| 

في أول بيان رسمي للحكومة الإسرائيلية برئاسة مناحم بيغن حول مجزرة القرن العشرين، في صبرا وشاتيلا، ظهرت الغطرسة الصهيونية / البيغنية بأبشع صورها، إذ لم يكن هناك نفي قاطع لمسؤولية الحكومة الإسرائيلية فحسب، بل كان ما هو أسوأ، فالبيان ما احتوى إلا على افتراءات وأخطاء فادحة. كان واضحاً أن إسرائيل تصورت أن العالم سوف يصدقها ـ كما هي العادة ـ مهما ادعت أو تبجحت، لكنها لم تنجح هذه المرة.
المجزرة لم تكن أبداً قتالاً بين «مخربين» اختبأوا مع دباباتهم وأسلحتهم الثقيلة في أزقة المخيم، وبين «وحدة لبنانية» راحت تبحث عنهم كي تعتقلهم بأوامر شارونية! والجيش الإسرائيلي الذي حاصر المنطقة وحوّل ليلها إلى نهار بفضل إنارته المتواصلة، ما كان يفعل ذلك من أجل مساعدة الميليشيات في بحثها عن المخربين ودباباتهم في أزقة شاتيلا التي لم يتمكن من دخولها أحد. وسرعان ما تكشفت الحقائق منذ الأيام الأولى، أيام البحث عن الضحايا.
كان الضحايا مدنيين ومن جانب واحد. وكانت تلك مجزرة سقط فيها 906 ضحايا، من فلسطينيين ولبنانيين وجنسيات أخرى، وقد دُونت أسماء الضحايا. واختفى خلال المجزرة 484 مخطوفا ومفقودا، وقد دُونت أسماؤهم. أما عدد الضحايا التقديري فهو ثلاثة آلاف وخمسمئة ضحية كحد أدنى. وأمّا أبرز ما جاء في البيان الإسرائيلي الرسمي فلا يكاد يمت إلى ما جرى بصلة، باستثناء الخسائر الكبيرة بالسكان المدنيين، ومما جاء فيه:
- «إن المخربين (المقاتلين الفلسطينيين) خرقوا بفظاظة اتفاق الجلاء (...) بتركهم وراءهم 2000 من رجالهم في بيروت. ليس هذا فحسب، بل اتضح أنهم تركوا وراءهم كميات هائلة من الأسلحة ـ دبابات، مدافع، مدافع هاون وذخيرة».
- إن الجيش الإسرائيلي لم يكن موجوداً في الموضع الذي دخلت فيه وحدة لبنانية إلى حيث يختبئ المخربون (كما ورد)، لإلقاء القبض عليهم.
- أوقعت الوحدة اللبنانية خسائر كبيرة بالسكان المدنيين.
- «إن الجيش الإسرائيلي، حال ملاحظته لما كان يجري، وضع حداً لقتل الإبرياء وأرغم الوحدة اللبنانية على مغادرة المنطقة».
- «أعرب السكان المدنيون عن تقديرهم للجيش الإسرائيلي لمسارعته إلى المساعدة».
هذا البيان الإسرائيلي الذي ينضح بالافتراءات والمغالطات كان الأساس الذي استند إليه تقرير كاهان في أحكامه، ذاك التقرير الذي امتلأت الصحافة العالمية بتمجيده منذ صدوره في 7 شباط / فبراير 1983، دليلاً قاطعاً على الديموقراطية في إسرائيل! وهو التقرير الذي انتهى بأن لا مسؤولية مباشرة على القيادة الإسرائيلية العسكرية أو السياسية، ذلك أن كل المسؤولين الكبار لم يرَوا، ولم يسمعوا، و لم يعرفوا!
وأنحى التقرير بالمسؤولية المباشرة على القوات اللبنانية.
أما رئيس الوزراء مناحيم بيغن فتخطّى بيانه الرسمي حين قال بفظاظته المعهودة ـ بعد يومين من صدور البيان ـ جملته الشهيرة التي ذهبت مثلاً على العنصرية الصهيونية: «ماذا هناك للتحقيق؟ غوييم (غير اليهود) يقتلون غوييم، ونحن ينبغي شنقنا؟».

