| 

في الليلة الأولى من الحرب الأولى التي نعيشها سويّاً، كانت أختي ديمة في السابعة من عمرها، وكان عمري عشر سنوات. بعد أعوام على دخول صدام حسين إلى الكويت وهروبنا منها بين ليلة وضحاها، جلستُ مع ديمة في عمّان نحاول في ما بيننا استعادة تفاصيل تلك الحادثة. كيف ودّعنا صديقاتنا؟ قالت لي ديمة إنّنا اتفقنا معهن على أن نترك فردةً واحدة من حذاء أحمر على باب الشقة في حال غادرنا، ولم تسنح لنا الفرصة لأن نقُول وداعاً. كيف فسّرت لنا ماما الحرب؟ قالت: «هدول عرب زينا ما رح يعملولنا شي». كذبت، للمرّة الأولى، رغم أنهم «ما عملولنا شي». كان أبي وأمي من خرّيجي «جامعة بغداد»، ولن يأخذا أي مجازفات مع عسكر صدام، فهربنا إلى الأردن وتركنا أمكنتنا الصغيرة. هكذا أدركنا كيف أنّنا فلسطينيون. لم ندرك ذلك من دروس الدبكة، ولا أشرطة أخبار الانتفاضة الأولى التي سجّلها أبي، ولا أصدقاء العائلة، بل كان ذلك الرحيل، الرحيل الأول، هو ما جعلنا ندرك، أنا وديمة، معنى كوننا فلسطينيين.
وأنا، أنا لم أرَ فلسطين يوماً... إلا من بعيد، ما بين الغيوم. لا أعرف كلمةً عبريةً واحدة، ولم أمض دقيقة على حاجز، وما رأيت جنديّاً إسرائيليّاً في حياتي. أمارس فلسطينيتي مع فلسطينيات وفلسطينيين مثلي، في وحدتي، في خيالي، في منفى من اختياري.
 

دخول الفلسطيني إلى المهجر


أنا الآن مهاجرة. وصلت إلى كندا. أخيراً، وصلت. أعيش في مدينة تورنتو، مدينة جديدة، باردة، مشجّرة، فيها أرصفة واسعة، وباصات تجري في مواعيدها. لا أستطيع رؤية فلسطين من هنا.
أسكن في حي البرتغال الصغيرة. للمرّة الثالثة، هذه هي حارتي الأولى. تعلّمت كيف أقول شكراً بالبرتغاليّة للأنثى، «أوبريجادا» وللذكر «أوبريجادو»، عند شراء حاجيات البيت. يفترض بالمهاجر - خاصّة نحو مدينة كهذه - التفكير بالمستقبل والتأقلم السريع. هذه ضريبة الاختيار. أمّا اللاجئ فيفترض فيه أن لا يتأقلم وألا ينسى. غايته الأولى هي تضميد جراحه، والأخيرة هي العودة إلى ماض أقل قسوةً.
المهاجرون إلى هذه المدينة أكثر من المولودين فيها. أمّا سكّانها الأصليين، أولاد الأرض، فهم يسكنون في «محميّات» خصّصتها لهم جلالة الملكة إليزابيث الثانية. هل من متسع لفلسطينيتي هنا؟
هناك الكثير من المفردات الجديدة التي عليّ تعلّمها:
Street car. Obrigada. People of colour. Native reserve. Visible minority. Residential schools. Israeli salad. Permanent resident. Sex worker. Patois. Canadian experience...
لا زلت أتفهم بعض معاني هذه المصطلحات الدقيقة - الواسعة شيئاً فشيئاً. في الـ«ستريت كار»، أسمع الإسبانيّة والكانتونية والإيطاليّة والبرتغاليّة، ونادراً العربيّة. يلجأ كل مغترب إلى لغته ويبتعد عن الإنكليزية في المُزاح، أو تعميق الصداقات، أو عند الحديث عمّا يهم: مسافة الطريق إلى البيت، لائحة العشاء، وأخبار الوطن. في الأردن، كنت من الأقليّات رغم كوني من الأكثريّة، وها أنا أقليّة من جديد، «أقليّة مرئيّة» من «الأناس الملوّنين» (أي غير البيض)، ممّن لا يملكون «التجربة الكنديّة».
«آر يو إيرانيان؟»، يقول المتحاذقون.
تعجبني الفكرة، لكن، في الحقيقة، «أنا... فلسطينية...». أقولها بدرجات متفاوتة من التردّد.
خلال سنوات دراستي للإعلام الوثائقي، كان ثمانية من زملائي من أصل ٣١، يهوديي الديانة. وكانوا يقولونها لي بدرجات متفاوتة من التردّد، وكأنّه اعتراف. ألا يعلمون أنّي لست نقيضهم الوجودي؟ ثمانيتهم بلا استثناء زاروا فلسطين أو «إسرائيل» في رحلة مجانيّة من خلال برنامج «Birthright». هل الدخول إلى فلسطيني التي لم أصلها حقّهم المكتسب بالولادة فعلاً، و، بكل معنى الكلمة، مجّاناً؟
أنا في «بيت زيتون» على شارع ماركام أنظر إلى صورٍ للخليل. استنشق روائح الزعتر والشاي بالميرميّة، وأبقيها في صدري قليلاً. إني أمارس فلسطينيتي من جديد، وابتسم. كانت المتطوعتان في بيت زيتون ذلك اليوم شقيقتين، ريحانة وحسينة من هنود كينيا الذين ساق الاستعمار البريطاني أجدادهم إلى أفريقيا لبناء سكة حديد. اشتاق إلى ديمة. التقيت بنيروز، وهي فلسطينيّة من النّاصرة في بيت زيتون. نيروز بلهجتها النصراويّة تقول «إسّا» و«شيلة» و«كف وع النوم»، ويسهل الضحك معها. نيروز تعمل على كتابة رسالتها في الدكتوراه وموضوعها: كيف يصوّر المصوّرين، وتحديداً الإسرائيليين منهم، الجدار الفاصل في فلسطين وكيف يرونه، أو لا يرونه. حين مشينا يوماً تحت شمس تورنتو الواهية، تساءلت نيروز عمّا إذا كان الفن الفلسطيني مقصّراً في إلقاء الضوء على صراعات إنسانيّة بعيدة عنه جغرافيّاً. في نيروز، امتدادٌ لفلسطينيّتي وفلسطيني.

