| 

كثيراً ما ردّد الفنان العكّي ومؤسس فرقة «ولعت» الموسيقية خير فودة جملة الشاعر نزار قباني، لكلّ من حاوره أو التقاه متحدثاً عن مدينة عكّا وعلاقتها المستمرة بالفنّ والثقافة: «إنّ الثورة تولد من رحم الأحزان». فمع أن هذه المدينة العريقة والعتيقة لم تولد حزينة، بل كانت موضع طمع للسيطرة عليها وهنالك من نجح وهنالك من فشل كنابليون، إلا أن احتلالها في العام 1948 كان بداية تشكيل ملامح الحزن على وجهها التي تزداد يوماً بعد يوم، لا بمحض الصدفة، بل بتخطيط من أجل السيطرة عليها كاملة كي تتحول إلى مشروع سياحي واقتصادي و«خالية من سكانها الأصليين».
قبل النكبة بسنوات كثيرة، كانت عكّا ذلك الصرح الثقافي والفنّي، ومدينة تجذب إليها الزائرين من كلّ حدب وصوب، واحتلت مكانة مهمة كمركز ثقافيّ وفكري طيلة فترة الانتداب البريطاني وقبلها في عهد الدولة العثمانية. ومنها خرجت رموز ثقافية وفنّية فلسطينية كانت لها بصمات مهمة في المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي كالكاتبة والصحافية العكّية سميرة عزام وأديب المقاومة غسان كنفاني، اللذين عاشا معظم حياتهما كلاجئين في الوطن العربي بعد احتلال فلسطين.
لماذا أطلقت على المدينة لقب «الهادئة»؟ لربما كانت هويتها الواضحة تتسم بالهدوء العائلي والحميمي، تماماً كما وصفها سليمان عبد المنعم على لسان جده ضاهر العكاوي في كتاب «ما يشبه السيرة لرجل من عكّا» يقول سليمان عبد المنعم: «عكا القديمة تحيطها الأسوار، تغلق أبوابها عند المساء، ويشعر الناس عندما تغلق الأبواب الكبيرة أنهم أسرة واحدة أغلقت باب دارها». أما الفرح فيها، فهو موسميّ تماماً، وله طابع يتلاءم مع مفهوم «المهرجانات» الموقتة، حتى لو كان المهرجان عبارة عن يومٍ كامل كيوم السبت مثلاً في السنوات الأخيرة (وهو أكثر الأيام سياحةً في عكّا).
ارتبطت مواسم الفرح في عكّا بالمهرجانات العديدة التي كان أشهرها «مهرجان الزجل» قبل الاحتلال بحضور شعراء من لبنان وسورية كذلك وليس من فلسطين وحدها، علاوة على مهرجان «المولد النبويّ». أما اليوم، فهنالك مهرجانات صيفية فنّية سنوية، تقام داخل الأسوار، منها مهرجان «مسرحي» للممثل الوحيد الذي يعمل على إنتاجه، أي «مسرح عكّا» الذي يعرض مسرحيات مونودراما فلسطينية في منطقة «بستان قلعة عكّا»، وتقام على هامش المهرجان أمسيات موسيقية لفرق موسيقية عكّية ومن خارج عكّا. وإضافة إلى المهرجانات، تقام بعض الأمسيات الفنّية، لكن على فترات متفاوتة قسم كبير منها هي نشاط لأطر سياسية وبشكل خاص الحزب الشيوعي الإسرائيلي في عكّا، والذي خصص عدداً من نشاطاته أو جزءاً منها لفقرات ثقافية كالموسيقى والأدب. وأيضاً أمسيات نظمتها أطر سياسية ومجتمعية وتربوية عديدة، فضلاً عن المهرجانات التي أقيمت لمرة واحدة مثل مهرجان «لغتي هويتي» الذي نظمته «جمعية الثقافة العربية» من أجل دعم اللغة العربية، و«اليوم الوطني للثقافة الفلسطينية» في عكّا الذي نظمته «مؤسسة الأسوار للتنمية الثقافية والاجتماعية» التي تعتبر من أهم المؤسسات التي تعمل في عكّا كمؤسسة رسمية منذ العام 1988، وهي امتداد لدار الأسوار التي أسست العام 1967.
