| 

في الحديث عن المثقفين الفلسطينيين في سوريا، أفهم أن المقصود هم أولئك الذين عاشوا على الأراضي السورية بعد العام 1948، وهم على اختلاف أجيالهم وتنوع إبداعاتهم في المجالات كلّها كانوا ولا يزالون جزءا فاعلا وحيويا من النسيج الاجتماعي السوري، لهم ما للسوريين وعليهم ما عليهم. المثقفون الفلسطينيون في سوريا يعيدنا حديثهم لسيرة واحد من أبرز أعلامهم الذي عاشت عائلته في سوريا قبل النكبة، وتبوّأ والده منصبا قضائيا رفيعا في دمشق وكرّمته سوريا بإطلاق إسمه على أحد شوارعها الملاصقة لشارع بغداد الشهير. إنه شاعر فلسطين عبد الكريم الكرمي «أبو سلمى» إبن طولكرم، والذي نال شهادته التعليمية من «مكتب عنبر» في دمشق القديمة، قبل أن ينال شهادة الحقوق ويعود الى حيفا ليمارس من هناك عمله كمحام في مكتب مشترك مع زميله وصديق حياته حنا نقاره المحامي البارز، والشخصية الوطنية المرموقة بعد النكبة الكبرى.
ليست هذه المقالة جردة ببلوغرافية، ولا أنطولوجيا لأسماء أولئك المبدعين، وكثر منهم قد رحلوا عن عالمنا خلال سنوات العقود الماضية، ولكنها محاولة لقراءة خارطتهم كمبدعين وكأشخاص، عاشوا هنا، ومارسوا حياتهم الثقافية، وظلّت إبداعاتهم إرثا ثقافيا فلسطينيا وعربيا في وعي وضمائر أهلهم والأجيال القادمة. في سوريا التي جاءها الفلسطينيون بعد نكبتهم عام 1948، برزت أسماء كثيرة لمبدعين توزعوا على كافة الآداب والفنون، وحققوا نتاجات جميلة تظلُ في وجدان أهلهم ووعيهم على مدى الأزمان، منهم الشعراء والمسرحيون وكتاب الرواية والقصة، كما أيضا من عملوا في مجال الإخراج السينمائي والتلفزيوني وفنون الموسيقى وغيرها.
نتحدث عن المبدعين الفلسطينيين في سورية فتشتعل الذاكرة بأسماء الكاتب غسان كنفاني، الشاعر يوسف الخطيب، الموسيقار رياض البندك، الشاعر فواز عيد، الفنان المسرحي محمد صالحية، الناقد يوسف سامي اليوسف، الروائي والسيناريست حسن سامي اليوسف، الكاتب محمود موعد، الشاعر أحمد دحبور، الشاعر محمود علي السعيد، الشاعر عصام ترشحاني، المخرج التلفزيوني سليم موسى، الفنان المسرحي يعقوب أبو غزالة، الفنان المسرحي والتلفزيوني بسام لطفي أبو غزالة، الشاعر طلعت سقيرق، الكاتب فيصل حوراني، الكاتب فايز قنديل، الكاتب عبد الرحمن غنيم، الكاتب جمال جنيد، الموسيقار حسين نازك، الكاتب والمترجم صالح علماني، الكاتب أحمد السرساوي، الكاتب سمير الزبن، الكاتب علي الكردي، الكاتب عدنان عمامه، التشكيلي محمد الوهيبي، التشكيلي عبد المعطي أبو زيد، السيناريست والممثل هاني السعدي، الشاعر عادل أديب آغا، الشاعر يوسف طافش، المؤرخ محمد عزة دروزة، الكاتب المسرحي نصري الجوزي، الباحث حسين عمر حمادة، الباحث حمد الموعد، الشاعر والمخرج السينمائي فجر يعقوب، الشاعر عبد الله عيسى، الروائي والباحث تيسير خلف، التشكيلي محمد أبو صلاح، الروائي عوض سعود عوض، الروائية ليلى الحوراني، الكاتب عبد الله الحوراني، مهندس الديكور في الدراما ناصر جليلي، المخرج التلفزيوني المثنى صبح، الفنان المسرحي والتلفزيوني حسن عويتي، المخرج التلفزيوني باسل الخطيب، الممثلة نسرين طافش، الكاتب عماد موعد، الشاعر خالد أبو خالد، الروائي حسن حميد، الكاتب عدنان كنفاني، الكاتب يوسف جاد الحق، الكاتب سعيد البرغوتي، الكاتب ماجد كيالي، الكاتب كمال الخالدي، الشاعر عبد الكريم عبد الرحيم، الشاعر محمود مفلح، الشاعر أحمد مفلح، الناقد والأكاديمي حسام الخطيب، الكاتب والأكاديمي أحمد برقاوي، الكاتب أكرم شريم، الكاتب أنور رجا، الكاتب بسام رجا، الكاتب توفيق الأسدي، الباحث والكاتب حسن الباش، الكاتب زهير غزاوي، الكاتب سعيد يعقوب، الكاتب والأكاديمي محمد حافظ يعقوب، الباحث شوقي شعث، الشاعر صالح هواري، الكاتب علي بدوان، الناقد فيصل دراج، الروائي محمود شاهين، الكاتب والأكاديمي سميح شبيب، الشاعر فيصل قرقطي، الممثل عبد الرحمن أبو القاسم، الممثل زيناتي قدسية، الممثل تيسير إدريس.
