| 

وفقًا للوقائع المتراكمة حتى الآن، تمثل أبرز استنتاج خلصت إسرائيل إليه من الحالة السورية الراهنة في ضرورة التمسك ببقاء السيطرة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتلة. وكان وزير الخارجية الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان آخر المسؤولين الإسرائيليين الذين سارعوا إلى إشهار هذا الاستنتاج، كما يشف عن هذا مقال نشره في 13/3/2012 في صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، ودعا في سياقه جميع الذين مارسوا في الماضي ضغوطا على إسرائيل للتوصل مع الرئيسين حافظ وبشار الأسد إلى صفقة بشأن تسليم الجولان إلى سورية في مقابل معاهدة سلام معها، إلى إعادة التفكير في هذا الأمر. وتساءل: ماذا كان سيحدث الآن لو أننا خضعنا لهذه الضغوط؟ وما هي الشرعية التي كانت ستحظى بها هذه المعاهدة؟ وكيف كان سيتم النظر إلى معاهدة كهذه من جانب أولئك الذين خرجوا إلى الشارع للاحتجاج على النظام القمعي في سورية؟.
غير أن بيت القصيد في ما كتبه ليبرمان ينعكس في هجومه الصارم على الرأي القائل بأن إعادة الجولان إلى سورية قد يؤدي إلى انسحابها من «محور الشر» الذي يشمل أيضًا كلا من إيران وكوريا الشمالية وحزب الله، واعتباره بمثابة «تصور ساذج ومفرط في التبسيط، ولا يصمد أمام الواقع». وأضاف: لو أن إسرائيل تنازلت عن الجولان، لما كان حدث شيء باستثناء حقيقة أن نظام الأسد كان - والحالة هذه - سيحظى بتفوق إستراتيجي هائل بفضل تضاريس تلك المنطقة الأرضية، كما كانت الحال عليه بالضبط قبل سنة 1967.
كما أنه ينعكس في تأكيده أنه حتى في حال نشوء سورية ديموقراطية من رحم أوضاعها المضطربة الحالية، سيتعين على هذا النظام الجديد الإدراك أن أي خيار واقعي لتحقيق تسوية سلمية عليه أن يوفر استمرار سيطرة إسرائيل الفعالة على الجولان.
وفي الوقت ذاته أعرب عن رغبته في أن ينشغل مثل هذا النظام الديموقراطي- في حال قيامه- بحل الصراع مع إسرائيل بصورة غير عنيفة، وذلك على غرار ما تقوم به الأنظمة الديموقراطية في أي مكان آخر بشأن حل مثل هذه النزاعات أو إدارتها، مشيرًا إلى النزاعين الإقليميين بين بريطانيا وكل من إسبانيا والأرجنتين حول جبل طارق وجزر الفوكلاند، والنزاع بين اليابان وكوريا الجنوبية حول بعض الجزر.

مصالح إسرائيل السياسية والإستراتيجية
يؤكد عدد من الباحثين الإسرائيليين في شؤون الأمن القومي أنه عندما جرت أول جولة مفاوضات إسرائيلية- سورية في تسعينيات القرن العشرين الفائت، وفق الإطار الذي تحدّد في مؤتمر مدريد سنة 1991 (إطار «الأرض في مقابل السلام»)، كان التحليل بشأن السؤال المتعلق بقدرة اتفاق سلام مع سورية على أن يقلص أو يفاقم التهديدات التي تواجهها إسرائيل، وكيفية انعكاسه على قدرتها على مواجهتها، تحليلاً بسيطاً للغاية. فقد كان المطلوب معرفة الربح الذي سينجم عن إخراج سورية من دائرة المواجهة مع إسرائيل والترتيبات الأمنية الواجب إدراجها في الاتفاق، بالمقارنة مع خسارة هضبة الجولان التي تتمتع بسبب موقعها الطوبوغرافي بأهمية إستراتيجية واضحة في حال وقوع حرب بين الدولتين.
