| 

إبراهيم أبو دية إنسان نبيل وبسيط، وشوط استثنائي في سلسلة طويلة من المناضلين الذين سقطوا في فلسطين في سبيل حريتها أمثال عز الدين القسام وفرحان السعدي وحسن سلامة وسعيد العاص وعبد الرحيم محمود وعبد القادر الحسيني وغيرهم كثيرون جداً. وهذا الشاب الذي لم يعش أكثر من اثنتين وثلاثين سنة، والذي أمضى نصفها تقريباً في نضال مرير ضد الصهيونية، قدّم أمثولة فذّة وفريدة في الجهاد العسكري، فكان مقاتلاً بارعاً على الرغم من أنه لم يتلق إلا تدريباً أولياً على السلاح. وتجربته في القتال كانت استثنائية بجميع المقاييس؛ فمع أنه كان فلاحاً بسيطاً، إلا أنه أدار معاركه بعقلية ضابط محترف، فكان يستطلع ويحدد الأهداف ويخطط، ثم يقاتل.
قال عنه يوسف صايغ في سيرته:«رجل ضئيل الحجم، شجاع جداً، ومحبوب جداً، ومقاتل شرس جداً». كان، إذاً، شرساً في قتال أعدائه، حانياً على أبناء شعبه، الأمر الذي منحه حب الناس من غير أي توسل. وقد ظل إبراهيم أبو دية واحداً من هؤلاء الناس، عاش في وسطهم وارتدى زيهم (حطة وعقال وسترة وقمباز) ومات بينهم.

*****
في ثورة 1936 كان غراً، فانخرط في جهد متواصل لتعقب سماسرة بيع الأراضي وردعهم عن هذا العمل الشائن. وما إن شبّ واكتملت رجولته، حتى كان واحداً ممن اختارهم عبد القادر الحسيني لتمهيد السبل قبل إعلان الكفاح المسلح، فسافر إلى القاهرة في سنة 1946، والتقى عبد القادر، وشرعا في التخطيط لخوض القتال ضد القوات الصهيونية في فلسطين، وكُلّف شراء الأسلحة من بدو الصحراء المصرية ـ الليبية التي جمعوها من مخلفات معارك طبرق والعلمين، وتخزينها في مصر ثم إعادة إرسالها إلى فلسطين بعد إصلاح المعطوب منها. وكان التخزين يتم أولاً لدى الشيخ عبد الله أبو ستة من بير السبع، ولدى الشيخ فريح أبو مدين من غزة، ثم يُنقل إلى مغاور بلدته صوريف. وقد ساهم في هذه المهمة الشاقة والخطرة والسرية شقيقاته: سارة وعائشة ومريم وعزيزة ونفيسة، فضلاً عن زوجته معزوزة أبو الريش. وفي 22/12/1947 وصل عبد القادر الحسيني إلى صوريف سراً، وحلّ في منزل إبراهيم أبو دية. وفي 25/12/1947 جرى تأليف أول مجموعة من«جيش الجهاد المقدس»، وتولى أبو دية قيادة سرايا العمليات الحربية.

*****
بدأ اسم إبراهيم أبو دية يتردد بقوة في أوساط الحركة الوطنية الفلسطينية بعد معركة صوريف التي اندلعت في 17/1/1948، والتي سقط فيها 35 صهيونياً، وأربعة شهداء من الفلسطينيين. ومنذ ذلك التاريخ عرفته ساحات القتال كلها، وجُرح خمس مرات، حتى أنه في معركة القسطل حمل كامل عريقات بعد إصابته، على ظهره إلى قرية صوبا، ثم قفل إلى ساحة المعركة، وتمكن من جمع المقاتلين بعدما دبت الفوضى في صفوفهم، وقاد القتال مع عبد الحليم الجيلاني، وجرح في أثناء هذه المعركة التي سقط فيها قائد جيش الجهاد المقدس شهيداً. وفي جنازة عبد القادر الحسيني ألقى إبراهيم أبو دية كلمة كانت الأكثر تأثيراً بين جميع الكلمات الأخرى.

