| 

إن دولة ثنائية القومية هي حل ممكن ويجب ان يكون مرغوبا فيه اذا اخذنا في اعتبارنا المسائل التالية:
1ـ حل ثنائية القومية ليس مطروحا لكي يتم تسويقه حالا، بل يجب ان يطرح كحل بعيد المدى يتم تطويره في ضوء وصول حل المشكلة الفلسطينية من خلال دولة في الضفة والقطاع وذات سيادة كاملة، الى طريق مسدود. واستمرارا لذلك يقوم البعض بالاشارة الى ان حل «ثنائية القومية» هو نظري، على اعتبار انه لا يمكن تطبيقه. فإذا كان هذا صحيحا فما هو الحل الممكن تطبيقه؟ يجب ان نجيب وبصراحة على هذا السؤال: هل إقامة دولة فلسطينية على كامل الضفة والقطاع هي امر ممكن؟ والحقيقة ان مواجهة هذا السؤال هي احدى الطرق للوصول الى القناعة بأن فكرة ثنائية القومية هي اكثر واقعية من فكرة الدولة القومية، على اعتبار ان الدولة في الضفة الغربية والقطاع هي أمر ممكن اذا قبل الفلسطينيون بدولة منقوصة تقوم على جزء من الأراضي المحتلة عام 1967. في المقابل من الواضح بأن الواقع في كل فلسطين التاريخية هو واقع ثنائي القومية يجب تطويره لكي يترجم الى مبنى سياسي متساو للإسرائيليين والفلسطينيين.
2ـ يفترض الذين يؤيدون مبدأ اقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية ان الفلسطينيين في إسرائيل سوف يستمرون في العيش كمواطنين وأن بإمكانهم ذلك من خلال الاطار الإسرائيلي. لكن في حكم المؤكد ان مشاكل الفلسطينيين في إسرائيل تنبع من جهل اولي باستحالة حل مشاكلهم في الاطار الإسرائيلي الذي يستثنيهم كمتساوين ويعاملهم كغرباء وكأعداء. ومن جهة اخرى لا يمكن حل مشاكلهم في وضع تستمر فيه قطيعتهم السياسية والثقافية مع باقي ابناء الشعب الفلسطيني. وبالتالي، فإن حل مشاكلهم او بلورة إمكانية نظرية لتطوير وضعهم يجب ان يأخذ بالحسبان ضرورة تغيير جوهر مكانتهم في إسرائيل وبين الفلسطينيين. هذا ممكن فقط في دولة ثنائية القومية يكون فيها الفلسطينيون في إسرائيل مواطنين متساوين من جهة وجزءا من المجموعة الفلسطينية من جهة اخرى، بحيث يتم تجاوز كونهم اقلية عددية ضعيفة، ويقوم انتماؤهم وتواصلهم السياسي مع الجزء الفلسطيني الذي يعيش في الضفة والقطاع بمساندتهم وتوسيع مجال تطورهم الحياتي. وفقط في اطار كهذا من الممكن ان تكتمل هويتهم من ناحية المواطنة ومن ناحية الانتماء الوطني.