غير أنّ التطورات التي طرأت منذ ذلك الحين وصولاً إلى آخر «محادثات سلام» غير مباشرة بين الجانبين جرت بوساطة تركية في ربيع 2008 وانهارت في نهاية تلك السنة بسبب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي أدت كذلك إلى تدهور العلاقات بين إسرائيل وتركيا، جعلت برأيهم هذا التحليل أكثر تعقيدًا لأسباب عدة، أهمها السببان التاليان:
أولاً: أن الظاهرة المسيطرة والمؤثرة على أمن إسرائيل، خلال الأعوام القليلة الفائتة، كامنة في ظهور محور راديكالي بزعامة إيران يشمل سورية وحزب الله وجزءًا من الفصائل الفلسطينية. وبالتالي فإن القضية الأساسية التي أمست مطروحة على إسرائيل هي ليست أهمية إخراج سورية من دائرة المواجهة مع إسرائيل، وإنما ما هو انعكاس مثل هذا الاتفاق على هذا المحور؟ وهل في الإمكان إخراج سورية منه وكسر شوكته؟ وهل إخراجها سيقلل من الاحتكاك مع الأطراف الأخرى التي يتألف منها؟.
ثانياً: تغير الخطر الأمني الذي تمثله سورية بالنسبة لإسرائيل. فإذا كان هذا الخطر في الماضي كامنا في قدرة سورية على تنفيذ هجوم مفاجئ «تحتل» فيه الجولان وتهدد جزءًا من الأراضي الإسرائيلية، فإنه الآن كامن في قدرتها على ضرب الجبهة الإسرائيلية الداخلية بالصواريخ المتعددة.
ورأى باحثون آخرون أن الاعتبارات الإسرائيلية التي تدعم خيار المفاوضات مع سورية هي التالية:
1- أن التوصل إلى اتفاق معها من شأنه أن يخرجها من دائرة الصراع أو المواجهة. وسورية هي الدولة العربية الوحيدة التي ما زالت في حالة نزاع عسكري مع إسرائيل. وعلى ما يبدو فإن الاتفاق السياسي هو السبيل الوحيد لتغيير الوضع الإستراتيجي إزاءها، في حين أن اللجوء إلى الخيارات العسكرية ضدها مرتبط بمخاطر شديدة، كما أن جدواه على المدى البعيد يبقى موضع شك.
2- الاتفاق مع سورية يمكن أن يتيح إمكان التوصل إلى اتفاق مع لبنان، أو على الأقل إمكان التوصل إلى تفاهمات معها بشأن الوضع في هذا البلد، وهذا من شأنه أن يحسن بصورة ملموسة الوضع الإستراتيجي لإسرائيل في مواجهة الجبهة اللبنانية أيضاً. كما أن التوصل إلى اتفاق سلام مع سورية ولبنان سيستكمل عملية السلام بين إسرائيل و«دول الطوق» العربية.
3- الاتفاق مع سورية سوف يحسن بصورة ملموسة علاقات إسرائيل مع العالم العربي ويمكن أن يمهد لمفاوضات سلام مع دول عربية أخرى، فضلاً عن أنه يمكن أن يؤدي إلى تفكيك التحالف المعادي لإسرائيل (إيران- سورية- حزب الله) مع كل ما يترتب على ذلك من معان ودلالات.
4- سيكون للاتفاق تأثير غير مباشر، لكن ملموسًا، على التهديد النووي من جانب إيران إذا ما نضج هذا التهديد وأصبح حقيقيًا، ذلك أنه يمكن أن يقلص الاحتكاكات والظروف التي ستصبح فيها القنبلة النووية الإيرانية ذات صلة، ومن هنا تأثيره على التهديد الإيراني لإسرائيل. مع ذلك ليس من المتوقع أن يكون للاتفاق مع سورية أي تأثير على الدافعية والقدرة الإيرانية على امتلاك سلاح نووي.
5- من المحتمل أن يكون للاتفاق تأثير إيجابي على المسار الفلسطيني. فالدخول في مفاوضات مع سورية يمكن أن يدفع الفلسطينيين إلى تليين مواقفهم، كذلك فإن التوصل إلى اتفاق معها يمكن أن يعزز فرصة التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين، بعد إزالة قوة الممانعة السورية ودعمها لأطراف المعارضة الفلسطينية، وتعزيز قوة معسكر السلام.
6- إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع سورية فإن إسرائيل يمكن أن تفوّت نافذة الفرص، على فرض أنها قائمة فعلا، الأمر الذي سيترتب عليه ما يلي:
- تلاشي الزخم الذي أوجدته حرب لبنان الثانية (في صيف 2006) وما أدت إليه من مس مكانة حزب الله وإبعاد قواته عن الحدود مع إسرائيل. وبعبارة أخرى فإن التوتر قد يعود إلى هذه الحدود.
- إمكان أن تزداد مخاطر الحرب على الحدود الشمالية، فأحداث مختلفة، من قبيل رد انتقامي من جانب حزب الله و/ أو سورية على نشاطات منسوبة من قبلهما إلى إسرائيل، يمكن أن تشعل فتيل مواجهة في المنطقة، وبوسع التحالف السوري مع إيران وحزب الله أن يجعلها مواجهة واسعة النطاق.
- انسحاب الولايات المتحدة من العراق في المستقبل وحدوث تطورات سلبية في المنطقة يمكن أن يخلطا الأوراق ويمنعا التسوية فترة طويلة.
هذه المقاربة إزاء سورية تجسدت أيضًا في الخطاب السياسي الإسرائيلي الرسمي، فمثلاً في إحدى الوثائق الصادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية في ربيع 2007، وهي بعنوان «الوضع في الشرق الأوسط- نظرة شاملة على السياسة الإسرائيلية الحالية»، جرى التأكيد أنه على الرغم من التصريحات الطنانة التي صدرت عن جهات معينة في النظام السوري، فقد فشلت دمشق حتى الآن في البرهنة على أنها قد اتخذت من خيار السلام خيارا حقيقيا وإستراتيجيا. وتظهر سياسة سورية وأفعالها في مجالات متنوعة باستمرار أنها تدفع باتجاه أجندة راديكالية تزعزع استقرار المنطقة، ما يتناقض مع تصريحاتها الموجهة إلى الدول الغربية. وتعتبر سورية سببا مركزيا لعدم الاستقرار في لبنان، فهي تواصل حتى يومنا هذا تقديم الدعم الواسع والأسلحة إلى حزب الله. كما تتباهى سورية باستضافة ودعم منظمات إرهابية عديدة، منها منظمة الجهاد الإسلامي ومنظمة حماس الفلسطينيتان. وفي هذا الصدد نشطت سورية بشكل خاص في تشجيع العمليات الإرهابية ضد المواطنين الإسرائيليين، وذلك من خلال تقديم الدعم المباشر لنشاطات قادة هاتين المنظمتين، الذين وفرت لهم المأوى ومنحتهم حرية العمل فيها. وهي تواصل أيضا أداء دورها في مجال زعزعة الاستقرار في العراق، حيث عبرت عن دعمها للقوى الراديكالية بتحالفها الوثيق المتزايد مع طهران.
وخلصت الوثيقة إلى القول: «إن هذا النمط المستمر من السلوك التخريبي الهدام يدل على أن سورية ما زالت تختار أن تكون جزءا من المشكلة، بدلا من أن تكون جزءا من الحل».

«اليسار» مع الجولان!
على مستوى الرأي العام الإسرائيلي لا بُد من ملاحظة أنه طوال الوقت، كان البديل الذي يطرح تغييرا جذريا لمحتوى العلاقات بين الدولتين، ويكون إيذانًا بحدوث اختراق، من نصيب فئات قليلة ليست مؤثرة في عملية اتخاذ القرار الإسرائيلي، برزت بينها «حركة السلام الإسرائيلية - السورية» التي أسسها الدبلوماسي المتقاعد ألون ليئيل، المدير العام الأسبق لوزارة الخارجية، وأجرت خلال الفترة 2004- 2006 اتصالات سرية غير رسمية مع مندوبين عن النظام السوري بهدف دراسة إمكان التوصل إلى اتفاق سلام.
غير أن ليئيل كتب في 5/3/2012 مقالاً في صحيفة «هآرتس» أكد فيه أنه مقتنع اليوم بأن الرئيس الأسد فقد شرعيته كحاكم، وفقد بالتالي حقه في المطالبة بالجولان في حال نجح في البقاء في الحكم، ما حدا بالمحلل السياسي السابق لصحيفة «معاريف» مناحيم راهط إلى إعلان أن الإجماع القومي بشأن ضرورة الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية في الجولان بات يشمل معظم الرأي العام و«اليسار» في إسرائيل.
