| 

الحديث مع انتصار الوزير (أم جهاد) يعني أن يُلقى الضوء على الرواية الفلسطينية من زاوية «فتحاوية» نسائية. فلديها أيضاً ما تقوله عن النضال نفسه، عن كابوس اغتيال الزوج، والخوف على الأطفال، وانعدام البيت والاستقرار.
حين تستمع لإمرأة من جيل أم جهاد (1942) تحكي، تعرف أنك أمام الجيل الأخير القادر على المقارنة بين فلسطين «قبل» وفلسطين «بعد»، بذكريات معيشة لا منقولة. فتصف أم جهاد ما قبل الاحتلال بكلماتٍ قليلة وجميلة: «كنت طفلة مدللة وكانت طفولتي سعيدة، قضيتها بين البيارات وعلى شاطئ بحر غزة الجميل»، لتغير التعبير كلياً وتنتقل بخيال المستمع إلى مشاهد قاسية عندما تبدأ التفاصيل والتواريخ والأسماء بالانسياب إلى ما بعد العام 1948.

الأيام الأولى

يتقدّم الحديث قليلاً فيظهر فيه وزن الحقبة الناصرية وأثرها. وهنا أيضاً، يجب التوقف عند المرحلة العمرية لهذا الجيل، أي المراهقة وحماستها، إذ كانوا شباباً وشابات في مقتبل العمر، استثمروا عنفوانهم الأول في حب الوطن: «بعد خروج الإسرائيليين، راح الجميع يطالبون بعودة الإدارة المصرية في مقابل محاولات لوضع قطاع غزّة تحت إدارة الأمم المتحدة. وفعلاً، تجاوب معنا عبد الناصر. في هذه الأثناء، كان يسود حوار بين الشباب والأهل، عن غياب المقاومة لدى دخول الإسرائيليين إلى غزة، ولماذا لم نملك أي سلاح ندافع به عن أنفسنا. ففرضت الإدارة المصرية التجنيد الشعبي، وكان هناك أستاذ للتنظيم الشعبي كثير النقاش مع الطالبات، صار يمرر لي مجلة «فلسطيننا» التي أعجبتني. كانت المجلة تتحدث عن ضرورة أن ينظم الفلسطينيون أنفسهم في النضال. طلبت من الأستاذ أن أكون ضمن فريق عمل المجلة، فتم تنظيمي في «فتح». وخلال شهرين، طلب مني أن أحضر اجتماعاً مع مسؤول آتٍ من الخارج. تفاجأت أن هذا المسؤول هو ابن عمي خليل الوزير! في البداية، غضبت. قلت له كيف تكون في «فتح» ولا تخبرني. ضحك، وقال لي: لننته من الاجتماع أولاً، ثم سأخبرك لماذا أخفيت عنك الأمر».
الحب سيظل واقفاً في خلفية الأحداث التي تسردها الراوية، لن يتقدم إلى متن الصورة لكنه لن يختفي منها. تقول أم جهاد إنهما استغرقا في العمل النضالي سوياً أربع سنوات، قبل أن يصارحها أبو جهاد بحبه ورغبته بالزواج منها. بعد هذا الاجتماع الأول، ستبدأ إذاً قصة الحب التي جمعت المناضلَين وعرفتها معظم العواصم العربية: «لم نتحدث عن أنفسنا إلا في العام 1960، وبعدها بعام خطبنا ثم تزوجنا وخرجت من غزة في العام 1962 إلى القاهرة، وكان المخطط أن نتحرك من القاهرة إلى لبنان فالضفة الغربية».
خلال ستة أشهر، اجتمع الزوجان بكوادر «فتح» في القاهرة، ثم في لبنان حيث أشرف أبو جهاد على تدريب الفدائيين في المعسكرات. ثم كانت الرحلة إلى الضفة الغربية التي كانت ملحقة بالأردن إدارياً آنذاك، ومنها إلى الكويت: «عدنا إلى عمل أبو جهاد في الكويت، وبقينا هناك ستة أشهر. استقبلنا الأخ أبو عمار بسيارته في المطار، كنا ثلاثياً لا يفترق أبداً، وكان بيتنا مركزاً ومقراً لاجتماعات كوادر فتح».
تقول: «كنت عروساً، لكني كنت مناضلة أيضاً».

