| 

كمن وصل إلى أرض الأحلام، أو جزيرة الكنز، وقف تيودور هرتزل على متن السفينة، ينظر إلى فلسطين، تارة بمنظاره، وطوراً بعينيه المجرّدتين، ومن رأى تلك النظرات، آنذاك قرأ ألف حكاية وحكاية، لا بل ألف مشروع ومشروع، يحيكها من وُصف بداهية اليهود.
في 2 تشرين الثاني 1898، قفز هرتزل من السفينة إلى شاطئ يافا، وكان يعتمر خوذة فلّين... جاء لمناشدة القيصر الألماني «فيلهلم الثاني» شخصيًا، لدعمه في مشروعه الاستيطاني، باعتبار أنّ ألمانيا هي الدولة الأوروبية التي يثق بها العثمانيون، وإذا كان هناك من يستطيع إقناع السلطان العثماني، فهو حتماً القيصر الألماني.
مكان اللقاء كان «مكفيه يسرائيل»، المدرسة الزراعية الأولى التي أنشئت بأموال الثري ادموند دي روتشيلد. أوحى القيصر الألماني لهرتزل بأن الأراضي المقدسة لن تُعطى لليهود طوعًا، وفي استطاعتهم العيش فيها والتعبّد، لكن لا أمل لهم في استعمارها.
لكن حكايات هرتزل لم تمت. أمّا وقد خاب أمل هرتزل مجدّداً في دعم القيصر الألماني، فقد راح يبحث عن راعٍ أكثر صراحة وأقل تردّداً. فكانت بريطانيا الوجهة التي فكّر هرتزل في اختيارها، باعتبارها أكثر من سيربح من جنازة تركية، فضلاً عن أنها الدولة الأوروبية الوحيدة التي وجد فيها هرتزل تأييداً فوريًا، والتي كانت في ذلك الوقت تحكم ربع سكان العالم وتسيطر على ربع مساحته.

الاستيطان والأرض

يعدّ الاستيطان «الإسرائيلي» في فلسطين من أهم الظواهر في الصراع العربي ـ «الإسرائيلي»، فهو يسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العسكرية والأمنية، كذلك السياسية والأيدولوجية. فـ«إسرائيل» كدولة ما هي إلا مستوطنة كبيرة نشأت من خلال عمليات استيطان استعماري إحلالي يحاول السيطرة على الأرض وإسكانها بالمستوطنين اليهود المهاجرين، وفي الوقت نفسه يسعى إلى طرد السكان الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين.
ويبرز الاستعمار في صيغته الحديثة مشكلة الأقليات ويمثل حقيقة إدارة المجتمعات الغربية مشاكلَها بالشكل الاستعماري، فـ«إسرائيل» هي حالة لتصدير مشكلة اليهود في أوروبا على شكل استعمار استيطاني إحلالي. ويتمثل الغرض الاساسي للحركة الصهيونية بجمع أكبر عدد ممكن من يهود العالم وجلبهم إلى فلسطين في إطار عملية انقلاب ديموغرافي يستبدل بها اليهود بسكان البلاد، في أسلوب مماثل للاتجاهات التي سادت خلال الحقبة الممتدة بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر، حين تمكّن المهاجر الأبيض من تأسيس حضارات غربية في الاراضي المستكشفة في العالم الجديد.
لم يكن الاستيطان اليهودي في فلسطين وليد إنشاء الدولة اليهودية، بل عمل اليهود على تحقيق هذا الهدف منذ زمن بعيد، وإن كانت هذه المحاولات قد اتخذت أشكالاً فردية متفرقة، سرعان ما وجدت الدعم المادي والمعنوي الكثيف من الأثرياء اليهود الأوروبيين الذين قاموا بتمويل المشاريع الإسكانية الأولى.
عرف العالم العربي ثلاث حالات من الاستعمار الاستيطاني، كانت أولاها في الجزائر التي احتلتها فرنسا عام 1830 وحوّلتها إلى مستعمرة استيطانية، ثم استعمار الايطاليين ليبيا عام 1912 باعتبارها جزءاً من الإمبراطورية الرومانية. أما الحالة الثالثة فتتجسّد في استعمار فلسطين.
يعتمد التصور الإسرائيلي بالنسبة إلى الاستيطان على جانبين رئيسيين، الأول، هو مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات عليها، الثاني، إسكان «الإسرائيليين» في هذه المستوطنات وخلق وجود ديموغرافي يؤثر في الوجود الفلسطيني المستقبلي.

