| 

كثيرون، على قلّتهم، هم الذين سببوا للمنظومة الأمنية الصهيونيّة قلقًا وجوديًا وارتفاعًا ملحوظًا في ضغط الدم، حاربوا إسرائيل بأناقة وعرفوا كيف أنّ الشخص والفكرة الكامنين وراء البندقية هما أهمّ من البندقيّة. اعترف العدوّ، قبل الصديق، بإنجازاتهم، وأقرّ في غير موضع بفشله المتوارث في القضاء على منهجهم. كان من بين هؤلاء، ولا يزال، الشّاب الحيفاوي الذي قال وزير الدفاع الإسرائيليّ موشيه ديّان في معرض توصيف حالته، في جملة تذكّر بكوميكس الأبطال الخارقين: «في حين يحكم الجيش الإسرائيليّ غزة في النهار، فإنّ «جيفارا غزّة» ورفاقه يحكمونها في الليل».
محمد محمود مصلح الأسود، واسمه الحركيّ «دوّاس بحر»، هو الولد الموزّع مناصفةً على حيفا وغزّة. هو «الرفيق» الذي دوّخ إسرائيل شرطة وجيشاً، وشارك في كتابة تاريخ مدينته المُكتسبة وما حولها. أطلق عليه أهل غزّة لطبيعة نشاطه الفدائيّ، وقدرته المحترمة على المناورة وضرب العدو من حيث لا يحتسب، لقب «جيفارا غزّة». لقبٌ أثبت محمّد أنّه يستحقّه بالفعل. فمحمّد كان مفعماً بالحبّ الذي قال عنه تشي جيفارا إنّه «خصلة الثائر الأهم».
في مثل هذا الشهر، استشهد جيفارا غزّة.

محمد الأسود

خرج محمّد الأسود للمرّة الأولى من جوار البحر بعد التطهير العرقيّ لفلسطين في العام 1948، طفلاً تتناقله أيدي عائلته التي استقر بها المقام في مخيّم الشاطئ المرتجل غرب مدينة غزّة. أنهى تعليمه المدرسي في المخيّم وتوجّه إلى القاهرة ليكمل دراسته الجامعيّة. لكنّ ظروف أسرته المادية أجبرته على العودة، فعمل موظفًا في بلدية غزّة. لم يمض وقت طويل حتى التحق بـ«حركة القوميين العرب»، ولاحقًا بـ«طلائع المقاومة الشعبيّة» التي انطلقت بعد نكسة حزيران 1967، وسرعان ما تم دمجها وحركات نضاليّة أخرى كـ«شباب الثأر» لتعمل موحّدة تحت سقف «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين».
قاد جيفارا غزّة العديد من العمليات الفدائيّة ضد الجيش الإسرائيليّ في غزّة. كان النسق الثّابت لتلك العمليات هو التتالي والجرأة التي لا تخاصم الحيطة. هجم ومجموعة من رفاقه على بوابة مقر السرايا وسط مدينة غزّة، وهندس كمينًا محكمًا لسيارة عسكرية إسرائيلية عند المدخل الغربيّ لمخيم الشّاطئ. ردّت إسرائيل بحملة اعتقالات واسعة شملت أكثر من مئة فدائيّ كان من بينهم دوّاس بحر.
بعد نقله من سجن السرايا وسط غزّة إلى سجن عسقلان الذي قال موشيه ديّان إنّ الخارج منه لن يكون إلا عالة على ذويه، نشط «جيفارا غزّة» داخل السجن وكان سببًا رئيسًا في مشاركة الأسرى الإداريين في الإضراب العام الذي قام به الأسرى المحكومون في تلك الفترة. وفي تمّوز العام 1970، خرج «أبو وائل» من سجن عسقلان إلى قطاع غزّة وفي جعبته المزيد من الشغف.
بعد خروجه، تدرّج جيفارا غزّة في السلم التنظيمي حتى تسلّم منصب نائب المسؤول العسكريّ للجبهة الشعبية في غزّة، ولاحقًا المسؤول العسكري للقطاع. الحيّز الإقليمي الذي كان يشغله جيفارا غزّة (عطّل خط سكة الحديد المار بغزّة في أثناء حرب الاستنزاف) لم يمنعه من أن يكون ابنًا حقيقيًا لمدينته الساحليّة، ملمًا بكلّ التحديات التي تفرضها طبيعة العمل الفدائيّ انطلاقًا من تجمعاتها السكّانية. وفي نموذج لحسّه النقديّ، ولمركزيّة الإنسان الفلسطيني في اشتغاله الفكريّ، كان محمّد الأسود سببًا في إيقاف النشاطات العدائيّة ضد الذاهبين من غزّة للعمل داخل إسرائيل، حيث استبدل استهداف العمال وسحب تصاريحهم بمحاولة تجنيد القدر الأكبر منهم لتنفيذ عمليات داخل الخطّ الأخضر.
امتدّ إسهام «جيفارا غزّة» ليشمل مجالات أوسع من العمل العسكريّ حيث حرّض ودفع في اتجاه الرفض الشعبيّ لسياسة التهجير إلى سيناء التي اتبعتها إسرائيل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بحقّ ذوي الفدائيين والمطاردين، كما دعم نشاطات ثقافيّة ودفع في اتجاه تأسيس مكتبات فرعيّة لغرض التثقيف الحزبيّ.