إسرائيل تعرف القوانين الدولية
لا يُعقل أن الحكومة الإسرائيلية لا تعرف القوانين الدولية، وأولها مسؤولية الدولة التي تحتل أراضي الغير عن سلامة السكان المدنيين، ومسؤوليتها تجاه القوات الأخرى أو العملاء الآخرين الذين يخضعون لسيطرتها في حال قيامهم بجرائم حرب. والمجازر جرائم حرب. غير أنها لكونها تعرف القوانين جيداً، فهي ابتدأت تعمل من قبل وقوع المجزرة التي خططت لها وأمرت بها وسيطرت على تفاصيلها، وكان عملها منحصراً خلال المرحلة التحضيرية السريعة في الإشراف على تهيئة المناخ والمنفذين والمكان والحجج المؤدية إلى أنهم لم يرَوا، ولم يسمعوا، و لم يعرفوا!
في القانون الدولي يُعتبر القائد العسكري أو السياسي مسؤولاً في حال كانت لديه معرفة حقيقية، أو في حال كان يجب أن تكون لديه المعرفة من خلال التقارير التي تصل إليه أو من خلال وسائل أخرى، بأن الكتائب التي تخضع لسيطرته، أو بأن أشخاصاً آخرين يخضعون لسيطرته، كانوا على وشك أن يرتكبوا جريمة حرب، أو أنهم ارتكبوها فعلاً، وفشل في اتخاذ الخطوات الضرورية التي تضمن الإذعان لقوانين الحرب، أو فشل في معاقبة الذين ينتهكونها.
وبناء على اتفاقية جنيف، والقانون الدولي العرفي، تبقى الدولة أو السلطة المحتلة، حتى ولو لم تقم هي نفسها بالمجازر، المسؤولة أمام القانون الدولي، وهذا يعني أن إسرائيل هي المسؤولة في مجزرة صبرا وشاتيلا.
الموقف الإسرائيلي الرسمي تجاه القوانين والأعراف الدولية يُختصر في إدعائها بأن القوانين الدولية التي تطبق على الدولة التي تحتلّ أراضي الغير لا تنطبق عليها، وهكذا بكل بساطة.. دوماً إسرائيل تدّعي ما تريد، وعلى العالَم أن يُصدّق. فكما نجد اليوم أنه على العالَم أن يُصدّق أن حصار إسرائيل لقطاع غزة أمر مشروع! هكذا بالأمس.. ما كان أمام العالَم إلا أن يُصدّق بأن إسرائيل لا تنطبق عليها القوانين الدولية!

كانوا يشاهدون ويراقبون
إن ما احتواه تقرير كاهان من معلومات مغرضة خاطئة، ونتائج خاطئة بُنيت معظمها على معطيات لا تمت إلى الحقيقة والواقع بصلة، لأمر مؤسف حقاً ليس بالنسبة إلى الضحايا وأهالي الضحايا، فحسب، بل بحق الثلاثة الذين قاموا بالتحقيق (وهم القاضي يتسحاق كاهان رئيس لجنة التحقيق، وكل من العضوين القاضي أهارون براك والجنرال يونا إفرات)، فضلاً عن أنه مؤسف من منطلق احترام العقل البشري، فالعقل الذي لا تحكمه أبسط قواعد المنطق لا يمكن الوثوق بأحكامه؛ وهكذا تبدو محاولات تقرير كاهان المتعددة وغير المستندة إلى أدلة قاطعة وبراهين، بهدف إقناع العالَم والبشرية بأن «الإسرائيليين المسؤولين الكبار» كانوا حقاً لا يعلمون، ليس أكثر من مشاهد شبه هزلية لا رابط بينها، وتدعو إلى السخرية لا الاحترام.
هل صبرا وشاتيلا جزيرتان على كوكب آخر؟ أما حسبت لجنة التحقيق حساباً إلى أن هناك كثيرين من صحافيين ومصورين وباحثين عن الحقيقة بإمكانهم زيارة المقر الذي اتخذته القيادة العسكرية مقراً لقيادة العملية؟ وأنهم سرعان ما سوف يكتشفون أنه لا يفصل بين مبنى القيادة والمنطقة المنكوبة سوى أرض شبه جرداء كانت يوماً لسباق الخيول؟ وذلك يعني أنه بالعين المجردة بإمكان الواقف على سطوح مبنى القيادة أن يشاهد الكثير مما كان يجري (راجع خريطة «المواقع الإسرائيلية وحدود المجزرة»، وخريطة «الملاجئ وحفر الموت»)، وهذا ما شهد به بعض الضباط الإسرائيليين.