3ـ يفترض مؤيدو حل اقامة دولة في الضفة الغربية والقطاع ان اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية المجاورة سوف يجدون حلا لوضعهم في هذه الدول، او سيقومون في مراحل متأخرة بالهجرة الى الدولة الفلسطينية المستقبلية. هذا الموقف غير ممكن اذا أخذنا في حساباتنا ثلاثة اعتبارات: الاول، ان إسرائيل تشترط في مسار موافقتها على إقامة سلطة فلسطينية الا تقوم هذه السلطة بفتح أبوابها للاجئين الفلسطينيين، على اعتبار ان هذا الامر قد يسهم في تغيير الميزان الديموغرافي الفلسطيني ـ الإسرائيلي بسرعة. الثاني، ان هؤلاء اللاجئين في غالبيتهم اخرجوا من مناطق تقوم عليها دولة إسرائيل. الثالث، ان هؤلاء لا زالوا يعانون من سياسة تمييز سيئة في اماكن تواجدهم في العالم العربي ولا زالوا يفتشون عن مخرج، وإلا فما هو التفسير لقيام أعداد كبيرة من شبابهم بالهجرة خلال السنوات الاخيرة الى الدول الغربية وخصوصا اوروبا. اذا اخذنا هذه الاعتبارات في حساباتنا يجب علينا ان نفتش عن حل سياسي للمشكلة الفلسطينية يضمن لهؤلاء، نظريا على الاقل، إمكانية ارجاعهم الى وطنهم الاصلي. هذا الامر ممكن فقط من خلال دولة ثنائية القومية تقوم على اساس المساواة وحق التكافؤ. فإذا كان لإسرائيل «الحق» في هجرة ملايين اللاجئين إليها من سنة 1948 فيجب ان يسمح في اطار الدولة الثنائية القومية بأن يقوم مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين بالرجوع الى قراهم او على الاقل الى مناطق قريبة من قراهم الاصلية.
4ـ يقوم بعض المعارضين لفكرة ثنائية القومية، الداعين الى دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، بالترويج بأن إسرائيل وغالبية اليهود لن ترضى بهذا الحل على اعتبار انه سوف ينهي فكرة دولة اليهود النقية. هذا الطرح هو بالتأكيد صحيح لكن يجب في هذا الاطار ان نفكر في مسألتين، الاولى: هل إسرائيل واليهود يوافقون على اقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة في الضفة والقطاع؟ وهل الدعوة الى هذا الحل اخذت بالحسبان موافقة إسرائيل واليهود المسبقة؟ ام انه طرح كحل قد تجبر إسرائيل على القبول به؟ والثانية: الحلول للمشاكل القومية والإثنية لم تكن في أية حال بموافقة الأغلبية او المجموعة المسيطرة، بل كانت عنوة ورغما عن موقف المجموعة القومية المسيطرة، وهذا بالضبط ما حدث لكل حركات التحرر الوطني، وهذا ما حدث مؤخراً «للأبرتهايد» في جنوب افريقيا. وبالتالي، فإن تطوير وتنفيذ فكرة ثنائية القومية أمر لا يتطلب موافقة إسرائيل في هذه المرحلة، بل موافقة فلسطينية وإسرائيلية في نهاية المرحلة التي قد تمتد الى عشرات السنين.
5ـ يقوم بعض المعارضين لفكرة ثنائية القومية بالادعاء بأن هذه الفكرة تجهض المشروع الوطني الفلسطيني، وتأتي هذه المعارضة من اتجاهين: الاول، يضم الذين يؤيدون اقامة دولة في الضفة والقطاع على اعتبار ان هذه الدولة هي المشروع الوطني الفلسطيني. وعلى هؤلاء يكون الرد بأن، الدولة الثنائية القومية هي ليست اجهاضا لفكرة المشروع الوطني الفلسطيني، بل هي توسيع له بحيث يشمل الفلسطينيين في إسرائيل ويقوم على كامل فلسطين الانتدابية مع الأخذ بالحسبان بأن المجموعة القومية الاخرى، اليهود، تستحق نفس الدرجة من المكانة. والثاني تيار يؤيد دولة فلسطينية علمانية مدعيا بأن ثنائية القومية هي مسألة لا تأخذ بالحسبان الانتماء الوطني الفلسطيني وقوته. وهذه مغالطة يجب توضيحها كما يلي: اولا الدولة العلمانية ـ الديموقراطية هي ليست دولة قومية ولا وطنية، بل هي دولة المواطنة وليس القوميات، وبالتالي فهذا الحل هو الاجهاض للانتماء الوطني الفلسطيني ولفكرة المشروع الوطني. ثانيا، بعض الذين يروجون لفكرة الدولة العلمانية يقصدون دولة فلسطينية وطنية وليس دولة المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية، وبالتالي فهم يستعملون مصطلحا في غير مكانه، وهذا امر يجب تصويبه. كما أنهم بالاساس لا يعترفون بوجود مجموعة قومية يهودية ـ إسرائيلية تستحق مشروعا وطنيا. وهذا تغاض عن الواقع في إسرائيل. ففي الوقت الذي نحسد إسرائيل على تماسك مجتمعها اليهودي ونقوم بالتوسل امام هذه المجموعة بإعطائنا بعض الحقوق، كيف يمكن ان ننكر تماسكها القومي وحقها في التعبير عن نفسها كمجموعة قومية؟
هذا التعبير اذا كان مرفوضا في دولة يهودية مستقلة، وهذا بالطبع امر مرفوض من وجهة النظر العربية والفلسطينية الملتزمة، فإنه يجب ان يكون مقبولا في دولة مشتركة ثنائية القومية ومتساوية.(*)
وبالتالي فإن العمل والدعوة الى اقامة الدولة ثنائية القومية يجب ان يأخذ بالحسبان المسائل التالية:
1ـ ان اليهود في إسرائيل هم مجموعة قومية يجب التعاون معها لاجل اقامة دولة ثنائية القومية.
