| 

جده الأعلى يدعى زخور الكباش من حمص الذي عمل في مهنة الصياغة، واستقر في بلدة «خَرَبا» التابعة لمحافظة السويداء. ولأن اسم زخور غير مألوف، إلى حد بعيد، في جنوب سوريا، غيّر اسمه إلى عبد الله، ولقّب بالصايغ بحسب مهنته، فصار يدعى عبد الله صايغ، وهو جد القسيس عبد الله الذي أنجب أربعة من ألمع مثقفي العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، أي يوسف صايغ وفايز صايغ وتوفيق صايغ وأنيس صايغ. وإنها لمفارقة لطيفة حقاً أن يكون الوالد عبد الله صايغ قسيساً محافظاً ومبشراً إنجيلياً، بينما أبناؤه علمانيون، بل متطرفون في علمانيتهم، وهي حالة شائعة في العائلات حين تتعاكس خيارات الأبناء مع عقائد الأب. والطريف ان معظم أبناء القسيس عبد الله كانوا أعضاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي، أو في نطاقه الفكري، وجميعهم انقلب إلى الفكر القومي العربي في ما بعد.

******
انتمى فايز صايغ إلى الحزب السوري القومي في سنة 1938، وتسلم فيه مواقع رفيعة، فكان عميداً للإذاعة، وعميداً للثقافة، ورئيساً لتحرير جريدة الحزب ومجلته الفكرية، وناموساً لمجلس العمد. ومع ان شقيقه الأكبر يوسف كان في احدى الفترات المسؤول الأول عن الحزب في فلسطين، إلا ان فايز صايغ هو الذي نال الألمعية، لأنه، ربما، كان يتمتع بقدرات خطابية ساحرة، وبثقافة رفيعة، وحجة اقناع متينة، ولغة جذابة. وبهذا المعنى كان خطيب حزبه بلا منازع حين كان لكل حزب في لبنان خطيبه، فنصري المعلوف لحزب النداء القومي، ورئيف خوري للحزب الشيوعي، ورمضان لاوند لحزب النجادة، والياس ربابي لحزب الكتائب.

******
كان منزله الوالدي في طبرية محطة إجبارية لغسان تويني وهشام شرابي وفؤاد النجار ويوسف سلامة عندما يذهبون إلى فلسطين. وأقام انطون سعادة في المنزل ذاته ثلاثة أيام في سنة 1939، تماماً مثلما كان ينام أحياناً في منزل والده الصيفي في عين القبو. ومن المنزل الطبراني الذي حوّله يوسف وفايز إلى غرفة عمليات سياسية، كانا ينطلقان إلى النادي الارثوذكسي في حيفا ويصطحبان معهما شقيقهما فؤاد، وأحياناً أنيس، لمساجلة الشيوعيين أمثال إميل حبيبي وإميل توما وحنا نقارة ومخلص عمرو وصليبا خميس.
لم يكن يدخن امام والده القسيس الحوراني حتى بعد ان صار قائداً في حزب عقائدي. ومنذ طفولته تعلم ان يضحي في سبيل من يحبهم. وعلى سبيل المثال، فقد كان مع شقيقه فؤاد في صف واحد في مدرسة القديس لوقا في صفد، واضطر والده إلى فصلهما عن بعض جراء التنافس بينهما على من يحوز الأولية، وعمد إلى تأخير فايز سنة دراسية لهذه الغاية. ولم يترك هذا الأمر فيه أي مبغضة نحو شقيقه أو نحو والده. لكنه كثيراً ما كان يقود أشقاءه الصغار في مغامرات خطرة. ففي سنة 1939 كانت عائلته تصطاف في فاريا هرباً من قيظ طبرية التي تنخفض عن سطح البحر نحو 220 متراً. وكان زوج ابنة عمته، ابراهيم بدر، أحد المسؤولين عن مخفر فاريا. ولاحظ فايز صايغ ان حزب الكتائب يقيم مخيماً للتدريب في البلدة. وتفتق ذهنه عن رسم «الزوبعة» وتلوينها، وكتب تحتها عبارة «تحيا سوريا»، ثم أوعز إلى شقيقيه أنيس ومنير بالتسلل ليلاً، ولصق الزوبعة على بوابة المخيم. وجن جنون الكتائبيين. وراح الثلاثة يكررون فعلتهم كلما سنحت لهم الأحوال، فشدد حراس المخيم المراقبة. وفي احدى المرات، بينما كان أنيس ومنير يهمان بلصق الزوبعة على البوابة، فاجأهم الحراس، فهربا نحو المخفر طالبين الحماية من «عمو ابراهيم» الذي هبّ صارخاً في وجه الحراس الأربعة، متوعداً إياهم بأنه سيقطع رجل كل من يتعرض لهذين الصبيين.