«العشيرة عشيرتك»

تستعيد أم جهاد من ذاكرة شبابها أيّ المدن استثقلت حضور الفدائيين، وأيّ المدن كانت طيبة معهم. وعلى الرغم من أن الجو العربي عموماً كان مؤيداً لحق الفلسطينيين في الكفاح المسلح، إذ احتضنت مدن عربية كثيرة هذا الحلم، لكن يبقى الإحساس الأكبر بالعرفان لدى أم جهاد من حصة الجزائر: «كانت الجزائر أرضاً صلبة وقف عليها الشعب الفلسطيني لتطوير نضاله. فتحت لنا أبوابها واستقبلت أعداداً كبيرة من الشباب الفلسطيني ودربتهم على حمل السلاح سواء في «كلية شرشال العسكرية» أو في المعسكرات التي أقام أبو جهاد العديد منها. كما أتى بآلاف الشباب الفلسطينيين للعمل في مجال التعليم والدراسة هناك. وفي أثناء وجودهم، التحق كثيرون منهم بحركة «فتح». الجزائر كانت البوابة الرئيسية التي سمحت لحركة «فتح» بأن تنفتح على العالم من خلال أبو جهاد، حيث أقام علاقات مع كافة حركات التحرّر في العالم التي كانت لها مكاتب فيها. وبقينا في الجزائر إلى أن صدر البيان الأول للحركة وانطلاقة الثورة. حينها، قررنا العودة إلى العمل من لبنان».
في العام 1965 الذي صدر شهد صدور بيان انطلاقة حركة «فتح»، كان أبو جهاد قد بلغ الثلاثين من العمر وأم جهاد في الثانية والعشرين من عمرها. ولعلّ المعركة الأخرى التي واجهت الزوجين إلى جانب نضالهما المعروف، هي معركة الحفاظ على أمن الأسرة في ظل كثرة غياب أبي جهاد عن المنزل، ووجودها وحدها مع الأطفال: «تنقلنا كثيراً، وعانى الأولاد كثيراً، لم يكن سهلاً في كل مرة أن ندفع بهم نحو تغيير بلدهم ومدارسهم وأصحابهم. لكن، حتى أولادنا كانوا متفهمين ولم يتذمروا. وفي بيروت تحديداً، كنا كثيراً ما نغير المنزل لأسباب أمنية، ما يضطرنا للنوم في منزل آخر. حينها، كانت تظهر معاناة الأولاد، إذ يكون أحدهم قد نسي حقيبته، وآخر نسي دفتره أو كتابه.. هكذا قضينا الحياة، لكن بغض النظر عن كل هذه المعاناة، عشنا مع أبو جهاد، وكنا معه في أحداث الساحة اللبنانية كافة في العام 1967 وفي الاجتياح العام 1982. وأيضاً، عشنا احدى عشرة سنة في سوريا. وحين ضاقت الأمور، رحب به الملك حسين في الأردن، وقال له تعال عيش في الأردن البلد بلدك والعشيرة عشيرتك. أبو جهاد وجدها فرصة ليكون قريباً من الأرض المحتلة وطلب مني سرعة التوجّه إلى عمّان، واستئجار بيت وتجهيزه للسكن، وسكنّا عمان».
في خضم حديثها الذي طلبت قبله بشكل واضح عدم التطرق للحظة استشهاد أبي جهاد (16 نيسان 1988)، تستعيد أم جهاد الكابوس الذي لم يفارقها حتى استشهد أبو جهاد. كابوسٌ عاشته حتى تحقّق: «كنت أخاف على أبو جهاد كثيراً، من البداية كنت متأكدة مما سيحدث، كان يقول لي شو بدك مني، أنا مشروع أسير أو جريح أو شهيد، أنا مكرس حياتي لقضيتي. كنت أقول له القضية ليست قضيتك وحدك، لكن المعارك والمعاناة والغارات التي عشناها سوياً كانت تتركني في حالة قلق دائم عليه. هو لم يكن يحب قلقي عليه، لكن أجمل شيء في حياتي يبقى أنني كنت معه وإلى جانبه حتى آخر لحظة».
حطت العائلة في الأردن إذاً، حيث حصلت على حد أدنى من الاستقرار وفرصة أكبر للتواصل مع أهالي الضفة الغربية، «وظهرت نتيجة كل هذه الجهود في الانتفاضة الأولى في العام 1987».

