| 

«هل ما زال العالم يصغي إلينا، نحن الذين نتكلم عن فلسطين؟». بهذا السؤال المفصلي، افتتح المؤرخ الإسرائيلي الشهير إيلان بابيه محاضرته التي ألقاها ضمن فاعليات «أسبوع مكافحة الأبارتايد (الفصل العنصري) الإسرائيلي» في جامعة أكسفورد البريطانية، بحضور عدد كبير من الطلاب والناشطين والأكاديميين المرموقين. ويُعدّ البروفسور بابيه أحد الأصوات الأكثر ارتفاعاً في مناصرة القضية الفلسطينية، ومن الناشطين القلائل المؤمنين بما يعرف بـ «حل الدولة الواحدة». لكن بابيه، في هذه المحاضرة، سلط الضوء على مسألة اللغة ودورها في التعبير عن القضية الفلسطينية، داعياً إلى ضرورة إعادة النظر وتجديد معجم المفاهيم المتعلقة بها، خاصة بعد اندلاع الثورات العربية.
 

التخلّي عن «اللغة الخشبية»


يعتقد بابيه أن فلسطين اليوم في قلب الأحداث، إذا قاربنا المواضيع التي تشغل عالمنا المعاصر: تفكّك الدولة القومية، و«اهتزاز» معاهدة سايكس بيكو والاتفاقات الكولونيالية بعيد الحرب العالمية الأولى، مروراً بالأحداث الراهنة والتي تقبع على رأسها الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم منذ العام ٢٠٠٨، وصولاً إلى حركات الشعوب ضد الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية الظالمة، وليس انتهاءً بدور الغرب في إدارة المشهد السياسي العالمي، وتطبيقه لـ «ديموقراطية انتقائية» تشرعن له دعم أنظمة قمعية وسياسات احتلال تحت حجج الديموقراطية.
هذه القضايا الشائكة والأحداث المعقدة يمكن ربطها بالقضية الفلسطينية، لكن ذلك مرهون بالتخلّي عمّا يسمّيه بابيه «اللغة الخشبية» لمصلحة لغةٍ جديدة، معاصرة ومرتبطة أكثر بقضايا اليوم. ويوضح بابيه فكرته هذه بسوق أمثلة عدة عن تلك اللغة الخشبية، والتي لا تخرج عن كونها تكراراً مملاً لمفاهيم قديمة مثل: مفهوم حلّ الدولتين، عملية السلام في الشرق الأوسط، صراع التيارات القومية في المنطقة، اقتراب تحقيق معاهدة السلام، عدم وجود قادة فلسطينيين يمكن التفاوض معهم، ... وغيرها من المصطلحات التي تنكر «حلّ الدول الواحدة» الذي، كما يعتقد بابيه، هو المفهوم الوحيد الضامن لأحقية القضية الفلسطينية، مقابل «حل الدولتين» الذي يحمل في طياته قبولاً لفكرة إسرائيل ولطبيعة الحركة الصهيونية والدولة اليهودية.
من أجل ذلك، يقترح بابيه إعادة استخدام (أو الإصرار على استخدام) ثلاثة مصطلحات تسمح بتكريس وجود القضية الفلسطينية على خارطة السياسة العالمية، وهي: مصطلح الاستعمار الاستيطاني (settler colonialism)، ومصطلح الفصل العنصري (apartheid)، ومصطلح التطهير العرقي (ethnic cleansing). كما يشدّد بابيه على ضرورة جعل هذه المصطلحات لغة شائعة بين الأكاديميين الذين يدرسون الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى أهمية أن تتحول هذه المفاهيم إلى المحركات الأساسية للغة الناشطين من أجل فلسطين. ما قد يسمح بتسللها تدريجياً إلى لغة أصحاب القرار المعنيين بالقضية الفلسطينية. لكن بابيه لا يكتفي باقتراح هذه المصطلحات كلغة جديدة، بل يقوم بتفسير وتوضيح كل مصطلح على حدة.

