| 

فدوى طوقان شاعرة مميزة في تاريخ الشعر الفلسطيني المعاصر. فهذا الشعر الذي تسربل بعد سنة 1948 بالحنين والحرقة والألم والانتظار، حيث البطل فيه تراجيدي وإغريقي بامتياز، أي انه يعرف أقداره سلفاً ومع ذلك لا ينفك مصارعاً إياها، لم يلبث، بالفعل، بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة في سنة 1965 ان تغيرت لغته تماماً، فراح يبشر بالأمل والانتصار، وما عاد نوستالجياً قط، وبات البطل فيه كالفدائي مرصوداً للنصر عند تخوم بلاده. هنا نهضت فدوى طوقان لتصبح شاعرة الأمل حقاً؛ فلم تنطوِ، بعد الهزيمة، على ذاتها، ولم تهجع في منزلها الرحب في نابلس، بل سارعت إلى اجتياز بوابة مندلبوم في القدس نحو يافا وحيفا والجليل لتلتقي محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد وسالم جبران وإميل حبيبي، وتكتب قصيدتها المشهورة: «لن أبكي على أبواب يافا» والتي تقول فيها:
«يا أحبائي
حصان الشعب جاوز كبوة الأمسِ
وهبَّ منتفضاً وراء النهرِ
ها إن حصان الشعب يصهلُ واثق النهمة
ويفلت من حصار النحس والعتمة».
تركت هذه القصيدة اهتزازات شتى لدى الشعراء الفلسطينيين في فلسطين المحتلة منذ سنة 1948، وربما انعكس هذا الصدى في قصيدة لمحمود درويش جاء فيها:
«لم نكن قبل حزيران كأفراخ الحمامْ
ولم يتفتت حبنا بين السلاسلْ
نحن يا أختاه من عشرين عامْ
لا نكتب أشعاراً ولكنا نقاتلْ»

*******
أصل عائلتها من تل طوقان بين حمص وحماه. ومعظم عائلات نابلس من أصول سورية، حتى دُعيت هذه المدينة بـ«دمشق الصغرى»، وهم تجار ناجحون ومحافظون معاً. وقد ظل شقيقها ابراهيم طوقان، حتى ثلاثينيات القرن العشرين، يكتب على رسائله من بيروت عبارة: «الجامعة الأميركية ـ بيروت ـ سوريا». ومن هذه العائلة لمع قدري طوقان وابراهيم طوقان وأحمد طوقان (رئيس الوزراء الأردني الأسبق) ونمر طوقان وفواز طوقان وجعفر طوقان وعريب طوقان والملكة علياء طوقان وآخرون.
وصفها محمود درويش بأنها أحد أضلاع المثلث الشعري العربي إلى جانب نازك الملائكة وسلمى الخضراء الجيوسي. ومع انها تعتبر نازك الملائكة معلمتها الشعرية والسباقة إلى التجديد، ومع أن سلمى الخضراء الجيوسي كفّت عن كتابة الشعر، وانصرفت إلى البحث والترجمة، إلا أن هذا الثلاثي الشعري، على تفاوت القيمة الإبداعية لشاعراته، كان بالفعل علامة زاهية من علامات الإبداع العربي في خمسينيات القرن المنصرم وستينياته. ولعل فرادة فدوى طوقان انها كانت الأكثر جرأة على الذات، والأكثر اندفاعاً في البوح والاعتراف، ويكاد لا يجاريها في هذا المضمار إلا الأديبة السورية غادة السمان. وقد اقتحمت فدوى هذا الحقل المزروع بالألغام بجرأة مدهشة، ولم تتورع عن كتابة سيرة حياتها الخلابة في جزءين: «رحلة جبلية رحلة صعبة» و«الرحلة الأصعب» (دار الشروق، عمان، 1985 و1993 على التوالي). ولعل هذه السيرة تُعد من أجمل كتب البوح والاعتراف التي نُشرت على الناس في العقدين الأخيرين، ولا ينافسها في ذلك إلا «الخبز الحافي» لمحمد شكري و«خارج المكان» لإدوارد سعيد. ولعل جرأتها تكمن هنا بالتحديد، أي في مصادمتها ذكورية المجتمع النابلسي من خلال اعترافاتها التي كشفت فيها حياتها الغرامية على الرغم من انها أخفت الكثير من الجوانب المهمة والحيوية في رحلتها الصعبة، بينما كان عليها أن تفصح لا ان تخفي. والغريب ان فدوى طوقان الجريئة جداً في سيرتها المكتوبة، لم تكن كذلك في بداياتها. فقد أحبت الناقد المصري أنور المعداوي من بعيد ومن خلال الرسائل فقط، ما يعيد إلى الذاكرة قصة مي زيادة وحبها لجبران خليل جبران.

