| 

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى، ويحزّ في نفسي انني كنت أمر يومياً، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف ان في ذلك البيت عاش وكتب شاعرنا القومي.
لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى «الشاعر القومي» لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا ان حايم نحمان بياليك هو شاعر قومي، ولا يجوز ان يكون هناك شاعر قومي للأمة الا بياليك.
التقينا في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.
جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.
هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف «الاتحاد» التي احتوت بين جدرانها طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.
احتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.
سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال إن بيته في شارع البساتين، في حي الالمانية.
بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.
«خرجت مع مفتاح وقصائدي.
وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..».
في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون خمسين عاماً صابرين على فراقها مؤمنين «ان الصبر مفتاح الفرج» مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد ان قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح..

الخزانة
كانت لجدتي خزانة صغيرة مقفلة طول الوقت ولم يجرؤ أحد على فتحها، حتى هي لم تفتحها وكانت تقول لنا انها لن تفتح الا في يوم القيامة.
عندما كنت في الخامسة من عمري حاولت أن أفتحها فضبطتني متلبساً بفعلتي ولم تضربني على يدي ولم توبخني، بل أخذتني الى حضنها وقالت لي: لا تحاول أن تفتح الخزانة لأنك لن تنجح، وإذا كسرتها فسينهار البيت على رؤوسنا!
«ماذا في داخلها؟» سألت بدهشة وخوف.
لم تفكر جدتي كثيراً، مسدت شعري الناعم وقالت: هذه الخزانة ليوم الحساب وفيها يسجل الله، سبحانه وتعالى، كل أعمالنا الحسنة والسيئة وسيسمح لنا بفتحها في يوم القيامة.
أين المفتاح؟ سألتُ جدتي.
في مصر! في يوم الآخرة سيأتي الأنبياء من الشرق وسيقودوننا معهم الى مصر لإجراء الحساب، ستعطل الطائرات والسيارات والسفن وسنقطعها مشياً على الأقدام وسنحمل الخزانة على ظهورنا وهناك يسلمنا المفتاح ملاك أبيض ومن ترجح حسناته على سيئاته سيذهب الى الجنة ومن تغلب سيئاته سينضم الى إبليس.
لم أجرؤ بعدها على فتح الخزانة، لم أقترب منها، ولكنني كنت أحدق بها قبل النوم وأراجع نهاري وأتساءل بشيء من القلق: ماذا فعلت اليوم؟
سنوات طويلة ظلت الخزانة مقفلة ولم أجرؤ على الاقتراب منها، وأكثر ما كان يخيفني هو أن يكون الله قد سجل فيها أنني سرقت الحمص الأخضر من أرض الشيخ «أبو عاهد» في مساء حزيراني، ولكنني كنت أعزي نفسي بأن أخي الأكبر مني هو الذي أغراني، الى أن كان يوم حزيراني آخر في عام 1968.
قبل غروب الشمس بساعة دخل الى بيت جدي شيخ غريب، رأيته لأول مرة في حياتي، لبس قمبازاً أبيض ناصعاً وحطة بيضاء ورأيت جدي يمسك بيده ويقوده الى الغرفة الكبيرة وجدتي تسير خلفه وهي تتمتم مبتهجة كأنها لا تصدق ما تراه عيناها وأنا أرقب ما يحدث بذهول ولم أشعر كيف قفزت من مكاني عندما سحب الشيخ مفتاحاً صغيراً من جيبه وهو يقترب من الخزانة. أردت أن أصرخ:

هذا هو الملاك، يوم القيامة!
لكنني شعرت أن لساني انعقد ولم أقدر على النطق ولم ينتبه أحد لحالتي وفتح الشيخ الخزانة ومد يده الى باطنها وأفرغ كثيراً من الملابس بعثرها على الأرض وأخرج منها صرة وفتحها بيدين راجفتين وسحب عقداً من الفضة وورقة كبيرة.
«هذا العقد لأم محمد وهذا كوشان الأرض سآخذهما وأترك لكما الخزانة». قال أبو محمد وبات ليلته وعاد في الصباح الى قرية نزوحة قرب جنين.
أبو محمد من عين غزال القريبة من بلدنا. في عام 1948 شرد مع أهلها ومروا في بلدنا. حمل الخزانة على ظهره ولم يقدر على حملها أكثر فتركها أمانة عند جدي، صديقه من أيام تركيا. تركها مقفلة وحمل مفتاحها وعاد إليها بعد عشرين عاماً فقط ليأخذ العقد والكوشان ولينسف خرافات جدتي عن القيامة ويوم الحساب.

البيت
مات أبو سلمى بعيداً بعيداً عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.
مات في أميركا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد.
عدت الى البيت في شارع البساتين. لأبحث عنه ولأسأله ان كان هو أيضاً يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمر يومياً بجانبه ولا أراه، وربما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا:
«العرب في حيفا هربوا خوفاً من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال إن امرأة حملت وسادة بدلاً من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار..
عدت الى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت الى حنا نقاره، صديق أبي سلمى، وطلبت منه ان يأخذني الى البيت..
وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت. وانتظرنا أن يفتح أحد باباً ويقول: تفضلوا!
طرقنا على الباب.. لم يُسمع صوت.
طرقنا مرة أخرى.
«من هناك»؟
ردت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.
«سلام عليك أيتها السيدة». «هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد»؟
«أسكن هنا منذ عام 1949».
أشار حنا الى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة: «هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك»؟
فأجابت السيدة: «لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة المانية..».
قال حنا نقارة:
«هذا البيت لقريب لي توفي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عاماً..
سألت السيدة: «هل هو عربي؟»
امرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قارباً أبحر به في محاذاة الشاطئ من حيفا، الى عكا، الى طرابلس..
«هل تعلمين ان صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟
هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟».
حركت رأسها كأنها تقول:
مسكين هذا الشاعر!
مد حنا يده وصافح السيدة العجوز..
الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده..
عدنا الى البيت الخشبي، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر.. كان وكيل شركة تأمين.. وهذا بيت زكي التميمي.. وهذا لحسين عبد الصمد.. وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني.. وهذا بيت المحامي عيسى هزو..
هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

*******
صار للمفتاح معنى آخر في حياتي..
علّمني مفتاحه ان ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح الى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.
«سنلتقي في حيفا»، قلت لأبي سلمى.
بعد شهرين رحل تاركاً المفتاح.. وقد أشبعت قصائده الضائعة بملح البحر.