«تغييرات في الفكر»

تمتلك أم جهاد سردية التدرّج الذي طرأ على مفهوم النضال الفلسطيني من الكفاح المسلح إلى المقاومة الشعبية والمجتمعية. وعلى الرغم من أن الحديث هنا يأتي من زاوية «فتحاوية» فقط، لكن حتى هذه المرحلة من التاريخ الفلسطيني، «كان الأفق محدّداً من جميع الفصائل، بما فيها «فتح»، على تحرير فلسطين والكفاح المسلح. لم يفكر أحد منا آنذاك بالشرعية الدولية والمفاوضات وقرارات الأمم المتحدة. كان الفكر الفلسطيني متركّزاً في الكفاح المسلح. لكن مع السنوات والنضال واستمرار الثورة، حدثت تغييرات في الفكر. وحين ذهب أبو عمّار إلى الأمم المتحدة، كانت هناك اعتراضات كثيرة على ذلك. لكنه وقف هناك، وقال لهم: جئتكم أحمل غصن الزيتون بيد والبندقية بيد، لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي.. هكذا خاطب العالم، وهذه الأقوال هي التي هزت العالم».
في هذه الحكاية، لا يمكن فصل عمر القضية عن عمر الجيل الأول من المناضلين. هذا الجيل الذي تنتمي إليه أم جهاد بتجربتها وذاكرتها، هو جيلٌ وصف البلاد الجميلة من منظور الطفل، وحمل السلاح في مراهقته وشبابه، وانفتح على الاحتمالات الأخرى في مراحل النضج لاحقاً. صار لـ«فتح» وللفصائل التي وافقتها في هذا التوجه، دور هام في تغيير مفهوم النضال، وإنزال البندقية عن الكتف، وفتح مراجع القانون الدولي والتواصل مع قادته ومنابره، وحتى الانفتاح على العدو نفسه، بحسب أم جهاد. هذا التدرج في المفاهيم لم يكن في البداية ليخطر ببال أي منهم: «تطوّرنا، وحتى العلاقة مع القوى الإسرائيلية التي تؤمن بحق الشعب الفلسطيني في الحياة والدولة تطورت. تطورت مع الفكر السياسي، ثم انفتحنا شيئا فشيئا على العالم، خاصة بعد الانتفاضة التي أثرت كثيراً في تغيير التفكير الفلسطيني. حدث بعدها أيضاً أن الأردن فكّ الارتباط مع الضفّة الغربية، ثم جاء المؤتمر الفلسطيني في الجزائر في العام 1988 ليعلن قيام دولة فلسطين من خلال وثيقة إعلان الاستقلال التي أعدها الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، وأكد فيها أبو عمار على ديموقراطية يعيش فيها الجميع بمساواة من دون تمييز ضد المرأة أو على أسس دين أو جنس. حينها، وضعت الأسس القانونية لقيام الدولة الفلسطينية».
كانت أم جهاد ممن وافقوا على العودة خلال مفاوضات أوسلو بصفتها عضو لجنة مركزية في حركة «فتح»، وعُيّنت كأول وزيرة في السلطة، واحتفظت بمنصبها كوزيرة للشؤون الاجتماعية لأحد عشر عاماً. والمرأة التي استحقت لقب مناضلة على الرغم من الاعتراضات التي طالت موقفها من أوسلو، لا تفصل إيمانها بالكفاح المسلح عن إيمانها بالعمل المجتمعي الذي عُهد به إليها منذ البداية: «نعود إلى العام 1966 حين صار لـ«فتح» احدى عشرة أسرة شهيد. حينها، قررت القيادة تأسيس لجنة لرعاية أسر الشهداء برئاستي، وهذا كان العمل الرسمي الاجتماعي الأول الذي أكلف به. هذه اللجنة تطورت لتصبح مؤسسة كبيرة لها فروع في كثير من الدول، يكفي أن نعلم أن لدينا 50 ألف أسرة شهيد حول العالم».
العمل المجتمعي في ظل الاحتلال لا يختلف كثيراً عن الكفاح المسلح، في ذهن الراوية. فالعمل المجتمعي هنا لا يجري في ظلّ دولة مستقرة السيادة ومحكومة بالقوانين، حسبما تشرح. وهي لا تؤمن بتأجيل قضايا حقوق المرأة بسبب القضية الكبرى، خاصة أن هذه الحقوق هي من أهم ما نصت عليه وثيقة إعلان الاستقلال.
عقودٌ من النضال تراها أم جهاد مترابطة، وتضعها اليوم في سياق: «عندي احساس أنني ما زلت أناضل.. لأن كل مرحلة من مراحل الثورة لها آلياتها، وآليات هذه المرحلة هي النضال الشعبي والنضال المجتمعي ضد الاحتلال والاستيطان والجدار ومصادرة الأراضي، وضد أن يقتل الشباب بدم بارد من قبل قوات الاحتلال».

على موقع "عرمرم"، تنشر مقابلة بصرية سمعية كاملة مع أم جهاد. وهي متوفرة عبر هذا الرابط:
http://www.aramram.com/node/7111