*******
لم تظهر في فلسطين، في النصف الأول من القرن العشرين، شاعرة واحدة كرّست حياتها للشعر غير فدوى طوقان. قبلها ظهرت أسمى طوبي (مواليد 1905) وهدية عبد الهادي (مواليد 1919)، وبعدها جاءت سميرة أبو غزالة (1927) وسلمى الخضراء الجيوسي (1928)، لكن ينبوع الشعر لم يلبث ان غار لدى هؤلاء الشاعرات الأوائل فانصرفن جميعاً، في ما بعد، إلى مصائرهن المتنافرة. والشعر الفلسطيني المعاصر لم يعرف شاعرة جريئة مثل فدوى طوقان تصدّت للكلام على الحب والتمرد في مجتمع شديد القسوة والامتثال، كما لم يعرف، أيضاً، شاعرة مفجوعة ظلت تراوغ آلام أيامها طويلاً وهي مجردة من أي سند أو معين.
فجعت فدوى باكراً بموت شقيقها ابراهيم في سنة 1941. وكان الجذع الوحيد الذي تستند إليه. ثم فُجعت بسقوط فلسطين في سنة 1948، ثم بالموت المدوّي لأخيها نمر طوقان في مياه البحر المتوسط مع اميل البستاني في سنة 1963. ولم تلبث ان فجعت بسقوط مدينتها نابلس تحت الاحتلال الإسرائيلي في سنة 1967. وعلى الرغم من ذلك لم تصبح قط «خنساء فلسطين» مع ان أولى القصائد التي حفظتها من كتابة «الحماسة» لأبي تمام كانت قصيدة «امرأة ترثي أخاها»، وهذا ما فعلته في ما بعد مرات عدة، ولعل قوة الحياة لديها كانت أقوى من غريزة الموت، فعاشت طويلاً حتى بلغ الدهر بها عمراً مديداً.

*******
خلعت والدتها حجاب رأسها في ثلاثينيات القرن المنصرم، وكانت تلك خطوة جريئة في مدينة محافظة، وفي عائلة متمسكة بالتقاليد. وعلى الرغم من أن رحمي طوقان، عم فدوى، كان ماركسياً إلى حد ما، وعلى الرغم من جرأة والدتها، غير أنها لم تتمكن من بسط جناحيها إلا بعد النكبة. تقول: «مع انهيار السقف الفلسطيني عام 1948سقط الحجاب عن وجه المرأة النابلسية، وكانت قد كافحت طويلاً لتتحرر من ملاءتها التقليدية ومنديلها الأسود الكثيف». ومنذ طفولتها، وبسبب انطوائها وعزلتها مع الكلمات، مالت إلى العزف والغناء، لكنها تعرضت للصد والكف والرفض. غير أن روحها المتمردة قادتها إلى تعلم هذا الفن سراً، وظلت تعشق صوت محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، مع كراهيتها الموقف السياسي المتعالي لأم كلثوم من الفلسطينيين ومن قضية فلسطين.

*******
أسماها شقيقها ابراهيم طوقان، وهو شاعر فلسطين الكبير «أم تمام». وأسماها محمود درويش، وهو الشاعر الكبير الذي أهدته فلسطين إلى الثقافة العربية «أم الشعر الفلسطيني». ومع انها وقّعت قصائدها الأولى باسم «دنانير» وهو اسم جارية، إلا ان أحب أسمائها المستعارة إلى قلبها كان «المطوّقة» لأنه يتضمن إشارة مزدوجة، بل تورية فصيحة إلى حال الشاعرة بالتحديد. فالمطوقة تعني انتسابها إلى عائلة طوقان المعروفة، وترمز، في الوقت نفسه، إلى أحوالها كأسيرة في عائلة قاسية وفي مجتمع تقليدي غير رحيم معاً.
ماتت دنانير المطوّقة بأغلال حراس الكهوف القديمة، لكن بعد ان كسرت قيودها بالتدريج، فتمردت على عائلتها، وأحبت من أرادت، وحوّلت قصائدها أنصالاً ضد الاحتلال. وبهذه المسيرة الجبلية العاصفة أصبحت فدوى طوقان أم الشعر الفلسطيني المعاصر حقاً.