| 

«كنا طيبين وسُذَّجاً. قلنا: البلادُ بلادُنا
قلبُ الخريطة لن يصاب بأيَّ داءٍ خارجي».
محمود درويش
انكمشت خارطة فلسطين، كقميص ناعم رفعوا الحرارة حتى أقصاها عند غسيله. يقصقص الساسة الخارطة ويلصقونها ويقسمونها ويتبادلون أجزاءها وكأن فلسطين خارطة بلا تضاريس ولا حيوات. وعلى الأرض، تروح المسافات تنكمش أيضاً، بحدود وحواجز تمنع الفلسطيني من الوصول إليها. بين هذا وذاك وحمايةً لـ«قلب الخريطة»، حملت مجموعة شباب فلسطيني عصاها وزادها والخارطة السويّة، وانطلقت تجول في فلسطين. فلم تبلغها كلها بطبيعة الحال، فاقتصر التجوّل على أرجاء الضفة الغربية، نظراً للحواجز التي تسدّ طريق الشباب الفلسطيني إلى قطاع غزة وفلسطين المحتلة في العام 1948، إذ يتحتم على الفلسطيني نيل تصريح يصعب مناله. لا يمكن إلغاء الأرض لكن يمكن تعطيل الوصول إليها، فلنصل إليها ما استطعنا وأينما استطعنا.

«نتعلم من التجربة»

انطلق مشروع «تجوال سفر» في فلسطين عام 2011 كامتداد لشبكة «سفر» على مستوى العالم العربي، التي تعمل على توفير منح تمكّن الشباب العربي من السفر في أرجاء الوطن العربي، بهدف التعلم عن طريق المجاورة والمزاورة والاستكشاف، تحت شعار «أنسج رحلتي لتتسع رؤيتي». فقصدت المجموعة في التجوالات الأولى في فلسطين مدينة أريحا، حيث انطلق الفريق الفلسطيني والأردني كل من جهته صوب الحدود رمزاً للتواصل. وفي حين ضمّ التجوال الأول 13 مشاركاً قدموا بدعوة من معارف وأصدقاء، يبلغ عدد المشاركين في التجوال اليوم ما يقارب المئة وثلاثين من شتى المناطق الفلسطينية، بمعدل تجوالين في الشهر متممين ما يقارب الستين تجوالاً.
في أول تجوالها، قصدت المجموعة قرية صفّا، غربي رام الله. ثم قصدت أقدم مدينة في التاريخ، أريحا، بثلاثة عشر متجولاً في صيف العام 2011. ويحرص المبادرون على حفظ مفردة «التجوال» في وصفهم للمبادرة وشخوصها: «إذا فكرنا بها عميقاً فهي تأتي رداً طبيعياً على سياسة منع التجول التي فرضتها إسرائيل على جيلنا في الإنتفاضة الثانية»، يشرح لـ«السفير» يحيى أبو الرب، وهو أحد أوائل «المتجولين» ضمن المجموعة. فرفع منع التجول لم يزل آثاره من ذهنية الفرد والجماعة الفلسطينية، ولا ساعدت الحدود الفعلية المضروبة في نواحي فلسطين على ذلك. من هنا، يتعدى التجوال مفهومه النمطيّ كرحلة للترويح عن النفس، ليكون كما يدل شعار المجموعة: «تجوّل في الأرض تمتلكها».
تنطلق الحافلات مرتين في الشهر، في أيام الجمعة تحديداً، من مراكز المدن الرئيسية في الضفة الغربية، رام الله ونابلس والخليل، صوب قرية أو مدينة معينة بعدد مشاركين بات متزايداً بعدما ذاع صيت المجموعة والتجارب التي يتشاركها المتجولون صوراً وانطباعات يعلقونها على حساباتهم الشخصية في شبكات التواصل الاجتماعي. «هل في ذلك تحقيق لأهداف المشروع الأصلي؟»، فيجيب المبادرون للتجوال بوضوح وثقة قائلين ان الحديث أبعد ما يكون عن هذه المصطلحات المستمدة من التنظيم المؤسساتي وهرميته: «يسعى التجوال لتعزيز قيم وليس وضع أهداف مسبقة ومن ثم تقييمها. نتعلم من التجربة ونبني المبادرة من خلالها وبذلك نضمن استمراريتها»، يقول سامر الشريف الذي نراه في التجوالات يكور يديه مطلقاً صرخة التجوال التي بات الجميع يعرفها. يأتي ذلك مواجهاً المشاريع المؤسساتية الأجنبية التي أدخلت ثقافة غير أصيلة إلى فلسطين، بجعل الفلسطيني سائحاً في وطنه، وجردت علاقة الإنسان بالأرض، إذ جعلتها وظيفية بحت.

«كل شيء سياسي»