عاش الفلسطينيون في سورية خلال العقود الستة الماضية حياة المواطنين السوريين، بحلوها ومرّها، وأضافوا لها خصوصيات قضيتهم وكفاحهم الطويل والمضني من أجل العودة إلى وطنهم، وممارسة استقلالهم وسيادتهم على أرضهم. وقد شهدت حياتهم خلال تلك العقود سلسلة طويلة ومتتابعة من النشاطات الثقافية والسياسية التي استهدفت منذ البدايات الأولى استعادة وجودهم وكيانيتهم من خلال مؤسسات تعبر عنهم، وتنطق باسمهم. في سياق كهذا يمكن الإشارة الى دور الثقافة والإبداع الأدبي والفني في استنهاض الفلسطينيين ودفعهم من جديد الى المبادرة بعد أن فقدوا بفعل النكبة الكبرى وطنهم وفقدوا معه حيّزهم الجغرافي والسياسي والاجتماعي. نشير هنا الى الدور البارز الذي لعبه المبدعون الفلسطينيون الأوائل، أي أولئك الذين وصلوا الى سوريا وهم في سنوات العطاء وأبرزهم الشاعر عبد الكريم الكرمي، الشاعر حسن البحيري، الموسيقار رياض البندك، ولاحقا الكاتب الشهيد غسان كنفاني والشاعر يوسف الخطيب. هؤلاء جاءوا ومعهم مواهب ناضجة تعطي وتؤثر، ولعلّنا اليوم نراها بحدقة الموضوعية باعتبارها شكّلت رافعة تاريخية لشتات الذين تبعثروا في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في المدن الرئيسة الكبرى في سوريا.
بعض أهم ما يتذكره الفلسطينيون في سوريا من تلك الأيام هو أشعار الراحل «أبو سلمى»، وهو كما نعرف أحد ثلاثة شكلوا قوام الشعر الفلسطيني قبل النكبة إلى جانب صديقيه ابراهيم طوقان وشهيد معركة «الشجرة» الشاعر عبد الرحيم محمود. بعد أبي سلمى يمكن الإشارة الى الكاتب الشهيد غسان كنفاني، الذي شهدت دمشق بداياته الأدبية والصحافية الأولى، قبل أن ينتقل للكويت، ومنها لبيروت ليرأس هناك تحرير مجلة «الحرية»، والتي صدرت ناطقة بلسان «حركة القوميين العرب» التي كان غسان قد انضم إليها منذ سنوات الخمسينيات الأولى من القرن الفائت. حضور الشاعر الراحل مؤخرا يوسف الخطيب في المشهد الثقافي جاء هو أيضا مبهرا ولافتا: هذا الشاعر الذي حمل منذ البدايات الأولى صوتا مختلفا، انطلقت قصائده من مزيج الروح القومية الوثابة، والروح الوطنية الفلسطينية التي لا تتعارض معها ولا تناقضها، ولعلّ ما أضاف لشعره أهميته أنه كتب انطلاقا من سعي حثيث للحداثة وحرص على الارتباط بالتراث العريق للشعر العربي. سنوات ستينيات القرن الفائت كانت بالذات مسرح موهبة يوسف الخطيب، ومعه أيضا تلك الألحان الوطنية والقومية التي أبدعها الراحل رياض البندك، والتي انتشرت في طول الوطن العربي وعرضه لأنها انطلقت من إذاعة «صوت العرب» المصرية في زمن المرحلة الناصرية.
