| 

سُمّي «إحساناً» لأن والدته فاطمة محمد عباس أعطت المؤذن عبد الله صاعاً من القمح، فنصحها بأن تسمي مولودها المنتظر «إحسان لله». وهذا الولد الذي نشأ في بيادر الفقر، وغمره الأسى كثيراً في طفولته، ووسمه الحزن بميسم الكآبة طويلاً، كان منذوراً للبوح والشعر والنبوغ الأدبي. لكن صروف الأيام وندوب المنفى غوَّرت في كيانه ينابيع الشعر فكتب ديواناً واحداً هو «أزهار برية»، ثم خنق الشعر بيديه. ومع ذلك فقد حوّل إحسان عباس الحزن الكامن بين ضلوعه إلى نضارة، وحوّل عبث الحياة إلى إبداع متعدد الوجوه.
نشأ وفي بيت والده كتابان فقط هما: القرآن وتغريبة بني هلال. ومن هذين المعجنين كانت مغرفته الأولى في البلاغة والفصاحة والخيال، حتى بات هو نفسه مرجعاً يغرف من معجنه طالبو العلم، وصار واحداً من جيل المعلمين الكبار الذين أفنوا حياتهم في التأليف والترجمة والتدريس والتحقيق. ومن طرائف ما اتفق له أنه تلقى دعوة من بلد عربي لحضور مؤتمر عن مكافحة الجريمة. فقد اعتقدوا، وهو «أستاذ المحققين»، أن له باعاً في فن التحقيق الذي لا يعرفون منه غير التحقيق الأمني.
كان في الرابعة حين خرج وحده خارج نطاق منزله في عين غزال، وراح يسير في دروب القرية خفيفاً حراً كطائر انفصل عن أمه أول مرة، فإذا به فوق مزبلة. ومن هذه المزبلة رأى البحر، وحدّق في السحب السود وهي تتجمع على شكل جمل فاغر فمه، فارتعد، واعتقد أن ما رآه هو الله الذي يكثرون الحديث عنه في القرية. وهذه الحكاية تكاد تطابق ما كان يقوله أرنست بلوخ: «لو كان للأحصنة القدرة على الرسم لرسمت الله بحوافر». ولعل روحه المتألمة أمالت أفكاره إلى اليسار في شبابه. لكن هذا الميل لم يتطور إلى خيار فكري أو سياسي، فبقي مستقلاً عن الأحزاب والإيديولوجيات. لكن حساسيته ضد الظلم الطبقي، وإحساسه بضرورة تحقيق العدالة بقيا راسخين فيه حتى النهاية.


******


وُلد إحسان رشيد عباس في قرية عين غزال القريبة من مدينة حيفا في 2/12/1920. وكان والده تاجر مواش، يشتري «الحلال» من قرى الجليل، ويبيعها في طولكرم، ويرضى بأقل الأرباح. وحين انتقل والده إلى حيفا ليفتتح مع شريك بدوي له بقالة هناك، انتقل معه ابنه إحسان ليتابع دراسته، فدرس سنة واحدة في المدرسة الإسلامية التي أسسها الشيخ كامل القصاب بعد أن غادر سوريا إلى حيفا فراراً من عسف الفرنسيين. وفي حيفا أقام إحسان مع والده في وادي النسناس. لكن الشراكة مع البدوي لم تلبث أن انحلّت، فعاد رشيد عباس إلى عين غزال، وانتقل الابن إلى المدرسة الحكومية في وادي الصليب، وأقام في منزل الشيخ أحمد السعدي، وصار يساعده في كتابة «الحجب» ويخط سورا قصيرة بحروف مقطّعة. ولشعوره بالذنب حيال ما يقوم به، راح يكتب «الحجب» بحروف الأبجدية الإنكليزية، أو بكلمات الأغاني الريفية.
في حيفا اكتشف المدينة أول مرة، وبهرته هذه المدينة الساحلية بأجوائها وطرائق الحياة فيها، وبدأ يقارن ذلك كله بحياة الأرياف القاسية والجافة، وغلظة أبناء الريف، وافتقار الريفيين إلى روح الفكاهة جراء فقرهم وكدحهم. لكنه، في العمق، ظل قروياً وراعياً معاً، حتى أن سيرته التي أصدرها بعد نحو ثلاثة أرباع القرن وسمها بعنوان «غربة الراعي». وكان أكثر ما جذبه في فنون الأدب الجانب الرعوي في الشعر الإنكليزي، لا سيما بعض أشعار ميلتون. كما أنه لم يستسغ الموسيقى الغربية والأغاني الغربية إلا القليل منها. وفي حيفا اعتقد أن وضع نظارة طبية يدل على التمدن، فاشترى نظارة بقرشين، وحين وضعها على عينيه بات غير قادر على الرؤية فرماها. وكان القرشان هما كل ما معه من مال.