 

 

تعريف «الاستعمار الإستيطاني»


يعتبر بابيه أن مفهوم «الاستعمار الاستيطاني» (settler colonialism) هو المفهوم الأكثر تعقيداً، فليس من السهل التكلّم في القرن الحادي والعشرين عن ظاهرة تنتمي إلى القرن التاسع عشر، كما يقول بابيه، شارحاً أنه من الممكن لأي شخص يود دراسة مثال حيّ عن الاستعمار أن يقوم برحلةٍ إلى إسرائيل وفلسطين، ليعاين هناك النموذج الوحيد المتبقي عنه في العالم. كل مظاهر الاستعمار المعروفة في الكتب والمجلدات موجودة في إسرائيل: لغة الاستعمار، والتعامل الاستعماري مع الفلسطينيين على الحواجز، والمستوطنات، والفصل بين المستوطنين الجدد والسكان الأصليين، ...
لكن التجربة الإسرائيلية ليست مجرد «استعمار» عادي.
لقد قدّم عدد من المفكرين اليساريين، من استراليا وفرنسا على وجه التحديد، مصطلح «الاستعمار الاستيطاني» لتمييز ظاهرة إسرائيل عن الاستعمار بمعناه التقليدي الذي نعرفه (أي ذلك الممتد على طول سنوات القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر). ويرى بابيه أن الفارق الأساسي بين الاستعمار والاستعمار الاستيطاني، يكمن في كون الأول قد بدأ كحركةٍ تسعى لاستغلال السكان الأصليين والاستفادة منهم اقتصادياً واستراتيجياً وسياسياً، لكن هؤلاء المستعمرين حاولوا بالمقابل «إفادة» السكان الأصليين عبر نشر ثقافتهم وتطوير بعض جوانب حياتهم (كالتعليم وبناء المؤسسات، إلخ). أما الاستعمار الاستيطاني فلا مصلحة له مع السكان الأصليين، هو لا يريد استغلالهم، بل يريد إخفاءهم والتخلص منهم نهائياً.
بالنسبة إلى الإسرائيليين، يقف الفلسطينيون كعائق في طريقهم لبناء مجتمعهم المرجو. لذا، لا يكمن الحلّ بالنسبة إليهم في استغلال الفلسطينيين، بل في تهجيرهم وإخفائهم وراء جدار الفصل، أو تصفيتهم جسدياً عبر القتل والتدمير.
فيؤكد بابيه أن أيّ محاولة لفهم السياسة الإسرائيلية اليوم لا يمكن أن تتم من دون التعامل معها بوصفها سياسة استعمار استيطاني، وذلك من شأنه توضيح الكثير من الوقائع على الأرض مثل مشروع «برافر» الذي سعى إلى تهجير أكثر من سبعين ألف فلسطيني من قراهم في النقب، أو الاستيلاء على أراضي الجليل، أو التطهير العرقي الممنهج في القدس، وطرد الفلسطينيين من وادي الأردن، أو بأمثلة أبسطها هو رفض إسرائيل الاعتراف بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم. وهكذا، تحديداً، يتجلى الشكل الأمثل للاستعمار الاستيطاني.
في الوقت ذاته، يقترح بابيه حلاً من شأنه التمهيد لتقبّل اليهود من قبل العرب والمسلمين، وخاصة الفلسطينيين، يتلخّص في إعادة تعريف المجتمع الإسرائيلي على أنه «مجتمع مستوطنين». ويشرح: «النظر إلى يهود إسرائيل اليوم على أنهم الجيل الثالث من المستوطنين يمكن أن يكون الخطوة الأولى لإعادة العلاقة بين المجتمعين، فقد علّمنا التاريخ أنه إذا لم يتم طرد الجيل الأول من المستوطنين، سيأتي وقتٌ نجد فيه أنفسنا مضطرين للتعايش مع الجيل الثالث منهم. وهذا ما حصل في جنوب أفريقيا، وفي غيرها من المجتمعات الشبيهة». لكن بابيه لا يكتفي بهذا الطرح، بل يحدد أطراً وشروطاً لإعادة صياغة هذه العلاقة، تتجلى في إعادة توزيع للثروات، والتعاطي بواقعية مع موضوع الأملاك والأراضي الفلسطينية وحق العودة، فضلاً عن ضرورة وضع آليات مصالحة فعّالة بين المستوطنين والسكان الأصليين يجب أن تتأسس على التوقف عن منح الشرعية لفكرة أن يهود أوروبا من حقهم احتلال فلسطين وطرد الفلسطينيين منها بعدما طردهم الأوروبيون في أيام النازية.
يؤمن بابيه أن هذه العلاقة المعقدة بين أوروبا وإسرائيل يجب تفكيكها عبر استعمال مفهوم «الاستعمار الاستيطاني»، الذي من شأنه أن «يعيد إسرائيل إلى الشرق الأوسط»، بعدما سعت جاهدة لإقناع مجتمعها الداخلي أنها دولة أوروبية. ويستدل بابيه على ذلك بما يدعوه الهوس بفكرة «أوروبية إسرائيل»، إلى حدّ التعليم في المناهج المدرسية أن إسرائيل تقع جغرافياً في أوروبا وليس في الشرق الأوسط. هذه العلاقة المضطربة مع أوروبا سببها الرئيسي أن الأوروبيين، حتى يومنا هذا، لم يتوقفوا ليواجهوا ماضيهم مع اليهود، بل اختاروا الحلّ الأسهل، وهو احتضان الصهيونية وخلق دولة لليهود ودعمها على حساب شعب بأكمله في فلسطين. كما لو أنهم كانوا «يتعاطون حبوب الصهيونية لعدم التفكير بالنازية»، فيقترح بابيه متهكماً: «دعونا نحرم الأوروبيين لمدة سنة من حبوب الصهيونية ونرى ماذا سيحصل، قد يستيقظون ويستدركون أخطاءهم».