ثم إنه لمن المستغرب حقاً أن التقرير حصر إمكانية الرؤية فقط من مقر القيادة، وكأن ذاك المبنى هو المكان الوحيد الذي كان يصلح للمراقبة، بينما الأمر لا يحتاج إلى محامين أو قضاة أو صحافيين جابوا العالَم وشهدوا أنواعاً من الحروب، فأي فتى ذكي في أي بلد كان على الكرة الأرضية، يتعامل مع الانترنيت والخرائط والصور والمنطق، بإمكانه أن يطرح الأسئلة التالية:
- لماذا تجاهلت لجنة التحقيق نقاط المراقبة المتعددة للإسرائيليين والقريبة جداً لأماكن القتل الجماعي في الحفر؟
- لماذا لم تطرح الأسئلة على هؤلاء العسكريين الذين تواجدوا في المنطقة عن الأماكن الواضحة وضوح الشمس والتي كانت تصلح جداً للمراقبة؟ لماذا لم تسألهم عن سبب عدم صعودهم إلى أعلى المدينة الرياضية ـ مثلاً ـ وقد كانت المدينة الرياضية تحت سيطرتهم الكاملة، ولهم فيها نقاط تفتيش؟
- لماذا لم تسأل الضباط عن سياراتهم العسكرية المتجولة؟ وماذا رأت ولاحظت؟
- لماذا لم تسألهم عن الإضاءة الليلية المتواصلة والتي جعلت من الليل نهاراً، لا بد أن الجيش الإسرائيلي قد التقط الصور، فأين هي؟ أمّا إن لم يلتقطها، فلماذا؟ أمثل هذا التجاهل من لجنة للتحقيق أمر معقول؟

مهزلة أنهم كانوا لا يعلمون
المهزلة التي وقع فيها تقرير كاهان نتجت عن محاولة لجنة التحقيق الثلاثية إثبات أن المسؤولين الكبار كانوا حقاً لا يعلمون، أو ما كان في استطاعتهم أن يعلموا، والأسباب التي قدمتها اللجنة أوهى من خيوط العنكبوت، أو التعبير الأفضل والأدق أنه لا يمكن تصديق كل هذه الكمية من المصادفات والأخطاء، ولنتوقف عند بعضها:
÷ كان التقرير الواحد يفهمه كل ضابط بطريقة مختلفة عن الآخر. فأحدهم يفهم أن القتل يتناول قتل النساء والأطفال، وآخر يفهم التقرير نفسه بأن القتل يعني قتل «الإرهابيين».
- قدم ضابط ارتباط في ميليشيا القوات اللبنانية تقريراً شفهياً أمام عدد من الضباط الإسرائيليين في مقر القيادة. وجاء في تقرير كاهان أن لجنة التحقيق حصلت على روايات عدة لهذه الحادثة من كل فرد من الضباط المجتمعين. واكتفى القضاة بذلك، وكأن عدم توافق الضباط على رواية واحدة حجة لتجاهل المسألة برمّتها، وكأن التحقيق في أقوال هؤلاء لمعرفة من كان منهم على صواب أمر لا يعني لجنة التحقيق!
- دار حديث هام بين الضباط في القيادة مساء الخميس، ولمّا قدم جنرال مسؤول إلى جنرال مسؤول آخر تقريره صباح الجمعة لم يذكر شيئاً عما دار في مساء الخميس، ولا لجنة التحقيق حققت في أسباب تجاهل الجنرال لذكر أهم ما كان يعلم.
- هناك ذكر في تقرير كاهان لتقارير عدة كتبها ضباط وأرسلوها لمن هم أعلى منهم رتبة، ثم يرد في تقرير كاهان بأن تلك التقارير لم توزع كما يجب، وكانت النتيجة أنها لم تصل إلى أصحاب الشأن!
- هناك ذكر لعدد من المحادثات الهاتفية بين الوزراء، أو بين كبار الضباط والوزراء، غير أن كل واحد من المتحدثَين الاثنين على الهاتف يروي الحديث بطريقة مختلفة عن الآخر، وتكون النتيجة أن الرسالة الشفهية لا تصل من المتحدث إلى المستمع عبر الهاتف، ذلك أن المستمع يستمع فعلاً لكنه يستوعب بطريقته الخاصة. وفي حالات أخرى يستوعب فيها المستمع ما قيل له، لكنه يقرر بأن المعلومات غير ذات شأن للتحقق منها، فيهملها!
- في حالات كان يُفترض بالجنرال أن يبلّغ المجتمعين معه كل ما يعرف عما يجري من قتل وذبح، كان لا يفعل ذلك على الإطلاق، لأنه شخصياً كان يرى أن لا ضرورة لذلك. والسبب؟ هو تصوره بأن الذين يستمعون إليه حتماً يعرفون، وما داموا يعرفون، فلماذا يتكلم؟ لا ضرورة لذلك!
