| 

تحدّثت عبر «سكايب» مؤخراً إلى صديقٍ غزاوي عاد من لندن إلى غزّة قبل حوالي عامين. بعد تعطش شديد لأخبار المنطقة في لندن التي سكنها وأسكنها، بدأ يخبرني عن غزّة. قال إنها مثل سجن كبير، يدور فيه المساجين بلا توقف، مشحونين، متوترين، يرتقبون التهلكة. وجوه كثيرة تعاد وتتكرر في كل يوم، على المنوال ذاته.
سألت صديقي عما يفعله في وقت فراغه، هو الشاب الطائش الذي كان يتغاضى عن نوم ليالٍ كاملة ملاحقاً الموسيقى والفتيات، الضاج بالحياة والساعي دوماً إلى المغامرات، الشاب الذي لم أستطع مجاراته عندما كان يقرر أن «يطلع». قال انه بعد العمل في محل الملابس، يتصفح الإنترنت، أو يلعب «الشدّة» مع الشباب. ليس هناك خيارات عديدة أخرى لما يمكن أن يقوم به المرء في غزّة. وبينما يحكي، دخلت على صديقي زبونة - كان يتحدّث معي من محله - وسألته إن كانت متوفرة لديه «بيجامات أطفال ميكي ماوس». لم تكن.
- «في موسيقى طيب؟»
- «والله فش حاجة يا معلم، الناس مش قادرة تشوف قدامها».
جوزفين المغنيّة
ذكّرني حديثي مع صديقي، بالقصة القصيرة الأخيرة لكافكا، وعنوانها المزدوج: «جوزفين المغنية، أو شعب الفئران». في هذه القصة، يحدثنا راوٍ عن مغنية اسمها جوزفين، فنانة ذات موهبة عظيمة وفريدة، وهي الوحيدة التي يمكنها الغناء على الإطلاق من بين جميع أفراد هذا الشعب. هذا الشعب الذي يعيش تحت أخطار محدقة من كل صوب، وضنك في العيش مذهل، كان يغني في يومٍ ما، يوم من ماضيه السحيق. ولكن الشعب نسي الآن أغاني أجداده، ولا أحد فيهم يقدر على غنائها.
جوزفين فقط تغني، وهي وحدها الموهوبة. يجلس أفراد هذا الشعب البائس مندهشين أمام أدائها، في صمتٍ تام محاولين تذوق فنّها. بعضهم يرغم نفسه على الاستمتاع بما تغنيه جوزفين، مدركين، كما تدرك هي تماماً، أنهم جميعاً يفشلون في تذوّق عظمة فنها، وأنها تغني لوحدها. وجوزفين تصرّ على الغناء، وتستمر في تنظيم عروضها التي يحضرها الكثيرون، وتثور ثائرتها إن لم يكن عدد الحضور كافيا. وفي عروض جوزفين، يكون أفراد الشعب في خطر، ذلك أنهم في مكان واحد يسهل فيه القضاء عليهم مجتمعين. جوزفين وحدها لها مخرج تهرب منه في حال حدوث مأزق كهذا، بينما تضع حياة جمهورها بأكمله في خطر.
هل فعلاً يستحق فن جوزفين كل هذا؟
يسرّ لنا الراوي، بأن بعض أبناء هذا الشعب - ومنهم الراوي - تراودهم الشكوك في قيمة فن جوزفين. هل حقاً ما تقوم به جوزفين فن عظيم؟ هل هو غناء حقاً، أم هو مجرد ادعاء غناء. هل جوزفين حقاً موهوبة وفريدة؟ أم هل هي فقط لديها الثقة الكافية لتدعي هذا؟
هو نفخ، يجيب الراوي. نفخ لا يختلف عن أي نفخ يقوم به أي طفل من هذا الشعب الذي «ينفخ دائماً، ولكن لا يحلم أحد (أفراده) بادعاء أن هذا النفخ فن». لا يوضح الرواي طبيعة هذا النفخ «piping»، ولكنه يشرح لنا أنهم جميعاً يقومون به. ويشرح أيضاً أن ما تقوم به جوزفين هو مشابه تماماً لهذا النفخ، لا بل انها لا تتقنه كما يتقنه الآخرون. فسئلت جوزفين عن هذا الرأي بضع مرات، وكانت في كل مرة تتجاهله وتتعالى عليه، ولا تتنازل وترد على هكذا استفسار أو تعليق. يتردد الراوي في نقاش هذه النقطة، ويناقش مرة أخرى أن «كسر البندق ليس إنجازاً، كلنا نقوم به يومياً. ولكن لو جمع أحدهم الجماهير وكسر أمامهم بندق وجعل من الأمر حدثاً يمتع الناس، فالأمر عندها يتجاوز كونه كسر بندق». الأطفال ينبهرون بمنظر جوزفين على المسرح وبكونها تؤدي عرضاً فنياً، بينما يشرح لنا الراوي أن ما يعشقه الحاضرون البالغون فعلاً هو الصمت، لا أداء جوزفين نفسه. ما يجدونه هي البرهة من السكون التي يخلقها أداء جوزفين. البرهة التي يمكنهم من خلالها أن يحلموا.