 

 

«لا تهمّني فلسطين»


الحقيقة في هذه المدينة لا تحويني ونيروز، فهي أقرب للنسخة الإسرائيليّة في المخيّلة العامّة: أنّ إسرائيل دولة ديموقراطيّة لشعبٍ زرع الصحراء. مقاطعة المنتجات الإسرائيليّة مثلاً، سواءً الثقافيّة أو التّجاريّة، ليست فعلاً مفروغاً منه هنا، أو مجمعاً عليه. بل على العكس، يُنظر إلى مقاطعي إسرائيل كأناس مزعجين، عبثيين، والأسوأ من ذلك، لاساميين. لعلّ هذا يقتضي على الخطاب الفلسطيني في الخارج أن يطرح على نفسه الكثير من الأسئلة الصّعبة، أو بالأحرى أن يجيب عليها. مثلاً: هل في المقاطعة الثقافيّة نوعٌ من الرّقابة أو مقاطعة للفن كغاية بحد ذاتها؟ لماذا نقاطع إسرائيل من دون غيرها من الدول التي تنتهك حقوق الإنسان؟ أو كيف علينا أن نسمع ونخاطب من لا يقتنع بجدوى المقاطعة؟
عند طرح السؤال الفلسطيني في الخارج، نصبح أكثر حذراً في اختيار كلماتنا. فلا نقول «اليهود» عندما نعني «الإسرائيليين». البعض من أصدقائي في الأردن كانوا يتضايقون من كلمة «أبارتايد» (الفصل العنصري) ويرون فيها تشبّهاً بالغرب، وإلغاءً لحقيقة الاحتلال والاستعمار. أمّا في كندا فكلمة «أبارتايد» هي الأخطر والأكثر إيلاماً بالنسبة إلى الطرف الآخر، فإذا كان الأبارتايد مجحفاً في جنوب أفريقيا، فهو مجحف في فلسطين اليوم. إذ، بانتهاء الاحتلال، تعود لنا الأراضي التي فقدناها في حرب ١٩٦٧، أمّا بانتهاء نظام الفصل العنصري الذي هندسته إسرائيل فتعود لنا فلسطين.
لعلّها إسقاطات، لكن القضيّة الفلسطينية لم تعد قضيّة إقليميّة بحتة، وإنما قضيّة إنسانيّة - تهمّني وتهمّ ريحانا، وحسينة، وروجر واترز، وستيفن هوكينج، ربّما لأن العالم بات يضيق بنا جميعاً، أو لأن إسرائيل قضت على الحلم الوطني الفلسطيني فغدا حلم الفلسطينيين أكثر تواضعاً - حلم بالحياة لا أكثر-، وربّما لأنّ القضيّة الفلسطينيّة ببساطة تصِرّ على ذلك كله: على الأرض قبل الحدود، والأخلاق قبل الأديان، والحريّة قبل أساطير الدول.
«لا تهمّني فلسطين ولا أعمل من أجل الحريّة»، قال لي طارق لوباني، وهو لاجئ فلسطيني إلى كندا وطبيب طوارئ يعمل ما بين مدينة اسمها لندن في أونتاريو وبين غزّة، ما استطاع إليها سبيلا. «أعمل من أجل الفلسطينيين في صباح أول يوم من أيام حرّيتهم». وتلك هي المهمّة الأصعب.

صحافية وصانعة أفلام فلسطينية مقيمة في تورنتو