| 

يواجه عمال النظافة في الضفّة الغربية وقطاع غزة إشكاليات عدّة، أبرزها تدنّي قيمة الرواتب وعدم نيلهم الاحترام المجتمعي الذي يستحقونه. وينقسم عمال النظافة بشكل عام في الضفّة وقطاع غزّة إلى قسمين، فيتمثّل الأول في العاملين ضمن الهيئات المحلية (بلديات ومجالس قروية)، وهؤلاء يتبعون وظيفياً للسلطة الوطنية، أي حكومة رامي الحمد الله في الضفة وحكومة إسماعيل هنية في القطاع. أما القسم الثاني فيزاول مهماته في المخيمات ويتبع «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين» (الأنروا)، علماً أن الحكومتين - بعكس الوكالة - لا تدفعان رواتب العمال، بل هي تُحتسب من إيرادات الهيئات المحلية الذاتية.
وتبدو أوضاع كلا الفريقين من العمّال في غاية السوء، وهم يؤكدون ضرورة تحسين أوضاعهم المعيشية، إلى جانب تعزيز تقدير المجتمع واحترامه لهم. وقد يكون الإضراب الذي خاضه العاملون في «وكالة الغوث» في الضفة في المرحلة الممتدة ما بين 3 كانون الأول 2013 و6 شباط الماضي، الدليل القاطع على حيوية دور عمال النظافة في المخيمات. إذ أدّى تكدّس النفايات إلى ارتفاع أصوات اللاجئين فيها بالشكوى، ولفت النظر إلى قضية العمّال.
 

الضفّة: الأفضل حالاً!


أحمد صافي (52 عاماً) وهو عامل النظافة في بلدية البيرة (سكّانها 80 ألف نسمة) في وسط الضفة، أحد النماذج التي تجسّد طبيعة حال عمال النظافة في الضفة. فهو ينشط في إنجاز متطلبات عمله، غير عابئ بالإشكاليات التي تواجهه بشكل شبه يومي. وقد اختار صافي هذه المهنة لنفسه منذ 14 عاماً، علماً أنه عمل قبلها في مجالات متنوعة، لكنه تحوّل إلى العمل في البلدية لرغبته بالحصول على مورد رزق مستقرّ. فيشرح صافي: «لا يوجد مجال إلا وعملت فيه، من السباكة إلى البناء، وحتى في المستشفيات الواقعة داخل الخط الأخضر، لكن الظروف القاهرة أجبرتني على العمل في مجال النظافة بالبلدية».
وصافي هو في الأساس لاجئ، يقطن وعائلته المكونة من زوجته وأبنائهما الستة (خمسة ذكور وبنتٌ واحدة) في مخيم من مخيمات شمال البيرة. ويشير إلى أن واحدةً من أبرز الإشكاليات التي يعاني منها، هي عدم احترام البعض لعمله، ما يصل حدّ معايرته به أحياناً: «بعض المواطنين يتفهمون عملنا ويحترموننا، بينما آخرون يتعاملون معنا بشيء من الازدراء، وهذا أمر لا يجوز فعملنا ليس عيباً».
ؤكد أن الراتب الذي يتلقاه من البلدية ويصل إلى نحو 700 دينار أردني (950 دولارا تقريباً)، يعتبر أفضل من الرواتب التي يتقاضاها نظراؤه ممن يعملون وفق مبدأ «المياومة»، أي أنهم يعملون إما خلال أيام معينة من الأسبوع أو بموجب عقود، فتبقى فترة عملهم موقتة. ويحصل صافي، أسوة بسائر العاملين في البلدية، على علاوة سنوية، تصل قيمتها إلى نحو 70 دولاراً. في المقابل، وتبعاً لتقديرات مؤسسات تعنى بالشأن العمالي، فإن معدل راتب عامل «المياومة» يتراوح ما بين 15 و25 دولاراً.
يشير صافي إلى أن رواتب العاملين في مجال النظافة المثبتين أي ممن هم ضمن كادر عمل البلدية، أفضل عموماً من رواتب العاملين في المجال ذاته مع جهات أخرى، مثل «وكالة الغوث». ما يؤكده مروان دغامين (49 عاماً)، وهو عامل نظافة في مخيم «الأمعري» في مدينة رام الله في الضفة، فيشير إلى أن رواتب عمال النظافة في المخيم (وعددهم سبعة عمال)، تتراوح ما بين 500 و600 دينار أي 700 و800 دولار.
وكما هي حال صافي، فإن عمل دغامين في مجال النظافة بالمخيم تم بمحض الصدفة أيضاً، إذ كان قبل العام 2001 يعمل في حقل البناء، لكن شتاء ذلك العام ترافق مع قلة الأعمال، فطلب أحد ممثلي «الوكالة» في المخيم منه العمل لفترة محدودة كعامل نظافة ريثما ينقضي فصل الشتاء: «كان يفترض أن أعمل شهرين إلى ثلاثة أشـــــــهر كعامل نظافـــة في المخيم، ولكن لقي عملي إعجاب ممثلي المخـــــــيم، فطـــــلبوا مني العمل بشكل دائم. فأصبحت عامل نظافة هنا مستمرا في عمله منذ 13 عاماً».
ييذكر دغامين أن راتبه لا يتناسب مع مستوى المعيشة اللازم له وأسرته، التي تضم إليه زوجته وابنهما الصغير. ويتبع دغامين، أسوة بعمال النظافة الآخرين العاملين في المخيمات، لـ«وكالة الغوث»، التي يلفت إلى أنها لا تقدم سنوياً لعمال النظافة سوى علاوة محدودة تبلغ قيمتها 5 دنانير، ما يساوي ثمانية دولارات تقريباً. ويوضح أن من أبرز ما يعاني منه هو تحميل سكان المخيم (حيث يقطن نحو 15 ألف لاجئ) له ولعمال النظافة الآخرين أعباء إضافية خارج نطاق طبيعة عملهم. ويشرح هذا العامل الذي ينحدر من قرية «السموع» في قضاء الخليل في جنوب الضفة أن «المجتمع المحلي بشكل عام لا يبدي التقدير الذي يستحقه عامل النظافة في المخيم، ما قد يوضح سبب إقدام «الوكالة» على تنظيم جلسات تفريغ نفسي لعمال النظافة في «الأمعري». كذلك، يلفت إلى أن الوكالة لا تقدم له ولزملائه المعدات الخاصة بالسلامة المهنية، مثل الكمامات، بينما تمنحهم قفازات الأيدي مرة أو مرتين سنوياً.