وللعلم فإن هذا الإجماع مدجّج بفاعلية قانونين سنهما الكنيست الإسرائيلي بشأن الجولان منذ أن وقع في قبضة الاحتلال الإسرائيلي في 1967:
الأول، قانون ضم الجولان الذي سنه الكنيست في 1981 والذي تم بموجبه فرض القانون الإسرائيلي عليه، وهو ما يصعب على الحكومة الإسرائيلية الحصول على أغلبية تؤيد الانسحاب منه وإخلاء المستوطنات القائمة فيه.
الثاني، قانون الاستفتاء العام الذي سنه الكنيست في خريف 2010 ويقضي بإلزام الحكومة أن تطرح للاستفتاء العام أي اتفاق سياسي يتضمن انسحابًا من أراض محتلة تخضع للسيادة الإسرائيلية بموجب القانون، مثل القدس الشرقية والجولان، وقد حظي بتأييد 65 عضو كنيست (أي أكثر من نصف عدد أعضاء الكنيست البالغ 120 عضوًا)، الأمر الذي من شأنه أن يجعل من الصعب على معارضيه إلغاءه في وقت لاحق عبر سنّ قانون مضاد، أو بواسطة قرار صادر عن المحكمة الإسرائيلية العليا.
كما أنه قبل نحو أربعة أعوام كشف داني ياتوم، الذي اشترك في المحادثات مع سورية خلال الفترة 1993-2000، بداية بصفته سكرتيرا عسكريا لرئيسي الحكومة يتسحاق رابين وشمعون بيريس، ولاحقا بصفته رئيس الموساد في فترة حكومة بنيامين نتنياهو الأولى (1996- 1999)، ورئيس الطاقم السياسي- الأمني في فترة حكومة إيهود باراك (1999- 2001)، أن ما يسمى بـ «وديعة رابين» لم تتضمن تعهدًا بالانسحاب من الجولان دون شرط، وإنما فقط في حال استجابة السوريين لمطالب إسرائيل في موضوعات تطبيع العلاقات والترتيبات الأمنية وبقاء خط المياه في بحيرة طبرية في يدها. وأضاف أن هذه الوديعة وضعت في عهدة وزير الخارجية الأميركية الأسبق وورن كريستوفر، لكن هذا الأخير مضى خطوة أخرى إلى الأمام وقال (للسوريين): «فهمت من الإسرائيليين أنهم سيعودون إلى خطوط 1967 إذا ما وافقتم على مطالبهم». وبهذا ارتكب خطأ. وعندما تبين في تلك المرحلة أن كريستوفر يعتزم تسليم الوديعة إلى السوريين خطيا أيضا، غضب رابين كثيرا واتصل بكريستوفر، وهكذا تم كبح العملية، وتحجيم الوديعة.
وفضلاً عن ضرورة التمسك بالسيطرة على الجولان، فإن السياسة الإسرائيلية إزاء سورية ستظل مؤسسة على الردع. وربما يتعين أن نعيد إلى الأذهان أنه منذ انتهاء حرب لبنان الثانية ما زالت إسرائيل منهمكة حتى النخاع في كيفية استعادة قوة ردعها، التي مستها تلك الحرب وما أسفرت عنه من نتائج. وانعكس أبرز مظاهر هذا الانهماك في الغارة الجوية على شمال سورية في أيلول/ سبتمبر 2007. وبالإمكان القول إن هذه الغارة انطوت على دلالتين متصلتين، واحدة في الظاهر، وأخرى في الباطن. الأولى هي التظاهر بقدرة الردع الإسرائيلية بصورة عينية وملموسة (وهي الدلالة نفسها التي تنطبق أيضًا على عملية اغتيال عماد مغنية، المسؤول العسكري في حزب الله). أمّا الدلالة الثانية فإنها مرتبطة بمسألة احتكار إسرائيل للسلاح النووي، التي قد تعتبر مدماكًا أخيرًا وحصريًا في قوة الردع هذه، وتحيل بطبيعة الحال إلى إصرار إسرائيل على عدم إتاحة الفرصة لمصادرة هذا الاحتكار، بواسطة خلق توازن في مقابله على هيئة «المشروع النووي الإيراني».