي ولدت فيها.. بيت متل هيك منين بدك تجيبه؟ يعني الضياع أكثر من الضياع المادي صار، الضياع المعنوي وضياع الأسرة.
منين بدك تجيب الحجر هادا..
كان في سرير توفي عليه والدي وأنا بتذكر كان عمري خمس سنين. كل حجر جابه من البلد.
هاي جذور حامض، ليمون.. هاي شجرة،
هون كان في شجرة تين عمرها 52 سنة،
وهون كان في تينة هون.. كـــــــان في هنــــــــاك زيتونة. وكان في هناك زيتونتان. أهل الحــــــارة عنا أول ما فقدوا فقدوا النخلة هاي.. صــــــــعب يا عمي إنهم يشيلونا من أرضـــــــنا، وصعب أنهـــــــم يغيروا أي معلم من معالمنا، مهـــــما عملوا..». (الدقيقة 27:25)

***

رجل مسنّ مصاب:
«أنا نايم بالليل. الساعة 12 بالليل. قاموا صاروا ينادوا بالسماعات أنو الكل ع المدرسة. أنا لبست وطلعت. ع الطريق وأنا ماشي، في شباك هيك متل متر ونص، قام الجندي ضربني (أطلق النار) بإيدي. وقعت ع الأرض دايخ. قلي قوم. قوم روح من هون. قلتله وأنا قادر أقوم؟ قلي بدك تموت. قام رد ضرب.. (يشير وهي يبكي إلى قدمه)». (الدقيقة 5:25)
«لما عرفت إني بدي موت قمت.. شو أقول؟
وأنا ماشي، الشارع لي أنا ماشي فيه، الدور مهدمة، فوق الحديد أمشي، مش عارف وين بدي أروح.
في التمانية وأربعين برضه ذقنا هذا العذاب نفسه. بس متل هيك ما صار. شو جنينا بحياتنا، بنينا الدار، خلفنا ولاد، كله راح بساعة». (الدقيقة 29:47)

***

شاب في منتصف العمر:
«كل شي كان يتحرك، البسينة إذا كانت تتحرك يطوخها. ع أيش؟ أطفال، طفل 12 سنة، شو حامل آر بي جي 12 سنة؟ من الرعب لي عايش فيه يادوب يحمل حاله، يادوب يقدر يمشي، طفل 12 سنة صفوه قناصتهم ع أيش؟ مرا ختيارة ع أيش؟ شاب يطلعوله بدبابة ع أيش؟ المتخلفين عقليا استشهدوا عنا، المعاقين استشهدوا عنا، أطفال استشهدوا عنا، نساء استشهدوا عنا، ع أيش؟ .. بعدين مش فاهم أنا كيف يعني.. هه، قدرنا سخيف جدا لي رمانا مع ناس زي هيك». (الدقيقة 16:20)

***

طفلة من المخيّم:
«المخيم؟ والله ببيع حياتي عشانه. المخيم كل إشي بالنسبة مش إلي بس، لكل الدنيا، لكل أهل المخيم. روحنا المخيم، روحنا وحياتنا وكل شي إلنا يعني. عشان يضلّه شامخ وواقف وما زال واقف وشامخ.
كل ما تروح بجهة من المخيم لازم تلاقي مرا أو شخص بيعيط لأبنه، ع داره، لفقيد مش لاقيه. كل شخص بالمخيم. ما فيش حدا في المخيم ما بكاش ع الي راح عليه.
بس هادا كله ما بهمنا. هدّوه، صحيح هدّوه. راح نرد نبنيه من جديد ومش ح نهتم بيهم. وراح نبني ع أساس المقاومة». (الدقيقة 3:38)
«أنا رح أحكي إشي. بس مش أشي عن الأمل وهاد. بحكي للشعب الإسرائيلي: سنعيش صقورا شامخين ونموت أسودا واقفين. وهاي كل واحد إسرائيلي يحفظها ويعرف شو معناها». (الدقيقة 22:04)
«أنا لما عرفت أنو شارون إجا ع المخيم من كثر من انقهرت صرت أعيّط. لأني كان نفسي، شو، أجرم فيه، زي ما حكوها، أجرم فيه بالمعنى الصحيح. أفش غلّي فيه بعد لي شفته.
- تقدريله أنت لشارون؟
- آه بقدرله ليش لأ.
- ما هو أكبر منك كيف بدك تقدريله؟
- أنا أكبر منه بإرادتي. أقدر عليه بإرادتي، بقدر عليه أنو بدي أدافع عن وطني، بقدر عليه أنو قتل يعني ناس، بعرفهم. بعرفهم معرفة. يعني معرفة معرفة. بقدر عليه لأنو شتتنا. خلى كل واحد بجهة. بقدر عليه لانو مخلاش بيت بالمخيم إلا وهدم أو تضرر منه..». (الدقيقة 32:32)
«يعني أنا لما أقاتل عدو يعني بكون قلبي قاسي؟ لأ. أنا بدي أدافع عن وطني بدي أدافع عن مخيمي. بعدين يعني، إحنا مش رح نعمل سلام معهم. حتى لو رئيسنا، لي هو رئيسنا، لو عمل سلام معهم، ممكن هو آه يتصالح معهم، بس أنا مش رح اعمل سلام. صحيح أنا طيبة وبحب الناس، بس هدول الناس ما بينحبوا. هم أجوا على أرضنا، وإحنا مندافع عن أرضنا. انت لنفرض سلبوا ابنك مش بدك تدافع عن ابنك وتساوي عنه؟ إحنا كمان هاي أرضنا زي كأنها ابننا أمنا كل إشي عنا.
بعدين يعني، زي ما حكوها، النسوان ما خلصوش. رح نضلنا ننجب أطفال وننجب رجال أقوى من لي راحوا وأشجع من لي راحوا..». (الدقيقة 40:12)
«خليهم يجوا بس يشوفوا المخيم.
خليهم يعيشوا ثانية إلي عشناها إحنا، يوم القصف.
لتسلم إسرائيل القدس وعلى كل إشي لو عاشوا معنا. لو طفل يهودي بس يعني هيك قعد وشاف شو صار معنا، أو رجل يهودي قعد معنا وشاف شو عملوا فينا.. شفت جثث، شفت بيوت مهدمة، شفت يعني أشياء لا توصف باللسان، يعني إلي شفته، أي حياة بدي أعيشها؟ بعدما تحطمت كل طموحاتي أي حياة بدي عيشها؟ فيش حياة». (الدقيقة 45:15)
«المخيم عبارة عن شجرة. شجرة طويلة، طويلة شامخة. كلها عبارة عن أوراق كل واحدة مكتوب فيها اسم شهيد، اسم مقاوم. بدي أحكيلهم، اليهود صحيح فاتوا، قلعوا جذوع منها، لكن خلقت جذوع غيرها، مقدروش يوصلّوا لقمة الشجرة». (الدقيقة 48:50)