******
كان عمره خمساً وعشرين سنة حين خاض نزالاً فكرياً مع أنطون سعادة، واختلف معه في مسألة تعديل حدود سوريا لتشمل العراق وقبرص، وفي وضع فلسفة عقائدية (أي المدرحية) للحزب. واحتدم النقاش جداً، وكان فايز صايغ يرى ان ليس من حق سعادة فرض آرائه الفلسفية على أعضاء الحزب، وأصدر في سياق هذا الجدال كتابه المشهور «إلى أين؟»، لكنه، في نهاية المطاف، قدم استقالته من الحزب سنة ١٩٤٧. حين بات فايز صايغ طليقاً من التزامه السياسي ومن قسمه الحزبي، دشن رحلة خروجه من فكرة «القومية السورية» إلى فكرة «القومية العربية». وحين عمل مستشاراً لأستاذه القديم شارل مالك في الأمم المتحدة ساهم في صوغ شرعة حقوق الإنسان. ومن طرائف علاقته بأستاذه في أيام الدراسة الجامعية ان شارل مالك كان يتحدث عن أثر البيئة في تكوين شخصية الفرد، وعقد مقارنة بين اللبنانيين والحوارنة كدليل على تقدم اللبنانيين وتأخر الحوارنة،
تم تساءل متهكماً: هل يمكن ان يخرج شاب ذكي مثل فايز صايغ من بلد متخلف مثل حوران؟ فهب فايز فوراً ليقول له: «نعم. أبي حوراني وأنا اعتز بحورانيتي». وضج الطلاب بالضحك من شارل مالك الذي صمت خجلاً. وأبعد من ذلك فإن فايز صايغ هو الصانع الحقيقي لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 الصادر في 10/11/1975، والذي يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. ولا شك في ان نضاله المتعدد الجوانب في سبيل قضية فلسطين، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، جعله سياسياً لامعاً وإعلامياً نادراً. وبهذا المعنى، فقد انتصرت فيه السياسة على الفلسفة، لكنه أوقف حياته على قيم الحرية والديموقراطية، وهي من عناصر التفكير الفلسفي في الوقت نفسه.

******
أسس مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأسس شقيقه يوسف، في ما بعد، مركز التخطيط. وعلى يدي شقيقه أنيس صار مركز الأبحاث منارة علمية عربية وضاءة. وكان شقيقه أنيس يفتش، في تلك الفترة، عن طريقة لتحويل فكرة «الموسوعة الفلسطينية» من حلم في رأسه إلى واقع متجسد. وعندما أراد فايز مغادرة بيروت إلى الولايات المتحدة اصطحب شقيقه أنيس إلى بلده كيفون في صيف 1966 للاجتماع إلى أحمد الشقيري ومناقشة فكرة إصدار الموسوعة. وفي ذلك الاجتماع قدم فايز استقالته إلى الشقيري بصورة مفاجئة. وعند ذلك التفت الشقيري إلى أنيس صايغ وقال له: إذاً، تسلم إدارة مركز الأبحاث، وباشر في إعداد الموسوعة.
في احدى المرات في سنة 1971، كان فايز ويوسف وأنيس مسافرين على طائرة واحدة من بيروت إلى القاهرة. وجلسوا معاً في مقهى المطار بانتظار موعد الإقلاع، وراحوا يتجادلون في محتوى العدد الأول من «شؤون فلسطينية» وفي شكله معاً. وتشعب جدالهم وطال نقاشهم حتى أقلعت الطائرة وهم ما زالوا يتحدثون... هكذا كانت أحوال ابناء القسيس عبد الله صايغ: مجادلات لا تنتهي وانجازات باهرة. وكل واحد منهم قيدوم في مجاله. لكن العمر لم يمهل فايز طويلاً، فمات في المنفى في الثامنة والخمسين، تماماً مثلما لم يمهل توفيق طويلاً فمات هو أيضاً في المنفى في الثامنة والأربعين.