«مهندس السراديب»

مع تضييق الخناق واشتداد الحملات الإسرائيليّة لمحاولة اغتياله أو اعتقاله، قرر جيفارا غزّة التخفّي عن الأنظار مدّة طويلة. أرسل مستعينًا بالصليب الأحمر رسالة إلى زوجه مفادها أنّه وصل الأردن. ذهبت زوجه بالرسالة إلى الحاكم العسكريّ الإسرائيليّ مطالبة بإيقاف حملات التفتيش اليوميّة بحثًا عن محمّد. ظلّ جيفارا مختفيًا لمدة ستّة أشهر كان يتنقل فيها متنكرًا، لا يشارك في تنفيذ أية عمليات فدائيّة لكنه يسهم في إعادة بناء خلايا التنظيم بحنكة ورويّة.
كان جيفارا يقول بضرورة الوجود في مقربة دائمة من العدو. مقربة يظنّ معها البعد، فيغرق في التخبّط. نفّذ «مهندس السراديب» ما كان يقوله بحرفيّته. المخبأ الذي قضى فيه حوالي ستة أشهر لم يكن في مزرعة أو على الحدود، بل كان بالقرب من مركز السرايا، أهم مقر أمني في وسط مدينة غزّة. من هذا المخبأ، خرج جيفارا ليصل إلى منزل رفيقه وصديقه رشاد مسمار مع رفيقين آخرين.
لم يمض وقت طويل حتى داهمت قوات الجيش الإسرائيلي المنزل. اختفى جيفارا ورفيقيه في سرداب مخصص لهذا الغرض في ساحة البيت. لم تستطع الدفعات الأولى من الجيش إيجاد الفدائيين. استلزم الأمر استجلاب ضبّاط من سلاح الهندسة الذين وجدوا جداراً مبنياً بلا أساسات. تحت هذا الجدار، كان جيفارا غزّة يربض مع رفيقيه، ومن تحت هذا الجدار بدأ الاشتباك مع القوة الصهيونيّة التي كشفت المخبأ.
التّاسع من آذار العام 1973. استشهد جيفارا غزّة في منزل صديقه رشيد مسمار مع اثنين من رفاقه في «الجبهة الشعبيّة» هما كمال العمصّي وعبد الهادي الحايك. طلب موشيه ديّان من رشيد مسمار التعرّف على الجثث. عندما أشار رشيد إلى جثّة محمد الأسود قائلاً إنّه جيفارا غزّة، دخل موشيه ديّان والضبّاط الاسرائيليون في حالة من الفرح العارم.
خرج محمد محمود مصلح الأسود من جوار البحر ثانيّة. خرج شهيدًا محمولاً على الأكتاف. وبعد أكثر من أربعين عامًا على استشهاده، لا تكمن الصعوبة في فهم جذريّة العلاقة بين محمد الأسود وبين غزّة، بل في البحث عن محمّد الأسود اليوم، في حاضر غزّة المأزوم. بعد كل هذه السنين، يلعب الزمن وتراكم الفقد المعطّر بالبطولة دوره في وضع «جيفارا غزّة» تحت كومة مهولة من الأوراق والشهداء. يستحضره النّاس، إن استحضروه، في ذكرى استشهاده أو حينما «يطرأ» في أحاديث عموميّة.
لكن هذه المسافة التي تبدو مهولة بين الناس وبين «جيفارا غزّة»، وبين آخرين لا نهاية لقائمة أسمائهم، ليست مسافة صلبة وإن كانت، في حالة «دوّاس بحر»، تستقوي بضمور المشروع السياسيّ الذي انتمى إليه محمّد الأسود وقاتل باسمه. هذه المسافة، أيًا تكن خصوصيّتها، لا حول ولا قوّة لها أمام القرب المؤبّد لحتميّة المقاومة في المدينة ـ المعسكر التي اسمها غزّة. ربّما لا يعرف كثيرون في غزّة اليوم من هو «جيفارا غزّة»، ويكتفي العارفون به باستذكاره في سياق الحنين. لكنّ العيش اليومي لغزّة وأهلها يتضمّن جيفارا، وكلّ الذين من ثوب جيفارا، في التفاصيل الدقيقة وبين السطور.
يغيب «جيفارا غزّة» بذاته وشخصه، لكنّه يحضر بفكرته وبما يمثّله. يحضر بجنوبيّ يحفر نفقًا تحت الأرض، وبصاروخ يصالح أهل غزّة مع سمائهم التي ظلّت لسنين طويلة حكرًا على الأعداء. لجيفارا الذي «حكم غزّة في الليل»، الحقّ بأن ندفع في اتجاه مساهمته في حكمها، أيضًا، في النهار. من واجبنا أن نحفظ مساهمته، بإرثه وفكرته ووقوفه بكامل يساريّته وعلمانيّته في وجه محاولات التنميط كلها. يحيا معنا وفينا، هذا الولد الحيفاوي الذي أحبّ وناضل وخرج من جوار البحر مرّتين.