*****
كان مرشحاً لتولي قيادة جيش الجهاد المقدس بعد استشهاد عبد القادر الحسيني. لكن الهيئة العربية العليا رأت غير ذلك، واختارت خالد الحسيني. وفي 13/5/1948 عقدت قيادة الجهاد المقدس اجتماعاً حاسماً للنظر في ما يمكن القيام به قبيل انسحاب القوات البريطانية من فلسطين. وتولى أبو دية مع مئة مقاتل مهمة الدفاع عن حي البقعة التحتا وحي الطالبية في القدس. ثم تولى قيادة حامية حي القطمون في القدس بعد أن خاض ببسالة معركة الدهيشة في 28 آذار 1948. ولم يطل الأمر به حتى شرع في خوض معركة الدفاع عن القطمون (29 نيسان 1948) في وجه الهاغاناه وقواتها الضاربة (البالماح). ومن بين 130 مقاتلاً كانوا معه في القطمون لم ينج إلا 15 مقاتلاً فقط. أما الباقون فقد استشهد معظمهم وجرح القليل.
بعد سقوط القطمون تمكن إبراهيم أبو دية من جمع نحو 300 مقاتل لاستعادة القطمون، لكن الجيش البريطاني اعتقله موقتاً، ومنع وصول الإمدادات والنجدات إلى مواقعه، الأمر الذي قضى على هذه الخطة، فتحول إلى بلدة صوريف وقرى الخليل وبيت لحم وجنوب القدس امتداداً حتى بيت صفافا. وبقي صامداً في الدفاع عن هذه القرى، إلى جانب رفيقه بهجت أبو غربية، حتى قبيل توقيع اتفاقية الهدنة في رودس التي قسّمت بيت صفافا بين العرب والإسرائيليين، ومنحت الإسرائيليين منطقة المثلث وأراضي صور باهر وميناء أم الرشرش على البحر الأحمر.

*****
في 17/5/1948 كان إبراهيم أبو دية على موعد مع مصيره؛ فقد قاد الهجوم على مستعمرة رامات راحيل، وكان معه نحو 150 مقاتلاً. وتمكن من الاستيلاء على معظم المستعمرة. لكنه، في 20/5/1948 أصيب بسبع رصاصات استقر بعضها في ظهره، وسببت له شللاً. فنُقل إلى المستشفى الفرنسي في بيت لحم، وأمضى فيه شهراً كاملاً، ثم نُقل إلى القاهرة للعلاج في المستشفى العسكري، ثم في المستشفى الإيطالي. ولما لم يجد الشفاء في المستشفيات المصرية عاد إلى بيت لحم وبقي في المستشفى الفرنسي حتى نهاية سنة 1948.

*****
أيامه الأخيرة كانت في بيروت. جاء إليها في سنة 1949 ترافقه زوجته معزوزة، وخضع لعلاج متواصل في مستشفى الجامعة الأميركية. ولهذه الغاية استأجر منزلاً في منطقة الطريق الجديدة، وكان معه دائماً المناضلان محمد نمر عودة ومحمد أبو خليفة (أبو عبد الله). وفي مستشفى الجامعة الأميركية تعرف إلى جورج حبش ووديع حداد وأحمد الخطيب الذين أسسوا لاحقاً حركة القوميين العرب. لم يستكن إبراهيم أبو دية لشؤونه الصحية، بل كان يطوف على مخيمات اللاجئين وهو محمول على أيدي رفيقيه محمد نمر عودة ومحمد أبو خليفة، حاثاً اللاجئين على الصبر وعلى الاستعداد ليوم التحرير، وكرّس معظم أوقاته للتواصل مع أبناء شعبه في المخيمات اللبنانية. غير أن الأيام لم تمهله كثيراً، فتوفي في 6/3/1952.
لم يعش إبراهيم أبو دية أكثر من اثنتين وثلاثين سنة. لكنه، في هذه الفترة القصيرة، خاض غمار الحياة بحلوها ومرها، وعرك السياسة من بوابة القتال وركوب المخاطر، وترك مآثر جمّة وسمعة لا تضاهى في الإقدام والشجاعة والتفاني. وعندما توفي في بيروت شيعته جماهير غفيرة من الجامع العمري إلى مقبرة الباشورة، وألقى إميل الغوري كلمة التأبين باسم الهيئة العربية العليا. وكان لافتاً في لبنان أن يرثي عربي مسيحي من القدس مناضلاً مسلماً من الخليل. لكن مثل هذا الشأن كان عادياً في فلسطين آنذاك، ولا يلفت أحداً على الإطلاق.