| 

تتوسّع جرائم الاحتلال الإسرائيلي وتتوسّع معها كل سُبل مقاومته. أكثر من ستّة عقود مرّت على العام 1948، لترسي في مقياس هذا الواقع حقيقةً تفيد بأنّك إذا شئت للعالم أن يستقيم من حولك، عليك أن تفهمه كما هو، وتبدأ العمل من هنا. وانطلاقاً من حقيقة الاحتلال، بدأت قبل عشر سنوات مقاومة مدنيّة لمواجهة الاستعمار والعنصرية الإسرائيليين. منذ 10 سنوات، تواصل هذه الحملة مطالبتها بالمقاطعة الاقتصادية والثقافية والأكاديمية وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل، ما بات يُعرف بحملة «بي دي أس» (Boycott, Disinvestment, Sanctions)، التي انطلقت في العام 2005 من تورنتو بمبادرة من ناشطين ومناصرين للقضية الفلسطينية. وأخيراً، أقرّ الاتحاد الأوروبي قانوناً مُلزماً يحظر التعاطي مع منتجات المستوطنات الإسرائيلية. صُدمت إسرائيل، فحاولت تلقف الموقف عبر اتهام الحملة بأنها «معادية للسامية.. بلباس عصري».
إن «الأبارتايد» هو مصطلح قانوني اكتسب شرعيته الدولية عبر إقرار الأمم المتحدة استخدامه في العام 1973، خلال النضال في جنوب أفريقيا ضد نظام الفصل العنصري، ما ساهم في زواله أواخر القرن الماضي. أما «الأبارتايد» الإسرائيلي أو نظام الفصل العنصري فلا يقتصر على ممارسات التمييز العنصري المُمنهج في الضفة الغربية وقطاع غزّة، أو على التوسّع في بناء المستوطنات وإقامة جدار الفصل العنصري، بل يتعداها ليشمل القوانين والسياسات الإسرائيلية التي تمسّ أبناء الشعب الفلسطيني كافة، بدءاً من حق العودة إلى التهجير والحرمان من الخدمات الأساسية.
ولذلك، فإن برنامج «أسبوع الفصل العنصري» لكل عام يتضمن سلسلة من الفعاليات المختلفة، تشمل محاضرات وعروضاً ثقافية، وعروضاً للأفلام الوثائقية، بالإضافة إلى تنظيم التجمّعات والتظاهرات والنقاشات عن تاريخ نظام الفصل العنصري الإسرائيلي وحملة مقاطعة إسرائيل.
وبلغ عدد الدول المشاركة في فاعلياته للعام 2014 الحالي 65 مدينة حول العالم، بدأت نشاطها من الولايات المتحدة وبريطانيا في 24 شباط الماضي. وأصبح أسبوع الفصل العنصري الإسرائيلي بؤرة لحشد الدعم وتعزيز التنظيم لحملة مقاطعة إسرائيل.

القوة وحدها لا تكفي

أثبتت حركة التحرّر في جنوب أفريقيا أن معادلة «القوة مقابل القوة» ليست كافية. فإلى العصيان المدني والحركات السلمية، برزت فيها حركات مسلحة وعسكرية سعت إلى محاصرة النظام من الداخل، بينما تتكفّل العوامل الخارجية، من خلال تشجيع المقاطعة، بمحاصرته اقتصادياً وثقافياً وسياسياً.
في العام 1959، أطلقت أولى النداءات لمقاطعة البضائع الجنوب أفريقية. وبدأت تلبية النداء تتجلى بحركات رمزية كامتناع عمال المرافئ في بعض المدن الأوروبية عن إفراغ البضائع تضامناً مع حركة التحرّر. هذه التحوّلات الرمزية ما لبثت أن تحوّلت إلى مقاطعة دولية بدأت تتفاعل في مطلع السبعينيات، مكبّدة الاقتصاد خسائر فادحة. وإلى جانب المقاطعة الاقتصادية، كانت المقاطعة الرياضية والأكاديمية. فالمقاطعة، وبكل أشكالها، شكلّت أداة ضغط ساهمت بانتزاع شرعية النظام حتى سقوطه في العام 1993.
تثبت التجربة الجنوب أفريقية فعالية المقاطعة في إسقاط أي نظام ينتهج سياسة الفصل العنصري. لذلك، عمدت حركة «بي دي أس» التي انطلقت كردّ فعل ضدّ إسرائيل ونظامها العنصري إلى التشجيع على كافة أنواع المقاطعة، وليس الاقتصادية فقط. في بعض أوجهها، تشبه المعاناة الفلسطينية إلى حد كبير نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، لذلك، تعتبر الاستفادة من التجربة واستخدام وسائل الضغط نفسها منهجاً متاحاً لمحاولة استرداد الحقوق.

