| 

لم يكن الأسبوع الأول من زواجها قد انتهى حين وجدت نفسها معتقلة في سجون الاحتلال الإسرائيلي بتهمة مقاومة الاحتلال. وخلافاً لما قد يعتقده الكثيرون، فإن الساعات الأصعب بالنسبة إلى ليلى العيساوي لم تكن تلك التي تابعت فيها 270 يوماً من إضرابٍ أسطوري عن الطعام خاضه ابنها سامر في السجون الإسرائيلية، وإنما اللحظات التي سقط فيها ابنها فادي، ابن الـ14 عاماً، برصاصة دمدم في يوم ميلاده.

أمٌّ لثمانية أسرى

«استشهاد فادي سبّب صدمة كبيرة للعائلة»، قالت ليلى العيساوي في مقابلة خاصة مع «السفير» أجرتها في منزلها في حي العيساوي الذي يعتبر من أكثر المناطق استهدافاً من قبل الاحتلال الإسرائيلي في القدس الشرقية. وأضافت: «صحيح أن الاحتلال كان قد اعتقل كل أولادي في السابق، ما تسبّب بحالة كره وحقد على الاحتلال. ولكن، عندما استشهد فادي، كان سامر في الثالثة عشرة من عمره، وبالتالي كان صغيراً يوم شاهد أخوه غارقاً بالدم. ولا يمكن لأحد أن ينسى ذلك المشهد، وأنه سقط ظلماً. فقد كان في مسيرةٍ سلمية، وكان بإمكان الاحتلال أن يفرّق هذه المسيرة بطريقة سلمية، ولكن ليس بسلاح الدمدم المحرّم دولياً ضد طفل كان في الرابعة عشرة من العمر فقط».
تستعيد ليلى العيساوي يوم السادس والعشرين من شباط 1994 حين استفاق الفلسطينيون على مجزرة نفذها الإرهابي الإسرائيلي باروخ غولدشتاين ضد المصلّين في الحرم الإبراهيمي، فأردى 29 فلسطينياً وجرح 150، لتقول والدمع في عينيها: «كان يوم الخامس عشر من رمضان، خرج الناس في مسيرة سلمية احتجاجية، وكان من بينهم فادي الذي كان قد احتفل بعيد ميلاده ولا يزال يرتدي ملابسه الجديدة. كانت كل ملابسه جديدة حتى ملابسه الداخلية. كنت قد اشتريتها له بمناسبة عيد ميلاده، وقد استشهد في عيده بملابس ميلاده».
فترة الستة أشهر التي أمضتها هي في السجون الإسرائيلية كان الأقصر في سجل طويل من الاعتقالات التي أصابت أبناءها. فابنها البكر رأفت أمضى 8 سنوات في السجون، وابنها مدحت 22 عاماً، وابنها فراس 5 سنوات، وابنها سامر 14 عاماً، في حين أن شادي أمضى 8 سنوات مسجوناً، وابنتها المحامية شيرين أمضت عاماً واحد في السجن وعاماً مع وقف التنفيذ، وتم سحب رخصة مزاولة المهنة منها لمدة 3 سنوات تم تجديدها مؤخراً لمدة عامين إضافيين. وحدها رشا من بين أولادها لم تعتقل.

«من يقدر على الطبخ؟»