 

 

غزّة: «الطبقة المسحوقة»


بالمقارنة مع حال عمّال النظافة في الضفة، يتضح أن وضع نظرائهم في قطاع غزة يبدو أسوأ حالاً، علماً أنه لم يتسن إجراء مقابلات شخصية مع عدد منهم نتيجة اعتذارهم عن ذلك، كون الحوار الصحافي يستلزم حصولهم على موافقة مسؤولي الجهات المعنية (البلديات والوكالة). بيد أن مدير عام بلدية رفح الدكتور علي برهوم، لم يتردد في وصف هذه الفئة بـ«الطبقة المسحوقة».
يقدّر برهوم معدل رواتب عمال النظافة في بلديات القطاع الثابتين في وظائفهم بمبلغ يتراوح ما بين 350 و400 دولار شهرياً، لافتاً إلى أن «جانباً من عمال النظافة هم من عمال المياومة، وهؤلاء يتلقون رواتب أقل، بالكاد تصل إلى 250 دولارا شهرياً».
ويلفت إلى أن ما يحدّد رواتب عمال النظافة المثبتين هو قانون يعرف باسم «الخدمة المدنية»، بخلاف الحال في الضفّة حيث يُعمل بنظامٍ خاص بموظفي الهيئات المحلية. لكن النظام الذي اعتمدته السلطة في العام 2009 لا يُطبّق، ويعزو برهوم عدم تطبيقه إلى تفضيل بلديات القطاع الاستمرار بتطبيق القانون الخاص بها الذي أرسته قبل 10 سنوات، ربما كون النظام الذي أطلقته السلطة قبل عدة سنوات يزيد من وطأة الأعباء المادية التي تقع على كاهل البلديات في حال إقدامها على تنفيذه.
ويستشهد بتجربة مدينة رفح، ويبلغ عدد سكانها 180 ألف نسمة، إذ ان «هناك 60 عامل نظافة ما بين مثبت ومياومة يخدمون المدينة.. هذا العدد بطبيعة الحال غير كافٍ أبداً».

