| 

في 15 أيلول 1982 غدرت القوات الإسرائيلية الغازية تُعاونها ميليشيات يمينية لبنانية، بالمدنيين الفلسطينيين واللبنانيين في مخيمي صبرا وشاتيلا ومحيطهما. لم تلتزم إسرائيل الضمانات والتعهدات الدولية التي قُدمت لمنظمة التحرير الفلسطينية بخروج قواتها من لبنان بسلام، والحفاظ على أمن المدنيين. في تلك المجزرة الرهيبة قتل حوالى ثلاثة آلاف مدني في جريمة إبادة منظمة تحت سمع المجتمع الدولي وبصره. جسّدت إسرائيل النموذج نفسه الذي استخدمته لاحتلال فلسطين وطرد شعبها. هذا الإرهاب الإسرائيلي جرى توثيقه بعدسات المراسلين والمصورين الأجانب لكن العدالة الدولية تجاوزته لأنها تواطأت على تصفية مقاومة الشعب الفلسطيني تمهيداً لإخضاعه نهائياً للمشروع الإسرائيلي. كان السكوت العربي عن اجتياح عاصمة عربية وارتكاب تلك المجازر إيذاناً بإخراج القضية الفلسطينية من جدول الأعمال الرسمي العربي. بعد اتفاقية الجلاء عن سيناء وضمان أمن الجبهة الجنوبية قررت إسرائيل إنهاء التهديد الآتي من الجبهة الشمالية. زحفت إلى بيروت وسط ذهول العالم، وأنشأت حكماً موالياً مدّ النظام العربي جسور التفاهم معه وأطلقت قمتا الرباط والدار البيضاء تحت قيادة دول الخليج التنازلات الأكثر وضوحاً لمصلحة إسرائيل.
خرجت منظمة التحرير إلى المنافي البعيدة في السودان واليمن وتونس والجزائر. وانقطعت الصلات المادية بين الثورة الفلسطينية وحدود فلسطين، كما انقطعت صلات المؤازرة بينها وبين شعوب الجوار. وأسس هذا الانقطاع لكيانية فلسطينية وكيانيات عربية طوت مرحلة من النضال العربي من أجل فلسطين حين تقاطر على ساحتي الأردن ولبنان الشباب العربي من جميع البلدان للانخراط في صفوف الثورة الفلسطينية. وفي لبنان بالذات وضعت القوى الوطنية امكاناتها كلها في خدمة الثورة التي جسّدت الكرامة العربية بعد هزيمة 5 حزيران 1967.
في أيلول 1982 كانت الهزيمة العربية أقسى على الوجدان العربي، فارتسم في الأفق مستقبل أسود انتهكت فيه للمرّة الألف كرامة الإنسان الفلسطيني وحقوقه، واستبيح دمه ولا من ردة فعل سياسية أو إنسانية. مصر خارج الصراع مكبّلة باتفاقات كامب ديفيد، والخليج بقيادة المملكة العربية السعودية وتعاون الأنظمة المحافظة وتلك المترهّلة يدفع بخيار التسوية المذلة التي لا يقبلها العدو الإسرائيلي. عبّر مسؤول فلسطيني عن طبيعة الظرف والمعادلة بالقول: قولوا لي ما هي شروط الاستسلام كي أوقعها واستسلم. ما عاد الطرف الفلسطيني شريكاً في التسوية أو السلام وتلك لحظة الضياع الكبرى.
حمل الشعب اللبناني مرَّة أخرى «صخرة سيزيف» وحاول ان يرفعها إلى القمة فأطلق مقاومته الوطنية في 16 أيلول 1982. كان ذلك الإعلان أكثر من مغامرة بل كان أشبه بطلب المستحيل في غياب أي معطى سياسي يدعم ذاك الحلم بطرد إسرائيل واستعادة حرية لبنان وسيادته واستقلاله. اختلط مشروع المقاومة الوطنية بمشروع مواجهة الحكم الفاشي الطائفي فتحول بسرعة إلى انتفاضة وطنية شكلت البيئة الحاضنة لعملية التحرير التي امتدت خمس سنوات حتى طردت الاحتلال إلى حدود المنطقة الجنوبية العازلة، لم تترك هذه المقاومة الوطنية حرَّة فامتدت إليها اليد الإقليمية لترسم لها دوراً ووظيفة. وأُعيد ربط الساحة اللبنانية بالمسارات الإقليمية ونفوذ الجهات التي استخدمتها.
خرج الشعب الفلسطيني من مأزق 1982 إلى مشروع الانتفاضة في الداخل عام 1987. كان لأول مرَّة قد بدأ يتحرر من وهم التوازنات العربية واللعب على تناقضاتها. ابتكر الشعب الفلسطيني سلاحه الخاص غير المكلف وغير المستورد. انه ثورة أطفال الحجارة. وفي عام 1990 انهار النظام الرسمي العربي بشكل مدوٍ أمام الزحف الأميركي لنشر القوات في الخليج ومحاصرة العراق وإنهاء صيغة الرفض العربية. كان ذلك الأمر يعبّد الطريق إلى اتفاقية أوسلو 1993 في الشكل لا المضمون. الحل المنفرد الفلسطيني كان أشبه بسرقة الجائزة قبل إعلان نتائج المباراة. كان الحذر الفلسطيني من الصفقات العربية قد بلغ حد الشك الحاسم. وكان الاستشراف الفلسطيني لزمن التخلّي العربي عن قضية فلسطين قد كبر إلى حد ان القيادة الفلسطينية بحثت عن خيمة ترفع العلم عليها إعلاناً لوجود فلسطين. ذهبت القيادة في التوجس وفي المخاوف وفي الإحباط واليأس إلى حد إغماض العين عن كل تفصيل يعرقل خروج ذاك الاتفاق إلى الوجود. هل كان أوسلو كارثة أم كان اتفاق الضرورة؟! لا يملك أحد أن يقول: ماذا لو لم يوقع ذاك الاتفاق؟ واستناداً إلى أي ذريعة أو حجة أو تبرير كان يمكن رفض الاعتراف بمنظمة التحرير وبسلطتها الواهية على الضفة والقطاع؟ فهل كانت غزة هي الأرض المحررة التي تنتشر كبقعة الزيت الثورية؟ لم تثبت التطورات أن تضحيات غزة الهائلة والدعم الإقليمي الذي نالته استطاعت ان تغيّر المشهد العربي. حين ذُبح الفلسطيني في عام 1947 لم تسعفه النخوة العربية. وحين ذبح في بيروت عام 1982 لم يجد أفقاً عربياً. لم يكن العرب كشعوب يملكون قرارهم. كانوا أسرى السجن العربي الكبير. قرر الفلسطيني ان يهرب في صحراء التيه العربي وأن يرفع علم فلسطين على خيمة في رام الله. ربما كان يستشعر ان شباب العرب سيأتون إليه مجدداً وينزعون أعلام إسرائيل من على أبراج عواصم العرب. ربما كان يتوقع ان الأنفاق التي حفرها تحت الأرض ستعيد ربط القضية الفلسطينية بمشروع الحرية العربي. ربما تستقيم المعادلة اليوم. فلسطين في فلسطين وكل شعب في أرضه يعيد صوغ حضوره ودوره الوطني فيقترب من فلسطين أكثر. لحظة اليأس الفلسطيني التي تقود الآن إلى طلب الاعتراف مجدداً بهوية هذا الشعب من الأمم المتحدة قد تصبح لحظة انفجار كتلك التي فاجأت العالم في عواصم العرب. التاريخ يتقدم من حيث لا نتوقع. الثورة تلك الصدفة التي حبلت بها الضرورة.