يبدأ تعزيز القيم التي اختارها الشباب لمجموعتهم من سلوك نواة المجموعة الأولى، إذ لا يعتبر هؤلاء أنفسهم قائمين على فكرة التجوال وإنما مبادرون لها اختاروا فتحها لتضم أعضاء جدد. هكذا تورث الفكرة، وتتسع بين متجولين قدماء وآخرين حديثي العهد، فيما تنتقل مهمة التنسيق بين المتجولين بحكم قدمهم واستيعابهم للفكرة: «يشكّل هذا بحد ذاته كسراً لمصطلحات السيطرة التي اعتدنا عليها في حياتنا في ظل الاحتلال والنظام الاجتماعي في فلسطين»، يلفت محمود عساف وهو من المتجولين المنسقين. فلا نجد في أدبياتهم كلمات مثل «إدارة» و«مدير» و«مرشّد» و«موجّه» و«سلطة» و«ضابط». إذ ينجح التجوال في فرض لغة مغايرة بسبب تعزيزه لقيمة عليا باتت عملة نادرة في فلسطين هذه الأيام، وهي تقوم على الاعتماد على النفس ونبذ أي نوع من التمويل الخارجي أو الأجنبي. فيتكفل المتجولون بتغطية تكاليف السفر، كما يتم شراء الطعام بشكل جماعي وتقاسمه مع بقية المتجولين، بما يضمن خلق «روح التجوال» القائمة على قيم جامعة مثل المجاورة والتشارك.
لا «يلعلع» المتجولون بشعارات سياسية و«أجندات وطنية» و«ثوابت» مستهلكة، بل ينعكس تواصلهم مع قضيتهم بأركانها المختلفة عبر الممارسة، بدءاً من التشديد على شراء المنتوجات الفلسطينية، مروراً بالزيارات الثابتة في كل تجوال لأهل أسير أو شهيد أو أسيرة محررة إذ لا تخلو قرية أو مدينة في فلسطين من بيت كهذا، وصولاً إلى التجوال في مناطق يحيق بها خطر تهجير مباشر، مثل الأغوار. فلا تشكّل كل هذه أهدافاً قائمة بحد ذاتها ينبغي فعلها لرفع العتب، إنما بداهة يفرضها الوضع السياسي في فلسطين لاعتبارهم أن كل نشاط يقوم به الشباب الفلسطيني بشكل أو بآخر هو فعل سياسي ويؤثر على القضية: «لا يوجد في فلسطين ما هو غير سياسي»، يشدّدون. فيأتي التجوال في ظل تقلص الأرض الفلسطينية بالمدّ الاستيطاني الاستعماري وتآكل اللحمة التي تربط الفلسطيني وأرضه، ليعيد الاعتبار لاستكشاف معرفي للانسان غير مبني على التلقين واستهلاك اللغة والمفاهيم التي تروج لها الصحافة والرأي العام والمناهج المدرسية.
بذلك، يأخذ التجوال الجماعة بيدهم بعيداً عن الاستهلاك المعرفي الشعاراتي للجغرافيا والتاريخ الفلسطيني، ويتيح لهم الوصول إلى معالم وأماكن وعادات ولهجات وآثار ومنتجات غائبة من الوعي الفلسطيني. هكذا مثلاً يحيي المتجولون مفهوم «العونة»، ويجعلونه تقليداً يداومون عليه في تجولاتهم، فإذا ما صادف التجوال مواسم الحصاد أو قطاف الزيتون، تختار وجهة التجوال لمشاركة أهل قرية ما في حصادهم أو قطيفهم. العونة، خلافاً للعمل التطوعي، تحمل بعداً تبادلياً: المساعدة مقابل المعرفة، في هذه الحالة. إذ بالنسبة لغالبية المتجولين، يشكل التجوال مناسبة أولى للمشاركة في حصاد القمح، وحتى قطاف الزيتون، وقد تغيرت التقاليد وفُقدت الأرض. فتمتد المشاركة من الحقل إلى بيوت أهل القرية. ففي رمضان، فردت عشر عائلات خليلية موائدها للمتجولين ساعة الافطار، وتكرر ذلك في نابلس خلال رمضان السنة التالية، ما يعيد بناء مجتمع فسّخته الحواجز والسياسة المتواطئة. ويظهر ذلك من طريقة تنظيم وترتيب التجوالات أيضاً، إذ يبادر متجول من قرية أو مدينة ما إلى دعوة المجموعة إلى بلده وتنسيق جدول الزيارة ومحطاتها.

ولو مجازاً

من أعالي جبل في قرية بُرْقَة الملونة في قضاء نابلس، رأى بعض المتجولون البحر وأطلوا على ملامح جبل الشيخ على الحدود السورية وعلى جبل الكرمل للمرة الأولى. ومن على هضاب قرية العبيدية المشرفة على القدس، رأوا القبة المذهبة، أمارة القدس التي لم يرها بعضهم مطلقاً. وعلى الرغم من الغصّة التي تعلو في الحلق، فذلك يفتح شقّاً في الخارطة للإطلال جماعة وأفراداً على فلسطين: «لا يمكن تقليل أهمية فتح أفق للخيال وللحلم ولتغيير مفهوم المسافات وقدرتنا على تخطيها ولو مجازاً»، يقول المعلم منير فاشه، وهو السبعيني المهجّر من القدس، والمثابر على المشاركة الدائمة في التجوال. قد لا يستطيع التجوال رتق الخارطة، ولكن في مدّ النظر حتى أقصاه وفي تنوع شخوص المتجولين وتعدد المناطق التي ينحدرون منها، ما يجمع فُرقة فرضتها الحدود. ومع ذلك، تبقى غزّة قصيّة غير قادرة على المشاركة في التجوال، بينما نلحظ تزايد في عدد المشاركين من فلسطين المحتلة في العام 1948، وهم يبادرون مؤخراً لمجموعات تجوال شبيهة.
تضج التجوالات بالضحك والكثير من الغناء، والمناكفات باللهجات الفلسطينية المختلفة، مثل مدّة أهل الخليل المعروفة. وأحياناً، يسرح المتجولون ويمرحون بالأسماء الشخصية فيستمدون بعضها من المسلسلات البدوية، فتختلط الأسماء الأصلية بأسماء خلقها المتجولون وما عادوا يُعرفون بغيرها. كأنهم يقولون: تعبنا من النكد، نريد الحياة شباباً مقبِلاً لا مدبِراً.