سامر هو السادس من بين 6 أبناء وابنتين، وقد لمست فيه الإصرار حتى في صغره: «عندما كان صغيراً، كان إذا أراد شيئاً يصر عليه. أحياناً، كنت أحاول إقناعه بأن شيئا ما، مثلاً، غير ضروري. فأنا عندي 8 أولاد وبنات، وإذا جلبت شيئاً لسامر فيجب أن أجلب الشيء ذاته لإخوانه، لذلك كنت أقول له: حسناً سأجلبه لك لاحقاً، إذا لم يتوفر لدي المال للشراء للجميع. فكان يصرّ، وأحياناً يجمع مصروفه ويقول لي: هذا مصروفي وأضيفي إليه، كان عنده هذا الإصرار منذ صغره».
ومع ذلك، «عندما بدأ سامر الإضراب عن الطعام، اعتقدنا أنها فترة قصيرة وستنتهي مثلما انتهت إضرابات سابقة، لم أتأثر بها وقلت أنها ستنتهي إن شاء الله على خير وفي فترة قصيرة. ولكن، عندما استمر بالإضراب وطال الوقت وبدأت صحته تتدهور، فإننا خفنا عليه كثيراً».
انتبهت العيساوي حينها إلى معاناتها، حتى من كلام أو نظرات الناس: «عندما أصبحت صحته متردية وكان يواجه الموت، كانوا كل يوم يخرجون بإشاعة تفيد بأن سامر استشهد أو أنه يحتضر. فكنت اتصل بالفضائيات وأطلب منهم أن يراعوا مشاعري كأمّ، وكنت أقول لهم: إذا ما كنتم تريدون المعلومة الصحيحة، عليكم أن تراجعونا، نحن أهله، قبل أن تبثوا الأخبار. راجعونا، فنحن نعرف إذا كان استشهد أم لا. قلت لهم: راعوا مشاعري كأم... الوضع بالنسبة إليّ كان صعباً للغاية! فأنا أم، من دم ولحم، ربيت ابني وتعبت عليه، وأن يذهب مني في لحظة هو أمر صعب للغاية».
وتضيف: «الله سبحانه وتعالى كان يصبّرني... كنت أصلي من أجل سامر وأدعو له وأقول: يا رب أنت أعطيتني سامر وأنا أقبل بقضائك وقدرك وما ستكتبه لسامر... تلك الأيام كنت بالنسبة إليَّ صعبة... مرّة... مؤلمة، كنا في حالة قلق ليلاً ونهاراً فلا نتمكن من النوم ولا الأكل. كنا شبه مضربين عن الطعام مثل سامر، من يقدر على الطبخ؟ ومن له نفس أن يأكل؟ وقد أضربت معه لعدة أيام ولكنني أعاني من السكري والضغط وهشاشة عظام، وبالتالي يجب أن آخذ الدواء... بسبب الإضراب، هبط السكري بشكل كبير جداً، ونقلت إلى المستشفى وأمضيت فيه أسبوعين».
وتشرح مرضها بالقول: «هبط السكري وكنت أعاني من نقص السوائل، ما تسبب بمشكلة في الرئة. فتعالجت وتحسن وضعي وخرجت من المستشفى. ولكن، بسبب الألم على وضع سامر، أصبت بمرض في رجلي ولم أتمكن من السير إلا على عربة لها عجلتين».

مقاومة الشفقة

تروي ليلى العيساوي واحدة من أصعب اللحظات التي عرفتها: «عندما بلغ الإضراب يومه الستين، أحسست بأن سامر قد دخل في مرحلة الخطر، وقلت في نفسي إنني يجب أن أنزل إلى الشارع حتى لو كنت على عربة فالمهم أن أُسمع صوتي، وبالفعل فقد نزلت... ذلك اليوم كان صعباً، فالناس المتواجدين كانوا يعرفونني. كنت في السابق أزور 5 سجون يتواجد فيها 4 أبناء وبنت من دون أية مشاكل. ولكن، عندما شاهدوني أتنقل على عربة، نظروا إليّ نظرة شفقة وكانوا يبكون. تأثرت كثيراً في نفسي، وقلت لن أعود. فأنا لا أحب نظرة الشفقة من الناس. للحظة قلت: عندما أشفى من مرضي، فإنني سأعود إلى الشارع. ومن ثم تراجعت، وقلت في نفسي: ماذا افعل؟ لا يمكنني أن أفعل أي شيء للمرض، وهذا ابني، ويجب أن أوصل رسالته إلى العالم وإلى الناس كي يتفاعلوا معه ويقفوا مع قضيته. وبالفعل، عندما كنت أشارك في النشاطات، كنت ألاحظ أنه إذا ما كان عدد المعتصمين 10 أشخاص، فإنه يفوق الخمسين عندما أشارك أنا».
في هذه الأيام المُرّة الطويلة، لم تهدأ ليلى العيساوي: «كنت أتنقل من موقع إلى أخر. ذهبت إلى السفير المصري والى السفير الأردني، والسفير التركي، والى الأوروبيين. وعندما جاء الرئيس الأميركي باراك اوباما، كتبت له رسالة وطلبت منه استقبالي، ولكنه رفض استقبالي. وعليه، عقدت مؤتمراً صحافياً بجانب المسجد الأقصى، وأوصلت الرسالة عبر وسائل الإعلام».

