| 

أبو العبد يحضر مؤتمر الحيروت لأول مرة، لكنه لم يترك حزباً يصب على أيدي الحكومة إلا حضر مؤتمره وأقسم أغلظ الإيمان بأنه لأول مرة يشعر بالسرور والاعتزاز في أثناء اجتماع ينصب فيه مختاراً على عشرين من جماعته الذين يفهمون من اللغة العبرية ما يفهم هو من الايديش التي تتقنها صديقته المغفور لزوجها مدام مندلوفيتش. ومدام مندلوفيتش التي يناديها أبو العبد «المظام» تجنباً وتحاشياً للوقوع في زلة لسان ايديشية قد تثير غضبها، أصرت، تعزيزاً للصداقة التي كانت تربط المرحوم زوجها بأبي العبد، ان تقعده على منصة الرئاسة، فجلس إلى جانبها بعد ان استبدل لباسه الافرنجي بقمباز ابن عمه وكوفيته وعقاله بطلب من رئيس المؤتمر الذي أراد أن يطل شعب إسرائيل على الديموقراطية والمساواة في حزبه، وان يلفت نظر الأجانب إلى أن «عرب أرض إسرائيل» أصبحوا في الجيبة الصغيرة.
هكذا أمضى أبو العبد أربعة أيام إلى جوار «المظام»، لم يعرف أياماً أحلى منها. وقد حدث عنها أهل بيته بعد عودته من المؤتمر لدرجة ان زوجته دبت فيها الغيرة وأقسمت بشرفها انها لن تبعثه بعد اليوم إلى أي اجتماع حتى وان «أطنبت عليها» كل حكومات إسرائيل.
وأبو العبد خرج سعيداً من المؤتمر لأنه حظي بمصافحة يد الزعيم مناحيم بيغن بفضل «المظام»، فهي التي دبرت هذه العملية، وهي التي طلبت من مصوري التلفزيون ان يلتقطوا صورة الاثنين. وقالت: ابتسم، فابتسم. ولو قالت له أرقص لرقص، وكان الله بالسر عليما.
عندما اقترب مصور التلفزيون لكشته في فخذه. تنهد وأمال رأسه نحوها، فأجفلت كالعنزة خوفاً من أن يضرب طرف شاربه بأنفها، وأمرته بأن «يركز» عقاله، وينظر في اتجاه «الكاميرا»، ويبتسم، ويبعث سلاماً وتحية عبر الشاشة الصغيرة إلى أقاربه الذين يراقبون البرنامج بتوجيه من «المظام».
ـ هل تلاحظ كم نحترم العرب؟
قالت، ولم تنتظر منه جواباً. ولم يفهم لماذا وقف الجميع وبدأوا يغنون، وهو يحرك شفتيه حتى هزه الطرب على ألحان «هتكفا». وجلس، وبدأت! «المظام» تشرح له كلمات الأغنية، فأعجب من حكومة التكتل التي لا تفكر إلا في السلام ومحبة العرب. ووعدها بأنه لا يترك هذا الحزب حتى وان دفع له الآخرون ملايين الليرات.
كاد أبو العبد يترك المؤتمر احتجاجاً على تصرفات صديقه القديم ابراهام عندما اقترب منه ووضع يده على شاربه وقال له: يا أبو العبد، شواربك اليوم منطزمين! فغضب وأزبد وعربد. كيف يهينه ابراهام أمام المدام مندلوفيتش. لكن بعد أن تدخلت المدام، وقالت له امسحها بهالدقن، سكت وبلعها وأقسم أن لا يدعو ابراهام إلى بيته لتناول الغداء مع «الشلة»، وهذا أقسى عقاب ينزله عربي كأبي العبد بمدير مخابرات من صنف ابراهام.
ولما بدأ الزعيم بيغن يخطب طلب من «المظام» أن تترجم له كلمة كلمة. وكان يصفق عندما تجتاح القاعة عاصفة من التصفيق. لكن «المظام» أمرت بأن لا يصفق دون إشارة منها، لأنه أخطأ خطأ كاد يؤدي إلى الإطاحة به عن منصة الرئاسة وعن نعمة الالتصاق بمدام مندلوفيتش، حيث صفق لوحده عندما ذكر بيغن منظمة التحرير الفلسطينية. واحمر وجه المدام، وقطع بيغن خطابه ونظر إلى أبي العبد بازدراء. واتجهت الأنظار نحوه، فطأطأت المدام رأسها.
لم يفهم أبو العبد لماذا كان أهل قريته يصفقون بحماسة في اجتماع شعبي عقد في القرية كلما ذكروا هذا الاسم. وطلب من المدام أن يسمحوا له بإلقاء كلمة قصيرة عن خدماته في الحزب، فأقنعته بأن الحضور لا يطيقون سماع اللغة العربية. «أنت تعلم ان العرب هم أعداؤنا، وخلال ثلاثين سنة قاموا بقتل أطفالنا، هل ترى هؤلاء جميعاً.. كل واحد منهم فقد أخاً أو ابناً أو قريباً في الحرب ضد العرب. فكيف ستتكلم اللغة العربية أمامهم؟ بلاش يا أبو العبد. سأدبر لك مقابلة في التلفزيون، أفضل».
وطلب منها أن تدبر له مقابلة مع عيزر فايتسمان صديقه الحميم ومع أريك شارون ودافيد ليفي. وفي ساعة الاستراحة أمسكت بيده وتنقلت معه بين الحضور تعرفهم على أبي العبد وتعرف أبا العبد عليهم. وكانت هذه أحلى لحظات حياته، حتى أن أمل نصر الدين عضو الكنيست «وزلمتهم» لم يحظ بمثل هذا الشرف، ثم أخذته إلى غرفة جانبية وأغلقت بابها.
لم يفهم ماذا تطلب منه. أمسكت يده كانت دافئة. ضغط على كف يدها. نظر حوله. قلبه أخذ يقفز في صدره. أبو العبد فحل والمدام تغلي غليان. قالت له: اجلس على الأريكة. جلس وجلست إلى جانبه «أنت رجل عظيم يا أبو العبد» قالت له بعد أن أخرجت مرآة صغيرة و«اصبع الحمرة» من جزدانها. ـ والله يا «مظام» أنني أعرفك منذ أن كنت صبية، والمرحوم كان دائماً يحدثني عنك عندما كنا نتاجر في الأراضي، واليوم أنت صبية أكثر.
ـ صحيح يا أبو العبد؟ شكراً... شكراً. ووضعت ذراعها على كتفه، وطلبت منه ان يركز عقاله، وان «يزبط» شواربه.
حاول ان يضع يده على فخذها لكنها أزاحتها وأنزلت ذراعها وقررت أن تدخل في الموضوع.
ـ يا أبو العبد بعد قليل سيصوروننا في التلفزيون هل تعرف ماذا ستقول؟
أحس أبو العبد كأن سطلاً من الماء البارد يسكب عليه، فأفاق من شططه... وقال لها:
ـ نعم يا «مظام». ان حزبنا هو الوحيد الذي يحترم العرب. حزبنا يريد السلام.. يعيش حزبنا. يعيش رئيس حكومتنا مناحم بيغن.
ـ إذن... عليهم.

* كاتب وقاص من فلسطين