.. وهذا ما حصل في غزة

ما يتحدث عنه كافكا هنا ينطبق غالباً على كل شعب مضطهد محاصر. في عيش كهذا، لا مكان لكماليات الحياة، لا مكان لموسيقى حقيقية. ولكن بغض النظر عن ذلك، تظهر جوزفينات كثيرة تغني بلا اكتراث لما يحدث حولها. تشعر بأنها تستحق حياة طبيعية بغض النظر عمّا يمر بها محيطها. هي الفنان الذي يتوقع أن تتم معاملته بطريقة مختلفة عن الشخص العادي، بحجة أنه موهوب بينما الآخرون ليسوا كذلك. في الحصار، هناك مكان لأغاني يغنيها أي كان، من دون حاجة لموهبة أو مهارة فذة. هناك مكان لموسيقى ليست فعلاً موسيقى، هي فقط فرصة للهرب المؤقت من عراك يومي لا يتوقف. ولذا، فقد شعرت بالسخافة عندما سألت صديقي عن «مشهد» موسيقي في غزة.
أي مشهد هذا وأين؟ كيف يظهر مشهد موسيقى من دون وجود البنية التحتية لهكذا مشهد؟ وهي بنية تحتية تبنى على بنىً تحتية أخرى أكثر أساسية وأهمية. كيف لا يترك العودجي عوده ليبحث عن ما يسد به رمق أولاده، أو أولاد أخوه، أو أولاد جيرانه؟
لا يمنع ذلك أن تظهر في هكذا أوضاع موهبة تكون عبارة عن طفرة. تظهر هذه الطفرات كل عقد وآخر، لا بل كل قرن وآخر. فحكام الـ«آراب آيدول» وصفوا صوت محمد عساف بالصوت الذي «يجي مرة كل خمسين سنة، لأ، انت صوت يجي كل خُمسمية سنة». الطفرة تظهر ولا يقدر على إيقافها شيء، ولكن علينا أن نتذكر أن قبل شهرته في الخليج، محمد عساف كان مثله مثل أي من مطربين الأعراس الذين يقلون عنه كثيراً موهبة. في القصة، يقول لنا الراوي: «إن ظهر بيننا مغن مدرَّب حقاً، فنحن لن نحتمله بتاتاً، إننا سوف سندير ظهورنا جميعاً له، وللا عقلانية أداء من هذا النوع». وهذا ما حصل في غزة. في غزة، كان محمد عساف مجرد مطرب آخر، وإن كان ذا موهبة جبارة. ما نفع بيتهوفن والصواريخ تنهمر على بعد أمتار؟ ما لزوم عبد الوهاب عندما لا يوجد كهرباء لتشغيل الثلاجة؟ نعم، يمكننا أن نستخدم سذاجات العالم الأول وأن ندعي أن الموسيقى تملك القوة على التغيير، أن الموسيقى تُغني عن السلاح، أن الموسيقى «تُعبر» عن مصاعب حياة الغزيين، أن الموسيقى يمكن أن تحقق سلاماً أو ما شابه من تهافت، ولكن هذا يجعلنا أطفالاً أمام بالغي غزة. الغزيون أصدق من هذا وأنضج. الموسيقى تأتي مع الرفاهية، مع حراكات التحرر، مع عيش عصيب ولكن له معالم (موسيقى السود في أمريكا). في غزة، لا يوجد أي من هذا. في غزة، هناك ضنك عيش لا بوادر بارتخائه. في غزة، هناك حصار. هذا الذي يذكرنا بحصار المدن القديمة المسوّرة. الأمر الذي لا نفهمه ويصعب علينا تخيله في عصرنا هذا. تخيل القاهرة أو عمان تحت الحصار.
ولذا، يبدو كل نتاج يخرج رغماً عن ظروف أهل غزة إلى النور مشوّهاً وزائداً. وبينما تستمر فرق مثل «وتر باند» بالغناء وإنتاج الفيديوهات كما يحلو لها، والحديث للإعلام عن السلام والحب في فواصل بين كل كلمتين والثالثة، لم تحتمل «حماس» غناء محمد عسّاف، حتى بعدما ابتعد عن أغان مثل «المارد الفتحاوي» وأدّى أغاني لا تغضب أحداً. أوقفته «حماس» عن الغناء عدّة مرات، ولم تحتف به إلا عندما أصبح ورقة سياسية، تتنافس عليها السلطة و«حماس» ودبي وإسرائيل.