يتردد دائماً في أذهان الناس تساؤلات عن حال عكّا، ولماذا «أقدم المدن الجميلة وأجمل المدن القديمة» كما وصفها شاعرنا محمود درويش (أعتقد أنه أحبّ عكّا أكثر من حيفا) وصلت إلى هذا الركود بكافة الجوانب الحياتية؟ لا شك في أن المخطط المخفي والعلنيّ مؤخراً لجعلها مدينة من مدن «حوض البحر المتوسط» ومدينة سياحية خالية من السكان، هو ضمن المشاريع العلنية للنكبة المستمرة التي تمرّ بها فلسطين التاريخية والمدن المركزية فيها. لكن هذه المدينة شهدت حراكاً ثقافياً وفنّياً على المستويين المؤسساتي والفردي على مرّ السنين والذي منح منصة للثقافة والفنّ، فضلاً عن النوادي الرياضية والثقافية مثل «نادي الأميركان» كما أطلق عليه العكّيون و«سينما البستان» التي كانت تعرض الأفلام العربية والتركية والهندية (نحن في العام 2012 بلا صالة سينما واحدة في عكّا).
هنا سوف أتطرق لما تمرّ به عكّا من أزمة بالأطر، لأتحدث فيما بعد عن المستوى الفردي والذي يشكل المرآة الحقيقية عما مرّت وتمرّ به هذه المدينة العتيقة.
تنقسم المؤسسات الثقافية والفنّية العكّية إلى مجموعتين: الأولى تختص بالعمل في قضايا عديدة، وللثقافة والفنّ حيز مهم فيها، «كجمعية السنديانة»، و«جمعية عكّا بلدي» و«جمعية الياطر». أما المجموعة الثانية فهي التي اختارت عكّا مقراً لها وليس بالضرورة أن ينحصر عملها على المستوى العكّي «كمؤسسة الأسوار للتنمية الثقافية والإجتماعية» والتي كان لها شأن مهم في المشهد الثقافي في عكّا على مدار سنوات حين اعتمدت أن تدق أبواب الناس جميعها من أجل بيع الكتب. ومن المؤكد أن هذا النشاط أثر في كثيرين من أبناء وبنات جيلي والذي ما عاد قائماً اليوم. وفي حديث مع يعقوب حجازي الذي أدار «مؤسسة الأسوار» لسنوات عديدة عن اختيار عكّا مقراً لها أجاب: «هذه المدينة التي أورثت العالم رموزاً ثقافية عديدة، تستحق أن نعمل جاهدين من أجل الحفاظ على مكانتها الثقافية والفنّية».
تعاني عكّا الإهمال المقصود على الصعد كافة، في غياب الأطر الفنّية والثقافية الموجهة بشكل خاص نحو الثقافة والفنّ. وعلى سبيل المثال لو تحدثنا عن المسارح، هناك «مسرح عكّا» (العربي - اليهودي) الناشط في المدينة وذلك لتوفر الميزانيات الإسرائيلية له بشكل أو بآخر (التمييز في توزيع الميزانيات الثقافية يعتمد على التفرقة العنصرية)، «مسرح اللاز» الذي أسسه المخرج الفلسطيني الراحل مازن غطاس في العام 2004، القادم من قرية الرامة الجليلية.