******


من غرائب المصادفات أن إحسان عباس درس في حيفا على تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير الإسلامي. وكان من أصدقائه في مدرسة عكا إميل حبيبي. وكان يصلي في جامع الاستقلال الذي ينبري للخطابة فيه الشيخ عز الدين القسام. ومع ذلك لم يصبح «تحريريا» أو شيوعيا. ومن مفاكهاته الواقعية أنه كان يرى باستمرار عند إحدى مقابر حيفا شيخاً مصرياً يجلس على منصة ويخطب في المتجمهرين حوله قائلا: «لما تجلى ربنا لموسى على الجبل جعل الجبل دكا وخرّ موسى صريعا. وعندما قال موسى لربه: أرني أنظر إليك، قال الله: لن تراني... أيها الأخوة هذا الدواء صنعه الدكتور عبد الكريم الهندي خصيصا لحجاج هذا العام وهو يُباع بقرش صاغ وينفع للرشوحات والنزولات». ويروي أن صاحبة الغرفة التي يسكن فيها في حيفا احتجت عليه بأنه يطيل السهر في الدرس فيستهلك مزيداً من زيت الكاز. فوجد إحسان عباس حلاً لهذه المعضلة، فصار يصحو باكراً جداً، ويذهب إلى مدرسته، ويجلس تحت شرفتها، ويبدأ مراجعة واجباته المدرسية. وما إن يدق جرس الثامنة حتى يكون قد أنهى دروسه وحلّ مسائل الحساب وجميع فروضه.


******


درس إحسان عباس في الكلية العربية في القدس الواقعة على جبل المكبر، وكانت مدرسة النخبة حقاً، فتتلمذ على أحمد سامح الخالدي وجورج خميس وعبد الرحمن بشناق وجميل علي وجورج حوراني وهم من كبار الأساتذة في ذلك العصر، وكان من أصدقائه المبكرين في الكلية العربية جبرا إبراهيم جبرا. ودرس في جامعة القاهرة التي منحته فرصة للاتصال بشوقي ضيف وأحمد أمين وزكي نجيب محمود ومحمود محمد شاكر وأمين الخولي وسهير القلماوي وعلال الفاســـــي ومالــــك بن نبي ويحيى حقي وكثيرين غيرهم. وأصاب شهرة تـــــخطت شهرة أساتذته، لكنه كان يردد: «الشهرة كالخــــــمرة الرديئة... تعجل في نشوة الشارب، لكنها تُخرج صاحبها عن طوره». وكانت أفضل أيام حياته في السودان الذي جـــــاء إليه في سنة 1951 ليعلم في كلية غوردون (لاحقاً جامعة الخرطــــوم). وأخصب فترات حياته في لبنان التي امتدت من سنة 1961 حتى سنة 1986 حين غادر بيروت إلى عمان تاركاً فيها قلبه، أي ابنته نرمين.
أرسى إحسان عباس النقد المنهجي للأدب عامة وللشعر خاصة، وعلّم الكُتّاب طرائق النقد التحليلي، وساهم بمقالاته النقدية في دفع الحركة الشعرية العربية أشواطاً إلى الأمام. ولهذا كان عضواً في جميع مجامع اللغة العربية، وفي جمعية المستشرقين الألمان، وفي المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في عمان، وكان شوطاً فريداً في سلسلة طويلة من أعلام كبار زاملهم أو عمل وإياهم في الجامعة الأميركية في بيروت، أمثال قسطنطين زريق ومحمود الغول ونقولا زيادة ومحمد يوسف نجم وأنيس صايغ وغيرهم.