 

 

 

 

قانونٌ يطبّق ولا يطبّق


يؤكد ممثلو الاتحادات والمؤسسات الرسمية إدراكهم للصعوبات التي يواجهها عمال النظافة، وإن اختلفت رؤيتهم حول كيفية التعاطي معها. فيذكر أمين السر لـ«الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين» حسين فقهاء أن «الدور الذي يضطلع به عمال النظافة في غاية الأهمية، وليس فيه ما يعيب. لكن حقوق هذه الفئة مهضومة، ليس من الناحية المالية فحسب، بل من ناحية توفير متطلبات الصحة والسلامة المهنية أيضاً». ويعزو هذا الوضع، إلى طبيعة المهنة، «إذ لا حاجة لأن يملك عامل النظافة مؤهلات علمية أو مهارات فنية مميزة، ما يفرض على النقابات والجهات ذات الصلة التحرك لإنصاف هذه الشريحة»، بحسب ما يرى.
تجدر الإشارة هنا إلى أن ملف عمال النظافة ليس في الأساس موضع متابعة من قبل النقابات والاتحادات العمالية، بل تضطلع به اللجان العمالية الموجودة في البلديات، والجهات التمثيلية للعاملين في الوكالة. ومع ذلك، لا يعتقد حسين فقهاء أن هناك مشكلة على صعيد التنظيم النقابي لهذه الفئة، «ولا أعتقد أن هناك داعي لإيجاد نقابات أو لجان خاصة بعمال النظافة فقط، لأنني أخشى من تفتيت العمل النقابي.
ويلفت المدير التنفيذي لـ«الاتحاد الفلسطيني للهيئات المحلية» عصام عقل إلى أن «إقدام الهيئات المحلية أو غيرها من الجهات، على تعيين أناس يعانون من أوضاع اقتصادية صعبة أو هم من ذوي الإعاقات أحياناً، في وظيفة عمال نظافة، لا يبرر تدني رواتبهم». ويشير إلى أن نظام موظفي الهيئات المحلية المطبق على البلديات في الضفة منذ العام 2009، «أسهم في حصول بعض التحسن على الرواتب التي يتقاضاها عمال النظافة، لكن ذلك غير كاف».
وعند استقصاء رأيه، أكد مدير عام الشكاوى في وزارة الحكم المحلي محمد محيسن أن «النظام جاء ليحمي حقوق عمال النظافة في البلديات من عمليات استغلال مختلفة». ويشرح: «في السابق، أي قبل تطبيق النظام، كان هناك الكثير من عمال النظافة الذين يعملون مقابل مبلغ لا يصل حتى إلى 10 دولارات يومياً. وفي حال تعذّر عدم عملهم في يوم لسبب أو لآخر، ربما لا يجدون ما يقتاتون به هم وأسرهم. وفي حال الاستغناء عن خدماتهم، لا يحصلون على راتب تقاعدي. أما النظام الجديد فقد صنّف العاملين في البلديات ضمن درجات، تماثل تلك المعمول بها في مؤسسات السلطة الوطنية». إلا أن الدرجة التي تصنف عمال النظافة هي الأدنى مرتـــــــبة بين هذه الــــــــدرجات (الخامسة)، علماً بأن الراتب الأساسي للعاملين بموجب هذه الدرجة يبلغ نحـــــــو 350 دولاراً شهرياً، من دون احتساب علاوات أخرى تضاف إلى الراتب، مثل بدل غلاء معيشة، والأولاد، والمواصلات، إلخ. فيقول محسين: «لــــــيس من السهل أن ينتقل عمال النظافة إلى درجة أخرى مثل الرابعة أو الثالثة، نظراً لمحدودية مؤهلهم العلمي عموماً. لكن، مع مضي السنوات، يحصلون على علاوات مختلفة، يمكن أن تزيد راتبهم الأساسي ليصل في حال قضائهم 30 عاماً في الوظيفة كحد أقــــــصى، إلى نحو 550 دولاراً شهرياً، عدا تمـــــــــتعهم براتب تقاعدي مستقـــــــــبلا». وهو إذ يجهل تعداد عمّال النظافة في الضفة، يشرح أن عدد العاملين في الهيئات المحلية في الضفة يبلغ 13500 شخص.