أما الموسيقى فهي غير محصورة في الفرق الفنية فقط، وغالباً ما يمشي المرء في شوارع عكّا ويسمع صوتاً يغني. لو مشى وراءه لمعرفة مصدره لوجد وليد الحلو جالساً أمام «مسجد الجزار» يغني. وبالمقابل، تجد فرقة «الديوان» العكّية والتي أسست في العام 1995 وضمت مجموعة من الفنانين العكّيين أمثال عبده متى، خير فودة، إبراهيم قدورة، ميسرة مصري، أحمد طاهر وسحر فودة (غناء)، والتي خلفت لنا مجموعة مهمة من الأغاني التي كتب كلماتها غازي أبو بكر، وهي تعتبر اليوم من أهم الفرق الموسيقية الفلسطينية. على الرغم من أنها كفرقة لم تستمر، لكن صداها لا زال حيّاً من خلال وصول أغانيها عبر التسجيلات القديمة إلى الناس. ومن تجربة «الديوان» تمتد تجارب العديد من الفرق الموسيقية العكّية التي ما زالت في أوج إنتاجها مثل خلص (روك)، زمن (فلامنكو شرقي وعربي) وفرقة «ولّعت» وأغنيتها «لو شربوا البحر» التي يعتبرها العكيون أغنية وطنية عكّية ترمز إلى أهمية الهوية العكّية لدى أبناء هذه المدينة الذين حينما يخرجون من أسوارها يرددون قسمهم الوحيد: «وحياة غربتي».
لا صدى الأغاني وحده يُسمع داخل أسوارها، فحتى بيوت فنانيها صنعها أصحابها صالات عروض مجانية تتلاءم مع روح المدينة. وحين نمرّ بالقرب من بيت الفنان جبر أبو حامد نجد معظم منحوتاته الحجرية معروضة للعابرين، حتى أنه صنع نافورة مياه تصلح للشرب كي تسقي كلّ من مرّ بجانب بيته. أما بجانب فنار عكّا، فالكلّ يعرف بيت الفنان وليد قشاش ويعرف أيضاً إنتاجاته الفنّية التي تملأ شوارع المدينة، أشهرها هو العمل في ميناء «عيسى العوام» (كما أطلق عليه العكّيون مؤخراً)، وهو عبارة عن مجسم لسمكة كبيرة كتب عليه: «إلى الذين أحبّوا البحر، وأحبهم واحتضنهم إلى الأبد»، أهداه قشاش إلى كلّ من رحل عن هذه الدنيا غرقاً.
هنالك شخصيات عكّية لا تغيب كلما ذكرت عكّا، منها خير فودة، أحد وجوهها، وهو الذي يذكرنا دائماً أن 30% من فلسطينيي عكّا يعملون في الفنّ، وكذلك مجموعة «فتافيت السكر» التي تقدم عروضاً ترفيهية للأطفال على مدار سنوات.
هذه هي أساسات متينة لإنعاش الحياة الثقافية العكّية اليوم، والمتعلقة بالجاهزية للعمل في مبادرات جماعية مستقلة ربما تشكل نواة لاستعادة مركزيتها التي لم تنقرض، بل اختفت قليلاً، لأن كلّ خطوة جدية سوف تكون قطعة «بازل» لإفشال المشروع المستمر لتهويد عكّا. ولا يفصلنا كثير من الزمن عن الحقبة التي كان فيها محمود درويش وسميح القاسم يأتيان لإحياء أمسيات شعرية أو لمجرد شرب فنجان قهوة في عكّا فأهمية عكّا لا تزال كما هي، بل أكثر، والأمر منوط جداً بالمبدعين الذين وُلدوا من رحم هذه المدينة. والمسألة أيضاً تكمن في ضرورة أن تعرف الأجيال المقبلة أن إميل حبيبي كان يقصد ميناء عكّا أيام الجمعة لا ليقرأ نصاً بل ليصطاد السمك، كمثال على هذا الترابط الحيّ ما بين طقوس المدينة اليومية وما بين الحياة الثقافية والفنّية التي تشكل منبعاً لكلّ نص وأغنية وقصيدة ومسرحية تنتج عن العكّيين والعكّيات.

* صحافية وناقدة فنية ـ عكا.