| 

إيفانا مارشليان في «أنا الموقّع أدناه محمود درويش» (دار الساقي، 2014) تسجل حوارها الباريسي الطويل مع محمود درويش مدوّناً بخط يده، ففي ميلاد العام 1991 جمعها إلى الشاعر لقاء صحافي سطّره درويش نفسه ليحمل في طياته بذور صداقة استمرت حتى أيامه الأخيرة وكانت وصيته أيضاً بخطّه: «لقد تركت لديك أوراقاً احببتها فعلاً وأنا أكتبها. تعرفين أنني خصصت لها أكثر من أمسية لإنجازها، فهل تقدّرين جهودي وتحتفظين بها لقرّائي في مكان آمن؟» كتاب إيفانا مارشليان اذاً وثـــــــيقة؛ إنه محــــــمود درويش قبل اثنين وعشرين عاماً، ففي مقدمته يقول: «أنا الموقع أدناه محمود درويــــــــش، اتعــــهد باسم الضمير والأخلاق والمقدسات، بأن أسلّم الحوار الصحافي مع الآنسة إيفانا الرهيبة، كاملاً، في الساعة الرابعة من بعد ظهر السبت الموافق 28 ديسمبر العام 1991، وإلاّ، فمن حق إيفانا أن تشهّر بي، علانية، وعلى رؤوس الأشهاد والأشجار، 25/12/1995، محمود درويش». في تقديمها تروي مرشليان ان لقاءها الأول مع درويش كان في ابريل في 1991 بعد أمسية قرأ فيها من ديوانه الأخير أريد ما أريد واحتشد لسماعه آلاف العرب والأجانب. فيما كان لقاؤها درويش في منزله الكائن في ساحة الولايات المتحدة الباريــــــسية والمــــــــطلة من طبقته الخامسة على برج إيفل و«أشجار المنــــــفى والحمامات الرمادية»، وذلك بعد أن وافق شاعر فلسطــــــين، المعتكف عن المقابلات لأكــــــثر من أربعة أعوام، علــــــى إجراء حوار أدبي مع مرشليان، بطلب من انطوان نوفــــــــل، رئيس تحـــــــرير مجلة الدولية، وكانـــــــت يـــــــــومها محــــــــررة ثقافية فيها.
في الرابعة من بعد ظهر 10/12/1991 وصلت الصحافية وتبعها مصوّر المجلة إلى شقة درويش؛ وهناك بدأ الحوار الأول، وبدا واضحاً ان اسئلة درويش لمارشليان حولت المقابلة إلى حوار وتحول الحوار الأول إلى قصة.
 

******


كانت في الثانية عشرة عندما تعرفت مصادفة إلى كتابات درويش. سلمتها إدارة المدرسة في حفل انتهاء العام الدراسي مغلفاً مختوماً دوّن عليه: جائزة اللغة العربية. وكانت يوميات الحزن العادي، ولما سألت والدها عن محمود درويش أجاب: «هو أهم وأشهر شاعر فلسطيني اليوم». لكن درويش فاجأ مرشليان حين أعلمها بأن تترك الأسئلة عنده وتتصل به بعد أسبوع، وكان اتفاق على لقاء وكان اللقاء تماماً يوم ميلاد 1991، لكنها وصلت متأخرة إلى شقة الشاعر ساعة كاملة، مع ذلك لا هي اعتذرت ولا هو عاتب... شربا قهوة من تحضيره وتبادلا الهدايا ثم طلب منها تأجيل الحوار إلى يوم آخر، ففاجأته: «هل توقع تعهداً بهذا الوعد؟» فما كان منه الا ان سطر «أنا الموقع أدناه» الوصية الذائعة الصيت. ولما سألته: «هل ستسلم الموضوع مسجلا». أجاب: «لا مكتوباً، سأدوّن الأجوبة بخط يدي لأهديك إياها!».
في 28/12/1991 في السادسة مســــــــاء بدأ اللقاء الثالث. جلس الشاعر إلى طاولته يكمل أجوبته، فيما هرعت مرشليان لإعداد القهوة. ولكن الشاعر تلكأ من جديد. وذهبا إلى العشاء في مطعم صيني: هو يحب العيش في باريس. مرحلة غريبة ومهمة في آن، لكن أمنيته العودة إلى فلسطين. بعد العشاء شاي بالياسمين واعتراف: «كــــــــل ما كتبته من قصائد لم يولد من حزن أســـــــود، بل من فرح غامض حزين لم يفارقني أبداً حتى هــذا العمر».
تعترف إيفانا مارشليان انها كانت مسألة حظ ان تلتقي درويش ذات مساء في خريف باريسي، وأن يفتح لها طوعاً باب الحوار معه على مصراعيه. سلمها درويش أجوبته وأوصاها: «خبئيها معك وحافظي عليها جيداً. أنت وحدك ستعرفين متى يحين الوقت. ربما بعد 20 عاماً أو أكثر. ليكن كتاباً أنيقاً، مكملاً بالصور أو الرسومات المناسبة، ولا مانع من ان يضم ذكرى نزهاتنا في شوارع (الحي السادس عشر في باريس). فقط كي لا تنسى مثلنا هذه النزهات قريباً ويمر عليها الزمن، حينها لن أكون ولن تكوني».