لنرفع الذنب قليلاً

في قصة كافكا، هناك صراع بين جوزفين والشعب المضطهد. جوزفين تريد التقدير والإعجاب الشديدين، وتطالب بهما بإصرار. الشعب، من جهة أخرى، متّحد مقابل الأخطار المحدقة به ومقابل جوزفين. الراوي الذي لا نعرف عنه شيئاً إلا أنه أحد هؤلاء، يقول لنا أنهم يعرفون مطالبها ويسايرونها، ويتغاضون عن نزواتها العصبية. جوزفين تدّعي أنها تحررهم وتخفف عنهم، بينما هم يدركون أنهم في اتحادهم يحملونها على أكتافهم. الشعب المضطهد تحت خطر الدمار والجوع، المتروك ليواجه مصيره وحده، لا يحتاج نجوماً، لا يحتاج تماهي الفرد مع المجتمع، لا يحتاج ألاعيب الليبراليين عن الفردية والحرية النرجسية. شعب كهذا يعيش على نسيجه الاجتماعي المحكم.
في نهاية القصة، تختفي جوزفين، ولا يفتقدها أحد. ومن هنا، نفهم معنى العنوان الثنائي للقصة بمفصله «أو». هي مواجهة وجودية. وجود جوزفين المغنية، أو وجود شعب الفئران. يقول لنا الرواي عن أفراد هذا الشعب أنهم «صامتون كالفئران». يعملون بجد ويكدحون ويتجنبون الهلاك يومياً. هي مواجهة بين وجود الغناء ووجود الصمت. التفرد مقابل الالتحام بالشعب. الفرد مقابل القبيلة. في حالة الحرب: القبيلة، ثم القبيلة، ثم القبيلة. النفخ الذي يقومون به كلهم هو إيقاع حياتهم، هو وجودهم رغماً عن أنف الظروف والأعداء. لا داع لأخذ هذا إلى خشبة المسرح وعمل عرض منه وتوقيعه بأسماء رنانة..
ونعود نحن ونطالب الغزيين بمشهد موسيقي. لماذا نجد أنفسنا دوماً نبحث عن الموسيقى في غزة؟ لماذا نريد من المناضل أن يتوقف عن نضاله ويدندن لنا؟ لماذا نتساءل: أين هي موسيقى غزة؟ لأننا نريد أن نشعر بأن وضع غزة ليس بذلك السوء، لنرفع الذنب عن أنفسنا لبضع لحظات ونعود وننسى بأريحية، لنُذّكر أنفسنا أن أهل غزة بشر، لنقول لأنفسنا: هاهم يعزفون ويؤلفون موسيقى، لا يمكن أن يكون وضعهم بذاك السوء.
ولكنه بذلك السوء وأكثر. لا بل بسوءٍ على الأغلب لا يمكننا نحن تصوره. فأين يمكن تصنيف رصدنا أو حتى حديثنا عن «مشهد موسيقي»؟ نحن لا نتحدث عن بيروت ولا عن رام الله. المعاناة هناك ليست أكزوتيكية تُستثمر في أعمال فنية تُعرض في لندن وباريس. غزة مدينة تحت الحصار. غزة مدينة فلسطينية أكثر من فلسطين. غزة مدينة الحصار الأزلية، تقوم بكل بطولات المدن التي حوصرت. غزة لن تترك قتالها لتغني للعالم عن مآسيها. غزة مدينة سجينة، وحيدة، مقاتلة، صامتة. والموسيقى التي ستصدر عن مكان كهذا ستكون موسيقى جوزفين أخرى: قد تكون موهوبة، لكنّها خارج زمانها.

كاتب قصة وأحد مؤسسي ومحرري مجلة «معازف» للنقد والتحليل الموسيقي.

ينشر ضمن اتفاقية شراكة مع موقع «جدلية» وبالتعاون مع موقع «معازف»:
www.jadaliyya.com
www.ma3azef.com