- مشكلة عدم الفهم كانت مشكلة أساسية، فهناك أخبار تناقلها الضباط عما كان يجري بالتفاصيل، غير أن الضباط المستمعين لم يفهموا منها أنها عمليات قتل!!
ويحتوي تقرير كاهان على أكثر من هذه الأمثلة التي يمكن الاستنتاج من مجموعها أنه كانت هناك خطة مُحكمة ومبيتة لعدم إيصال التقارير إلى المسؤولين الذين يترتب على معرفتهم مسؤولية مباشرة.
وفي هذا السياق يأتي النفي القاطع في التقرير لمشاركة جماعة سعد حداد، مع أن التاريخ الشفهي أثبت أنهم كانوا، والعديد من الضباط الإسرائيليين المحيطين بشاتيلا ذكروهم بالاسم، وأعطوا الأطباء الأجانب يوم السبت ظهراً إذناً مكتوباً للمرور كي يعودوا للعمل في مستشفى غزة، وقالوا لهم أن يسيروا على طريق معين حيث هناك نقاط تفتيش لرجال سعد حداد. ويعود إنكار التقرير لمشاركة جماعة سعد حداد تهرباً من إلقاء المسؤولية على إسرائيل وفقاً للقانون الدولي، ذلك أن إسرائيل لم تنكر يوماً أن سعد حداد تابع لها.
والمستغرب حقاً أن التقرير الذي تغنى العالم بديموقراطيته لم يتوقف أبداً للبحث إزاء الظواهر والعوامل غير الطبيعية لعدم إيصال المعلومات، إذ لا يُعقل أن يحدث كل ذلك عن طريق المصادفات، أمّا استنتاج التقرير من مسألة ضياع التقارير فما كان سوى الاعتراف بالمسؤولية غير المباشرة التي لا تُدين المسؤولين ولا تحملهم المسؤولية، فالمسؤولون الكبار لم يعلموا، لكنهم لو علموا لأوقفوا المجزرة!!

متى توقفت المجزرة؟
من الأضاليل التي وردت في تقرير كاهان أن الفالانج غادروا المخيمات نهائياً في الساعة الثامنة تقريباً من صباح يوم السبت، بينما الحقيقة هي أن المجزرة استمرت حتى ظهر السبت، وبناء على شهادات الأحياء من السكان أنه كانت هناك عمليات خطف وقتل في الحفر مستمرة حتى ظهر السبت.
أما التناقضات التي وقع فيها شارون بين شهادته أمام لجنة التحقيق، وبين مذكراته لاحقاً، وبين تصريحاته للصحافيين، فإن دلت على شيء فعلى الاستهتار التام بالعقل البشري وبالذاكرة البشرية، وهو من ألقيت عليه مجرد المسؤولية غير المباشرة، فخرج من وزارة الدفاع غير أنه استمر وزيراً بلا حقيبة، وكوفئ بأن أصبح مسؤولاً في الكنيست عن لجنة الدفاع وعن لجنة الشؤون اللبنانية!
أمّا زميله إيتان فقد وقع هو الآخر في التناقضات مع أبسط الحقائق، إذ قال في شهادته: «لم نعرف في الحقيقة ما كان يجري. كان الوقت ليلاً. وكان يُفترض أن القتال كان قتالاً عادياً. لكن مع ضوء الصباح (يقصد صباح السبت) شاهدنا ما كان يحدث وما كان يمكن أن يحدث أكثر، تدخلنا بسرعة». وهنا تناست لجنة التحقيق أن تسأله عن الإضاءة طوال الليل، وطوال الليلتين السابقتين، وتناست أن تسأله عن القتل والتعذيب في وضح النهار! وتجاهلت شهادات أطباء أجانب شهدوا بأن المجزرة ما توقفت صباح السبت أبداً.
هؤلاء الأطباء والممرضون شهدوا أمام لجنة التحقيق بأنهم في صباح السبت، اي اليوم الثالث، تم اقتيادهم وزملاءهم الأجانب العاملين في مستشفى غزة للتحقيق، وشهدوا كيف أجبرتهم الميليشيات المسلحة على السير في المارش الطويل .