العنف شرط أساس

كان لهذا النشاط التهويدي ان يصطدم بمقاومة الفلسطينيين، فقد وعى قادة العمل الصهيوني باكراً أن من المحال تجسيد مشروعهم الاستيطاني إلا من خلال العنف المسلّح ضدّ أهل البلد الأصليين، واستخدام أقصى قدر من القسوة والبطش. وهذا ما جسّده رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن بقوله: «قوة التقدّم في تاريخ العالم ليست للسلام بل للسيف». وكان من أهم مجالات عمل «الهاغاناه»، تنظيم الهجرة غير الشرعية وإدخال مهاجرين يهود إلى البلد تسلّلاً، وضمان استمرار نشوب المتاعب بين الفلسطينيين واليهود، ما من شأنه إثارة يهود العالم وزيادة تبرعاتهم للوكالة اليهودية التي رعت، سرّا، هيئات ومؤسسات وأفراداً للعمل على تنظيم هجرة غير شرعية إلى فلسطين.
يسير التاريخ الحديث في فلسطين وفقًا للقاعدة الارتباطية التالية: اتّساع رقعة الأرض الخاصة باليهود، في مقابل تفتّت الفلسطينيين وتشتّتهم وتشرذمهم.
مرّ الاستيطان اليهودي الحديث بمراحل عديدة، ففي الفترة ما بين 1967 1974، في عهد حزب العمل ورئيس الحكومة «ليفي أشكول» ثم «غولدا مئير»، أقامت الحكومة «الإسرائيلية» تسع مستوطنات. وفي الفترة التي تلتها بين عامي 1974 1977 استثمرت حكومة رابين العمالية نتائج حرب تشرين الأول 1973 لتقيم 9 مستعمرات جديدة.
بينما شهدت الفترة ما بين 1977 و1981 انقلاباً تاريخياً بمجيء حكومة الليكود بقيادة «مناحيم بيغن» لتقيم 35 مستوطنة ثم تطور الوضع بين العامين 1981 و1986 الى تأسيس 43 مستوطنة جديدة. ثم أضافت حكومة الليكود 7 مستوطنات جديدة بين العامين 1990 و1992. وعلى الرغم من توقيع اتفاقية أوسلو، استمرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في سياستها الاستيطانية وشقّت المزيد من الشوارع الالتفافية التي قطّعت أوصال الأراضي الفلسطينية بحجة توفير الحماية لهذه المستوطنات. وكانت السنون التي أعقبت أوسلو سنوات القفزة النوعية في التوسع الاستيطاني، والسنوات التي تعززت فيها مكانة المستوطنين سياسياً وبرلمانياً. فقد أقيمت حتى عام 2007 نحو 121 مستوطنة في أنحاء الضفة الغربية فضلاً عن 100 مستوطنة أخرى في الضفة تسمّى تضليلاً «البؤر الاستيطانية».

خطة معاكسة

أمام هذا الواقع الذي يتطور كلما تقدمت السنون، يبقى السؤال البديهي الذي يطرح علينا كفلسطينيي القضية: إلى أين نحن سائرون؟ فها هي «إسرائيل» تقضم ما تبقى من فلسطين رويداً رويداً، وأدى قضم إسرائيل هذه المساحات من أراضي الضفة وقطاع غزة إلى تشظية هذه المناطق وتقطيع أوصالها، وبالتالي فإنّ واقع المناطق التي يدور حولها البحث من أجل ترتيبات الحكم الذاتي، يعني وجود ضمّ فعلي لها، كما يعني أن الترتيبات المذكورة لن تقطع مرحلتها الموقتة نحو إقامة «الدولة»، إنما باتجاه قد يلغي، مع انتهاء المرحلة المذكورة، الأرض التي تشكل المقوم الأساس لإقامة الدولة.
«إن خريطة فلسطين الحالية، إنما هي خريطة الانتداب.. وللشعب اليهودي خريطة أخرى، يجب على شباب اليهود أن يحققوها، هي خريطة التوراة» (من خطاب لبن غوريون في 19/5/1944). وهذا القول يعيدنا إلى متن الموضوع، أي إلى استناد فكرة الاستيطان الصهيوني إلى بعد دينيّ بهدف توظيفها سياسيًا في إقامة هذا المشروع. من هنا، عمل اليهود، لا إلى تأسيس النقابات العمالية والزراعية، والجمعيات الإرهابية من جهة، وإلى فرض واقع البنى التحتية من جهة أخرى فقط، بل إلى غور أعماق الأرض، وتغيير ما فيها من مكتنزات تاريخية وأثرية لمصلحتهم.
يقع هيكل جانوس القديم ذو البوابة المقدّسة عند الطرف الشمالي الشرقي للسوق الرومانية، وفيه تمثال لإله ذي عارضين متناقضين، أحدهما يواجه الشرق والآخر ينظر غرباً. كان هذا الهيكل يُغلق في وجه المتعبّدين في أيام السلم، ولذلك لم يُغلق طوال سبعة قرون ونصف قرن قبل ولادة المسيح إلا أربع مرات. في منتصف 1948 كانت البوابة مفتوحة على مصراعيها، فيما كان يُعرف بالامبراطورية الرومانية الشرقية وما دعاه الغرب الشرق الأوسط، غير أن روح المنطقة كانت لا تزال تبدو في اتجاهين. وحين رحّب الخديوي اسماعيل عام 1869 بزوار الاسماعيلية، تكهّن المتشائمون الذين أسقطوا من حسابهم إمكان الاتفاق بين الشرق والغرب بحريق هائل على ضفاف البوسفور والممرّات بين آسيا وأوروبا. ولكن كنعان العهد القديم، أي فلسطين، هي التي اشتعل الحريق فيها. وفتح هيكل جانوس نحو البلد الذي اقترح هرتزل أن تبنى فيه دولة اليهود، وفرض بلفور وعده على العالم، وصارت فلسطين ممراً لعابري السبيل بين الشرق والغرب. لكن، إذا استمر الاستيطان على ما هو عليه من جبروت، فقد تصبح فلسطين قبراً لا يمكن التكهن بعمقه، وموقعًا لا لقدس جديدة بل لـِ»هارمجدون» عالمية.

*كاتبة لبنانية.