انتصارات المقاطعة

بدأت حملة مقاطعة إسرائيل تؤتي ثمارها بعدما اتخذ الاتحاد الأوروبي في تموز الماضي قراراً مُلزماً يحظر التعاون مع جهات حكومية أو خاصة إسرائيلية تعمل داخل المستوطنات. طالب الأوروبيون بعدم تمويل أيّ مؤسسات إسرائيلية لها علاقة بالاستيطان. وشرعت في الآونة الأخيرة العشرات من الشركات والمصارف وصناديق الاستثمار الأوروبية الكبرى في تطبيق القرار وإلغاء استثماراتها أو تحجيم علاقاتها التجارية مع الشركات والمصارف الإسرائيلية العاملة في المستوطنات مثل مصنع «صودا ستريم».
وتدلّ المقاطعة الاقتصادية لمنتجات المستوطنات بشكل واضح على اتساع المواقف المؤيّدة لحقوق الشعب الفلسطيني على الساحة الدولية. فتمثلت أهم إنجازات الحملة على مستوى المقاطعة، بقرارات مرتقبة لأكبر مصرفين في الدنمارك لمقاطعة المصارف الإسرائيلية بسبب نشاطها الاستيطاني، وقرار صندوق التقاعد الحكومي النروجي «GPFG» سحب استثماراته من الشركات الإسرائيلية المرتبطة بالبناء في المستوطنات. ومثله، فعلت شركة القطارات الحكومية في ألمانيا.
كذلك، أوقفت شركة المواصلات الفرنسية «فياوليا» عملها في المستوطنات بعد تعرضها لضغوط بسبب عملها في القدس الشرقية وأماكن أخرى خارج الخط الأخضر.
ولم تتوقف مقاطعة إسرائيل وعزلها عند حدود الاتحاد الأوروبي، بل ثمة مؤشرات حول امتعاض مؤسسات أميركية من الممارسات العنصريّة الإسرائيلية. فقد صوتت «جمعية الدراسات الأميركية» («ايه اس ايه»)، وهي أكبر جمعية أكاديميين أميركية، بغالبية الأصوات على إقرار مشروع قرار بفرض المقاطعة الأكاديمية على إسرائيل. وأشارت المعطيات إلى أن نسبة 66 في المئة من أصل 1252 عضواً شاركوا في عملية التصويت، أقروا فرض مقاطعة أكاديمية على إسرائيل، على اعتبار أن الأكاديميا الإسرائيلية شريكة في عمليات انتهاك حقوق الإنسان. ولذلك، فإن أكثر من 500 مؤسسة أكاديمية أميركية سجّلت مقاطعتها لجامعات ومؤسسات أكاديمية إسرائيلية.

«الطرف غير الصحيح»

أتى تحذير الولايات المتحدة على لسان وزير خارجيتها جون كيري في مؤتمر ميونخ الدولي للأمن مطلع شباط الماضي، بأن «فشل المفاوضات سيصعد المقاطعة الدولية ضد إسرائيل وسيزيد حملات نزع الشرعية عنها»، ليثير مخاوف الدولة العبرية. ما بدا في ردود أفعال أقطاب حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتباينة حياله ما بين مهاجم لكيري ومبرّر لأقواله.
وقد ردّت إسرائيل عبر وزير حماية الجبهة الداخلية جلعاد أردان، متهمة الوزير الأميركي بتشجيع المقاطعة الدولية ضدّ إسرائيل. واعتبر الوزير الإسرائيلي أنّ «الرسالة التي يوجهها كيري من خلال تصريحاته الأخيرة تنطوي على تشجيع النيات لفرض مقاطعة على إسرائيل وليس على معارضتها». ورأى أن واشنطن تمارس ضغوطها «على الطرف غير الصحيح».
في المقابل، حذر وزير المالية يئير لبيد من أن عدم التوصّل لاتفاق مع الفلسطينيين سيلحق ضرراً خطيراً بالاقتصاد الإسرائيلي، متوقعاً تكبده خسائر تصل إلى 11 مليار شيكل سنوياً (ما يعادل نحو ثلاثة مليارات دولار) جراء المقاطعة الأوروبية. وقال لبيد في تصريحات إذاعية، إن كيري «يسعى فعلاً لمنع مقاطعة إسرائيل دولياً، وبالتالي يجب علينا تخفيف حدّة التوتّر مع الجانب الأميركي».
واليوم، تواجه حكومة نتنياهو أزمة غير مسبوقة تحاول احتواءها بعد فترة من المكابرة في ردود الأفعال، مع اتساع نطاق المقاطعة الدولية للشركات والهيئات الاقتصادية التي تعمل في المستوطنات. إلا أن نتنياهو كتب في تغريدة عبر حسابه على «تويتر»: «أعتقد بأن الأمر الأكثر إثارة للرعب والأكثر خزياً هو أن يتحدث الناس في أوروبا عن مقاطعة اليهود. إن مؤسسي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل يوضحون تماماً الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها، فهم يريدون أن يشهدوا نهاية الدولة اليهودية». ووصف نشطاء الحركة بأنهم «معادون تقليديون للسامية». وكان نتنياهو قد أوكل إلى وزارة الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلية مسؤولية التصدّي للحركة المناصرة لحقوق الفلسطينيين.
وإذ نقف اليوم أمام ارتباك إسرائيلي في الفعل، يتضح من هجوم الحكومة على حركة المقاطعة عدم امتلاك إسرائيل لإستراتيجيةٍ متماسكة تتيح لها استبدال المشكلة الفعلية بمشكلة «الصورة»، كما دأبت على الفعل أمام كل أزمة دولية: إذ تقول الحقيقة الواقعة على الأرض إن الجرائم تتفرّع من الاحتلال، بينما الخطاب الإسرائيلي يشكو مشكلة في صورة الدولة العبرية تكفيها حملة علاقات عامة، أو تشويه سمعة منتقديها، لتجميلها. ولكن، بعد عشر سنوات من جهد الناشطين في حملة المقاطعة، يبدو المشهد العام وكأنه ماضٍ في «تحرّره» من وطأة هذه الصورة الدولية الإسرائيلية، نحو مقاربة أشدّ واقعية لقضايا الأرض.