وأما أهالي صبرا وشاتيلا فقد أجبروا على ذلك المارش بالمئات نحو المدينة الرياضية، وطوال ساعات تحت الشمس الحارقة كان السكان يتعرضون للإهانات والقتل والتحقيق معهم في «محاكمات ميدانية» على مسمع ومرأى من الجيش الإسرائيلي. وتميز يوم السبت بعمليات القتل الجماعية على مقربة من السفارة الكويتية، وفي أماكن أخرى، كما تميز بعمليات الخطف التي تفوقت على مجموع الخطف في اليومين الأولين. وأما الجيش الإسرائيلي نفسه، فهو الذي قام بالتحقيقات والاستجوابات وختم الهويات والاعتقالات، سواء في المدينة الرياضية أم مقابلها، وقد استقدموا المئات من السكان القاطنين في المناطق المجاورة لاستجوابهم أيضاً، ويُستخلص من هذا أن الجيش الإسرائيلي لا يستطيع نفي معرفته بأحداث يوم السبت، غير أن إيتان قال بأن كل شيء أوقفوه صباح السبت، ولجنة التحقيق حين أكدت وصادقت على مثل هذه الأكاذيب أو الترهات، هل يعود بإمكانها ان تدعي أية عدالة في التحقيق؟

المسؤولية الإسرائيلية
أدينت الحكومة الإسرائيلية، وأدين الجيش الإسرائيلي بالمسؤولية المباشرة من قبل العشرات من القانونيين ورجال الإعلام والمصورين، وكذلك من قبل التحقيقات الدولية وأهمها تحقيق ماكبرايد، ومن قبل المؤتمرات التي تمت في الأعوام الثلاثة التي أعقبت المجزرة، في قبرص وأوسلو وأثينا وطوكيو وبون. غير أننا نتوقف عند الإدانات الصادرة من قبل كتّاب إسرائيليين، والمخالفة لتقرير كاهان في الجوهر والتحليل، إذ كتب أوري أفنيري مباشرة بعد صدور تقرير كاهان:
«كانت المجزرة واردة في نية البعض (ربما شارون وإيتان)، وكان الآخرون على علم بهذه النية! وهذا هو السبب الذي جعلهم يتصرفون بالطريقة المعروفة ـ حجب المعلومات والوقائع، دعم منفذي العملية، تدمير الإثباتات، الامتناع عن تسجيل الأحاديث، الامتناع عن الرؤية والسماع، الامتناع عن إبلاغ معلومات ـ كل ذلك لإفساح المجال أمام الرتب الرفيعة المستوى وحتى رئيس الوزراء بأن يدعوا في الوقت المناسب أنهم لم يكونوا على علم بشيء».
وكتب جاكوبو تيمرمان قبل تأليف لجنة التحقيق:
«إن ثقتي ضعيفة بديموقراطية المعارضة الإسرائيلية. أنا أخشى أن ينتج من النظام الإسرائيلي الذي يسيطر سيطرة تامة على اللاوعي فينا جميعاً، تحقيق هو في واقع الأمر لحماية المجرمين من العقاب الذي يستحقونه».
وكتب زئيف شيف:
«إن الحكومة والمجتمع الإسرائيليين يتحملان المسؤولية الأدبية والسياسية والقانونية في جريمة الحرب التي ارتكبت في بيروت. إننا وإن كنا لم نرتكبها بأنفسنا، فمما لا جدال فيه أننا سمحنا بها».
كلام زئيف شيف لا لبس فيه في المسؤولية القانونية المباشرة على إسرائيل.
أما عاموس ألون فقال كلاماً مشابهاً في صيغة أخرى تماماً:
«إن الرجل الذي يضع ثعباناً في سرير طفل ويقول: ‘أنا آسف. أنا قلت للثعبان ألاّ يلدغ. أنا لم أكن أعلم أن الثعابين خطرة إلى هذا الحدّ، يستحيل فهمه. إن هذا الرجل مجرم حرب».
وأخيراً، إن إسرائيل التي درّبت، وخطّطت، وحاصرت، وسيطرت، وراقبت، وشاهدت، اكتفت بأنها قالت للعالم بأنها لم تكن تعلم!
غير أن إسرائيل تجاهلت ما هو أهم من ذلك كله، وهو أن مسألة علم القيادة الإسرائيلية العتيدة بما كان يجري ليس رهناً بعدم وصول تقارير تم إخفاؤها، فالمسؤولية المباشرة تقع عليها بطبيعة الحال لكون القانون الدولي لا يعفي الحاكِم المحتل من عدم المعرفة، فهم كان من واجبهم أن يعلموا.