2ـ اقامة الدولة الثنائية (لا يهم هنا متى سوف يحصل ذلك) هو إقرار بأن مستقبل الشعب الفلسطيني يختلف عن باقي الشعوب العربية ولا يتناسق مع فكرة الوحدة العربية والتكامل العربي، بل يجب على الفلسطينيين القبول بهوية وانتماء يتلائم مع الدولة الثنائية القومية مع عدم اغفال ضرورة التواصل الفكري والحضاري وليس السياسي مع العالم العربي.
3ـ الوصول الى دولة ثنائية القومية لا يتطلب بالضرورة ان يطالب الفلسطينيون في الضفة والقطاع بالحصول على الهوية الإسرائيلية، كما يعتقد البعض، بل ان يكون هذا ممكنا في ظل نشوء حاجة للتعاون بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في مجالات مختلفة، والعمل على اقامة لجان وهيئات مشتركة قد تتطور باتجاه اطار ثنائي القومية يتم العمل على ملئه بمضمون المواطنة والمشاركة المتساوية في مراحل متأخرة.
4ـ الفلسطينيون في إسرائيل مطالبون بالبحث عن إمكانيات للتواصل الثقافي، الحضاري، الاجتماعي، النقابي، الاقتصادي والسياسي مع الفلسطينيين تحت حكم السلطة الوطنية الفلسطينية. وعلى الفلسطينيين في الضفة والقطاع تشجيعهم على ذلك، من حيث اشتراكهم بشكل مكثف في فعاليات وأطر تقام تحت السلطة الفلسطينية والعمل في بلداتهم لأجل تشجيعهم على التواصل.
وأخيراً اذا كان حل اقامة الدولة الثنائية القومية، على اساس الاعتبارات المذكورة هو الحل القادر على حل اشكاليات صعبة تواجه الشعب الفلسطيني، فيجب ان لا نسوّقه فقط كأننا مجبرون على القبول به بسبب تعثر اقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية والقطاع: بل يجب ان يكون حلا نتطلع إليه، ندعو له ونسوقه. وأول المطالبين بذلك هم المثقفون والساسة الفلسطينيون الذين يرون الواقع وإشكالاته ويرون بأن الدولة الواحدة المشتركة، الإسرائيلية الفلسطينية، هي أمر مرغوب به يجب العمل لأجل تحقيقه، وان الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع في افضل تجلياتها لن تحل المشكلة الفلسطينية، بل قد تساهم فقط في حل مشكلة الفلسطينيين في الضفة والقطاع وليس المشكلة الفلسطينية بمجملها. ويؤدي هذا الحل بالضرورة الى تجزئة ابدية للمشكلة الفلسطينية وللفلسطينيين انفسهم الذين سوف يصبحون مجبرين على حل مشاكلهم في اطر سياسية مختلفة.

أسعد غانم أكاديمي فلسطيني مقيم في حيفا. * عرضت هذه الأفكار، في مؤتمر «حق العودة والدولة الديموقراطية العلمانية في فلسطين»، حيفا، 20/6/2008.