اللمس فالضرب

في اليوم 180 من الإضراب، تم جلب سامر إلى المحكمة. كان يجلس على كرسي متحرك، وهي كذلك. وإذا كان الاحتلال قد أوقف المصعد الكهربائي لمنعها من الوصول إلى قاعة المحكمة، فقد قام الشبان المتواجدون بحملها إلى القاعة.
تصف العيساوي تلك اللحظات بالقول: «كان سامر وسط الحراسة الشديدة إلى جانب الباب الذي
دخلت منه، مدّ يده ليلمس يدي، فانهالوا عليه ضرباً. خرج القاضي من غرفة المحكمة، وحاولنا إبعادهم عنه. لكنهم استمروا بضربه وأخرجوه من القاعة وسقط على الدرج ما أدى إلى كسر في صدره».
حينها، وأمام المشهد، قال كثيرون لها: كيف تصمتين وابنك يموت؟
ولكن، في ذلك اليوم، تمالكت العيساوي أعصابها لإرسال رسالة دعم قوية لابنها: «تمالكت أعصابي وكنت أرسل له رسائل بأنني قوية وإنني معك... في ذلك الوقت، كان الناس يقولون لي: أنت أم عاطفتها تجاه أولادها تختلف عن كل البشر، فكيف تصمتين و ترين ابنك يموت؟ لماذا لا ترسلي له طالبةً أن يفك إضرابه حتى يعود لك؟ من ناحيتي، لم أكن أوافقهم على هذا الرأي لأنني مثله كنت أؤمن بقضيته، أؤمن بأنه إنسان خرج من السجن ويريد أن يعيش حياته... لم يرتكب أي شيء إلا مجرد أنه وصل إلى منطقة كان يعتبرها قبل سجنه تابعةً لمنطقة القدس، وليس مناطق سلطة فلسطينية، وهذه ليست بجريمة يعاقب عليها أو يسجن ليكمل عشرين سنة من حكمه السابق. كنت أؤمن انه مظلوم وأنهم يجب أن يعطوه حقوقه وأن يخرجوه من السجن. وبالتالي، لم أقف أبداً ضد رغبته بأن يستمر أو لا يستمر في الإضراب وكنا ندعمه في مواقفه».

«هل هذا أنا؟»

كانت تلك المرة الأولى التي تتمكن فيه من رؤية ابنها. بعدها، رأته عندما مرّ شهر على فك إضرابه (الذي استمر 9 أشهر): «بعد شهر من فكّ إضرابه، تمكنّا من رؤيته. ذهبنا إلى مستشفى سجن الرملة، وشاهدناه هناك. كان الوضع مأساوياً، فقد كان سامر ضعيفاً للغاية رغم أنهم كانوا يمدّونه بوجباتٍ بالوريد، علماً إنها تعطى لكبار السن. لكن منظره كان مرعباً».
وأضافت: «عندما رأيته، لم أكن أريد أن أشعره كيف شكله، لأنه لم يكن يعرف كيف شكله. وعندما خرج من السجن وشاهد الصور التي التقطت له، تساءل: هل هذا أنا؟ هل كنت بهذا الشكل؟ فقد كان في زنزانة ليس بها تلفاز أو مذياع أو مرآة أو أي شيء. غرفة تشبه القبر».