 

 

******


عن أمه: يقول محمود درويش: «أمي هي أمي. ولو استطعت أن أفك خصرها وضفائرها من لعنة الرموز لفعلت. نعم، تركت وجهي على منديلها، لأني خارجها أفقد ملامحي. وعندما لا أطلب من كل هذا المأسوي، الذي هو ما يدور في بلادي وعليها، غير منديل أمي، فلأنني أسعى لاسترداد ملامحي الأولى، لاسترداد إنسانيتي في صورتي كما هي، لا كما ترسمها الجريمة الكبرى التي ارتكبت في بلادي من ناحية، ولا كما ترسمها البطولة من ناحية أخرى». وعن خيمته: «خيمتي هي أحد اسماء بؤس شعبي. هي أحد عناوين المصير المأساوي لجزء كبير من شعبي لا يستطيع العودة إلى وطنه من جهة، ولا يستطيع الاندماج في منفاه أو بين بني عشيرته من جهة ثانية. وحين قلت: «لا هوية إلا الخيام... إذا احترقت ضاع منك الوطن» كنت أعبّر عن سخرية احتجاجية من خطاب قومي حدّد هوية الفلسطيني بضرورة صيانة بؤسه، بينما هدف الحركة الوطنية الفلسطينية إنسانية الفلسطيني وكرامته، وتطوير التـــــــعبير عن حـــــــــــقه في العودة وقدرته على إنجـــــــــــاز هذا الحـــــق، ولذلك فإن التخلص من ظاهرة المخيم الراهنة هو أحد أهداف العمل الفلسطيني». وعن بيروت: «عشت في بيروت عشر سنوات كانت كافية لأن اعبّر عن حبي الإنساني أكثر لبيروت، لولا صفتي الوطنية التي قد تخدش من يعتقدون ان التعبير عن حب بيروت يعكـــــــس نيّة في التوطــــــــين.
مع ذلك، كتبت كثيراً عن هذه المدينة التي توقع زائرها في حالة الادمان العاطفي عليها. ولأن بيروت أكثر من مدينة، فإن كل واحد منا يبحث عن نفسه ويجدها في مرآة بيروت، من دون ان يعي ان بيروت ليست هنا. وانه ليس في بيروت بقــــــــــــدر ما مقيم في صورتها التي شارك في رسمها». وعــــــــن الشعر: «لماذا الشعر؟ لأني استطيع ان اقول فيه وأن افعل ما لا استطيع قوله او فعله خارج الشـــــــــــــعر. فلو فعلنا وقلنا خارج الشعر ما نفعل ونقول داخله، لبدا الشـــــعراء عصـــابة مـــــن المجـــــرمين والمجانين.
لا أستطيع في القصــــــــــيدة إلا ان أكون حراً: ولا استطيع ان أكون حراً إلا اذا كنت عارياً تماماً من الأقنعة، ومن الأهداف، ومـــــــــن التقاليد، ومـــــن الحـــرية ذاتـــــــها. أمــــا ما يبقـــــى مني خارج الشـــــــعر فــــــهو: القناع، الهدف، والموروث، وشرط الحرية».

 

 

 

 

******


ينهي درويش ما دوّنه لمارشليان بالقول:
«لم يعد هناك ما يكفي من الوهم لأخاف خيبة الأمل، فالعقد الأخير من هذا القرن العاصف علمنا ان نفتح باب المخيلة لكافة الاحتمالات. وعلّمنا انه ليس للهاوية من قرار. وعلّمنا ألا نفرح او نغضب بما يقدمه لنا الواقع التاريخي من مفاجآت. كأن علينا ان نركب عقلاً آخر لكي نتحمل صدمة المفاجآت، ولكي نتكيف مع متطلبات فهم العالم الفوضوي الجديد. كل شيء، إذا مؤقت ما دام التاريخ في حالة تعويم عام، وما دام عشوائياً إلى هذا الحد. ومع ذلك، ما زال في وسعي ان أحلم، ما زال في وسعي أن أواجه صدمة الواقع بصدمة شعرية هي الوحيدة الكفيلة بتبرير حياتي. ما زال في وسعي أن اشهد على أكثر من تاريخ عشته وأعيشه في لحظة واحدة.
ماذا يبقى من كل ذلك؟
لا أعرف. وربما لا أريد أن أعرف،
فليس في قلبي مكان لطعنة جديدة».

 

 

 

 

******


لقاء درويش ـ مارشليان الباريسي من أجمل ما قرأت من الحوارات، وهو من أفضل السير الحياتية التي تمتعت بها من حيث صراحتها وانفتاحها على الآخر في بوح وحنين.