 

 

 

 

«الفصل العنصري»


المفهوم الثاني الذي يقترحه البروفيسور بابيه للاستخدام من قبل الأكاديميين والباحثين والصحافيين والناشطين هو مصطلح: «أبارتايد»، أو الفصل العنصري.
يعتقد بابيه أن هذا المصطلح يشكّل مصدر قلق حقيقي لإسرائيل والإسرائيليين. وهو يرى أنه من الممكن لنا أن نتكلم عن جميع جرائم إسرائيل وسياساتها العنصرية في المحافل العامة مراراً وتكراراً، لكننا، بتجنّب وصفها بـ «نظام الأبارتايد»، نكون نكرّس بقاءها في نظر الغرب دولةً ليبرالية لديها بعض القوانين «غير المتوافق عليها»، لا أكثر. من هنا، تأتي أهمية اللغة، حيث يتيح استخدام مصطلح «أبارتايد» تغييراً كبيراً في قواعد اللعبة، والتحليلات المحتملة، ومنهجية التعاطي مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وفهمه.
يسوق بابيه مثالاً جلياً على كيفية تقبّل المجتمع الدولي لسياسات الفصل العنصرية الإسرائيلية، كنتيجة لسوء استخدام المصطلحات. فالغرب يجمّل هذه السياسات العنصرية تحت مصطلح أقل خشونة هو مفهوم «حل الدولتين». إذ يدرك المسؤولون الإسرائيليون مخاطر ذلك، ولذلك، هم لطالما حرصوا على عدم الربط بين حلّ الدولتين وفكرة «الفصل العنصري». لكن التجلّي الأكثر وضوحاً لسياسة الفصل العنصري يكمن في مطالبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاعتراف بيهودية الدولة، وهو بمثابة شرعنة لسياسة الفصل العنصري.
من أجل ذلك، يشدّد بابيه على أن استخدام مصطلح «أبارتايد» ليس فقط أداة تحليلية لتوصيف القوانين والسياسات الإسرائيلية، بل إن أهمية هذا المصطلح تكمن في قوته وأبعاده اللغوية، وليس المراد منه مقارنة إسرائيل بجنوب إفريقيا، بل الأهم، هو تسليط الضوء على واقعٍ يفيد بأن المجتمع الدولي يتقبل وجود كيان يدعو لسياسات الفصل والتمييز، ويمارسها على أساس الدين والعرق والثقافة، تحت راية السلم والمصالحة، أو تحت راية ما يعرف بـ«حل الدولتين».
يخلص بابيه إلى القول بأن الكيان الصهــــــــيوني هو المــــــــكان الوحيد في العالم الذي توجد فيه مجموعة بشرية ترفض أن ترى الآخر أو تعيــــــش معه، بل هي تريد سجنه وقتله وتهجيره. ومع ذلك، يعتبرها المجتمع الـــــــدولي كياناً متحضراً تقدمياً وليبرالياً. هنا تحديداً، يحلّ موقع مصــــــطلح «أبارتايد» في السياق الإسرائيلي، إذ أن الغرب و«إسرائيــــــــل» لن يُزعجا فعلياً إلا عند وصفهما بالكلمات السياسية الدقيقة.