تلك السنوات كانت أيضا مساحة زمنية لحراك فلسطيني شامل: إنها المرحلة التي شهدت تأسيس «منظمة التحرير الفلسطينية»، وأيضا بدايات تشكيل الفصائل الفلسطينية المسلحة وأبرزها حركة فتح وجبهة التحرير الفلسطينية ومنظمة أبطال العودة. إنه حراك في السياسة لا يبتعد عن الحراك الثقافي. هنا بالذات ستشهد التجمعات الفلسطينية حراكها الخاص ومنه على سبيل المثال تأسيس «المسرح الوطني الفلسطيني» في دمشق، وصعود تجربة الشاعر الفلسطيني القادم لصفوف فتح من مخيم حمص أحمد دحبور. مجموعته الشعرية الأولى «الضواري وعيون الأطفال» صدرت في حمص أواسط الستينيات، ومع ذلك يمكننا بثقة كما يفعل هو أن نشير الى مجموعته الثانية «حكاية الولد الفلسطيني»، والتي صدرت في بيروت عام 1971 باعتبارها الأولى: هي روح شعرية مختلفة بالتأكيد تلك التي حملت «نكهة النار»، وخاطبت وعيا جديدا راح يتأصّل في نفوس الفلسطينيين وبالذات أبناء الأجيال الجديدة.
يلحظ الدارس لثقافة الفلسطينيين في سوريا ندرة الأعمال الروائية التي صدرت منذ النكبة وحتى أوائل الستينيات: هنا بالذات يمكن لنا اعتبار رواية غسان كنفاني الأولى والشهيرة «رجال في الشمس» الأولى والأهم، وهي الرواية التي كرّسها الكاتب لرصد حياة ثلاثة من أجيال فلسطينية مختلفة في رحلتهم للخروج من «حالة النكبة» التي يعيشونها في المخيم بما هي سكونية العوز والفقر والاغتراب. حققت الرواية نجاحا مدوّيا لأنها رصدت رحلتهم في التيه بعيدا عن وطنهم، بل في الاتجاه النقيض لطريق ذلك الوطن، وأيضا بما قدمه الكاتب من رؤى واقعية لحياة الفلسطينيين في سياقات تقنية روائية عالية المستوى. كانت شهرة «رجال في الشمس» كرواية منشورة ورقيا قد تضاعفت بعد أن قامت إذاعة «صوت العرب» المصرية بتقديمها كتمثيلية سباعية تابعها جمهور واسع جدا من المستمعين العرب في عصر هو عصر الإذاعة، وبالذات صوت العرب. ستكون «رجال في الشمس» بعد ذلك (بالتحديد عام 1972) فيلما سينمائيا رفيع المستوى حققه المخرج المصري الكبير توفيق صالح وحاز على جائزة «التانيت الذهبي» لمهرجان قرطاج السينمائي في تونس.
مع استعادة الفلسطينيين تعبيراتهم السياسية وأطرهم التمثيلية المستقلة بات من الواقعي الحديث عن حركة ثقافية فلسطينية في سوريا، وإن لم تتمكن من بناء مؤسساتها الخاصة، القادرة على لعب دور حقيقي في الحراك المجتمعي بكافة أشكاله وميادينه. وفي هذه المسألة بالذات أعتقد أن المسؤولية تقع الى حد كبير على الفصائل الفلسطينية كلّها، فهي في زخم الكفاح المسلح والمقاومة، انحازت لفكرة «توظيف» كل النشاطات والفعاليات لصالح الصوت السياسي، فاعتبرت كلّ ما عداه من شؤون الأدب والفن مجرّد نشاطات تكميلية ليس إلا.
المثقفون الفلسطينيون في سوريا هم الى ذلك جزء حيوي من الثقافة في سوريا، ونشاطهم ينضوي في سياق النشاطات الأدبية والفنية للحركة الثقافية السورية، ويمكن ملاحظة ذلك في صورة واضحة في الأعمال الدرامية السورية التي يسهم الفنانون والكتاب الفلسطينيون فيها بدور حيوي ناجح، ويلقون تشجيع وترحيب زملائهم من الفنانين والمنتجين السوريين.
رغم هذا يعيش المثقفون الفلسطينيون في سوريا اليوم حالة قلق عميقة على وجود قضيتهم ومصيرها، بعد خيباتهم المتلاحقة من فصائل حركتهم الوطنية التي لا يبدو أن قياداتها على اختلافها تنتبه لهم، أو تقيم وزنا كبيرا لوجودهم، وهي مسألة يمكن ملاحظتها في غياب المؤسسات، وضعف الموجود منها.
هم آخر يضاف الى الهم الأكبر والأبقى: حلم العودة الى فلسطين، حيث «حصّتهم من الهواء» كما قال شهيدهم الكاتب المرموق غسان كنفاني على لسان «أبو قيس» في «رجال في الشمس».