الإبتزاز الإسرائيلي

حاول الإسرائيليون استغلال مرض والدته للتأثير عليه ولكن من دون فائدة: «عندما كان سامر في المستشفى، كانوا يقولون له إن أمك في حال الخطر، وأنك يجب أن توقف إضرابك من أجل أمك التي تواجه الموت. وأيضاً، عندما اعتقلوا شيرين وفراس وشادي في فترة إضراب سامر لكي يضغطوا عليه فيفك إضرابه، كان يرد عليهم: لو اعتقلتم كل أهل البيت، فلن أتراجع عن قراري».
إلى اعتقالهم أخوته، تلفت ليلى العيساوي إلى أن الإسرائيليين «هدموا أيضاً منزل ابني البكر رأفت. آنذاك، كان عناصر المخابرات الإسرائيلية يأتون إلى العيساوية ويقولون للشباب: ستكون لكم مفاجأة في عيد رأس السنة. والناس كانوا يترقبون هذه المفاجأة فكانت هدم بيت رأفت. جاءوا في موعد صلاة الفجر في ليلة رأس السنة، وهدموا المنزل. اتصل رأفت عند الساعة الخامسة والنصف صباحاً، وقال لي بصوت منفعل: اليهود يهدمون بيتي الآن. فقلت له: لا عليك، لا يهمّ، من بناه يبنيه مرة أخرى، تعال عندي إلى البيت. وفي اليوم التالي، جاء الإسرائيليون وأخذوا عدّاد المياه من المنزل، وما زال عندهم. وهم يطالبوننا بمبالغ طائلة».
وتابعت العيساوي: «لقد مارس الإسرائيليون الكثير من الضغوطات على سامر وعلينا، وكانوا يقولون: أنتم تتخلون عن ابنكم، فكنا نجيب: ربنا يحيي ويميت. كنا صابرين وسامر كان يمر بأوقات صعبة للغاية، فقد تضررت الكثير من الأجزاء في جسمه بما في ذلك الكلى والقلب والعضلات، وأصبح مجرد كتلة من العظام عليها جلد».

فرحٌ في فلسطين

يوم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق مع سامر بالإفراج عنه بعد 8 أشهر ليعود إلى منزله في القدس، كان بمثابة يوم فرح في منزل عائلته وفي القدس والأراضي الفلسطينية بأكملها.
تستحضره العيساوي وتتذكر: «شعرنا بسعادة غامرة، وجلسنا حتى الصباح نحتفل بمشاركة أهل البلد. والسيارات كانت تطلق العنان لأبواقها، والألعاب النارية تملأ سماء البلد. كانت فرحة غامرة وقلنا إنه سيعود شيئاً فشيئاً إلى صحته. ولكن الفرحة كانت ناقصة، لأن هناك إخوة ورفاق له في السجن، فكنت أدعي وأقول: يا رب، مثلما أفرحتني بابني، تعمّ الفرحة كل بيت بالإفراج عن باقي الأسرى».
مع الإفراج عن سامر، أصبحت هذه التفاصيل ذكريات للعائلة: «كنا نجتمع، العائلة كاملة، وكان يخبرنا ما حدث معه وأنه كان عدة مرات على وشك الموت، وأن الأطباء كانوا يقولون له: أنت مجنون؟ من يقبل أن يموت؟ لا يوجد شيء في جسمك يعمل بشكل صحيح، ومن الناحية الطبية أنت ميت. كانوا يتفاوضون معه، وعندما يرون أنه منهك، كانوا يقولون له: أوقف إضرابك. وعرضوا عليه أن يذهب إلى غزة، وأن يمضي هناك 10 سنوات ثم يعود إلى القدس أو أن يذهب إلى الأردن. وأخيراً، عرضوا عليه أن يذهب إلى رام الله، وكانت إجابته: لن أذهب إلى أي مكان إلا إلى حضن أمي في القدس».
منذ خروج سامر من السجن، وجدت العيساوي نفسها أمام مهمة جديدة وهي تمكينه من استعادة صحته التي تدهورت في أثناء الإضراب: «الآن، هو لا يأكل بشكل عادي. إذ أعد له كوكتيل فاكهة وشوربات خضار وسلطات وعصائر طبيعية. فخلال 9 شهور من الاضراب، تدمر كل شيء في جسده، ومعدته أصبحت صغيرة، فلا يتمكن من الأكل، ولو حتى شريحة الخبز الصغيرة. ولكن الحمد الله، وضعه يتحسن شيئاً فشيئاً».