 

 

 

 

«التطهير العرقي»


المصطلح الأخير الذي يتحتم علينا الاعتياد على استخدامه في أثناء الحديث عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بحسب بابيه، هو مصطلح التطهير العرقي. فمن المتعارف عليه أن أي عملية طرد لمجموعة من الأشخاص على أساس هويتهم هو جريمة ضد الإنسانية. لكن، في إسرائيل، تلازمت عمليات الطرد هذه مع القتل في مراحل عدّة، ما أدى إلى تزاوج سياسات التطهير العرقي بممارسات أقرب ما تكون إلى الإبادة الجماعية.
يلخّص بابيه السياسات الإسرائيلية المعتمدة في التعامل مع الفلسطينيين بكونها سياسات تمييز تستند إلى كون الآخر مختلفاً لأنه «غير يهودي»، لكن بابيه يوضح أن ذلك لا يعني أن اليهودية والعنصرية وجهان لعملة واحدة، بل يعني أن إسرائيل استطاعت إنشاء «إثنية يهودية» منفصلة عن الديانة اليهودية وعن المجتمعات اليهودية الأخرى في بقية بقاع العالم. هذه اليهودية - الإسرائيلية (الصهيونية) استطاعت أن تطوّر فكرة طارئة على التاريخ اليهودي مفادها أن استمرار بقاء المجموعة اليهودية العرقية يعتمد على الحفاظ على أغلبية ديموغرافية عددية.
يرى بابيه أن لغة «الحصرية الديموغرافية» المستخدمة في إسرائيل وسائر دول العالم من قبل السياسيين والأكاديميين والصحافيين ليس من الممكن أن تكون موضع تقبل لدقيقة واحدة لو استبدلنا كلمة «يهود» بـ«عرب». فما هو مسموح لإسرائيل يصبح «جريمة رجعية وعنصرية» إذا حاول أي أحد آخر ممارسته.
يروي البروفسور بابيه أن في جامعة حيفا أساتذة يتحدثون عن كون العرب «قنبلة ديموغرافية موقوتة» تجب محاربتها. هؤلاء الأساتذة يتحدثون بذلك أمام جموع من الطلاب بينهم العديد من فلسطينيي الـ ٤٨، أي أنهم يتهمون هؤلاء الطلاب بالإرهاب بمجرد مجيئهم إلى الحياة. هذه اللغة، بحسب بابيه، سائدة في أوساط الليبراليين والمحافظين من الإسرائيليين، على حد سواء.
في ختام محاضرته، خلص المؤرخ بابيه إلى أنه «إذا لم نتحرك اليوم لتغيير الواقع، فإن إسرائيل ستتمكن في عام ٢٠٢٠ بمساعدة المجتمع الدولي طبعاً، من ابتلاع دولة فلسطين التاريخية كاملة، وسيخضع الفلسطينيون فيها لمزيد من سياسات الفصل العنصري والتطهير العرقي بشكل يومي. لكن هذه السياسات ستكون غير واضحة، وغير مكثفة كي لا تجذب انتباه العالم والإعلام، وسيصبح التطهير العرقي تالياً عملية أمنية داخلية وجزءاً من العمل اليومي للمخابرات الإسرائيلية». لذا، فمن الهام جداً إقناع النخب السياسية والأكاديمية والثقافية باستخدام مصطلحات تزعج إسرائيل وتخاطب الغرب أكثر، ما من شأنه، بعد كل تلك السنوات من السكون، أن يمنع إسرائيل من فبركة وجودها على حساب مآسي الشعب الفلسطيني ودمائه.

باحثة في جامعة أكسفورد