| 

على الرغم من وجود بعض الإعلانات والمواثيق الدولية التي تركز على قطاع الشباب بوصفه الأكثر حيوية في المجتمع، والتي تتحدد معالم المجتمع ومستقبله بالاستناد لها، ولا سيما أنها تؤكد على حقوقهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وفتح الآفاق لهم باتجاه زيادة قدراتهم وفرصهم على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، إلا أن الشباب كفئة اجتماعية تشترك في سمات عدة في داخلها، كما أنها لها سمات مشتركة مع فئات اجتماعية أخرى. ومن السمات المشتركة للشباب مثلاً، العمر الزمني الذي يتحدد بتعريف الأمم المتحدة ما بين 18- 25 عاماً، وحسب التعريف الفلسطيني ما بين 18 – 29 عاماً، بحيث يشكل قطاع الشباب نحو 45% من عدد السكان، إلى جانب سمات أخرى تميز الشباب، منها الاندفاعية والطاقة والفترة الانتقالية لمواصلة الحياة العملية والمعيشية المستقلة والمستقبلية.
مع ذلك، فإن الشباب بوصفهم مواطنين أحراراً تنطبق عليهم الحقوق التي تطبق على المواطنين عموماً، بغض النظر عن الدين والجنس واللغة والعرق والأصل الاجتماعي. وبالتالي، فإن الشرعة الدولية لحقوق الإنسان مجسدة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هي التي تنطبق على حالة الشباب بوصفهم مواطنين، فلهم الحق في العمل والتعليم والصحة والسكن، والمشاركة السياسية، والنقد والتعبير والتجمع السلمي والصحافة الحرة والمشاركة الثقافية والاجتماعية... إلخ. أي إنه في إطار العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة في إطار جدلية الحقوق والواجبات، هناك حقوق تستند إلى منظومة حقوق الإنسان، إضافة إلى القوانين الفلسطينية المحلية الشرعية في إطار السلطة التشريعية، وهناك واجبات، كدفع الضريبة والالتزام بالقانون والنظام والدفاع عن الوطن جراء العدوان الخارجي.
بالانتقال من الحالة النظرية إلى التطبيقات العملية في الواقع الفلسطيني، وتحديداً مؤسسات المجتمع المدني. نلاحظ أن مؤسسات المجتمع المدني، على الرغم من قيامها بالعديد من الأنشطة والفعاليات كورش العمل وبرامج التدريب التي تركز على الشباب، خاصة باتجاه إخراجهم من دائرة الانتظارية والتهميش والدفع بهم للمشاركة بالحياة الاجتماعية والسياسية وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، إلا أن هذه المنظمات لم تبلور رؤية تعزز مهنية العمل الأهلي واستقلاليته وضرورة إخراجه من دائرة التجاذبات السياسية حتى يستطيع هذا العمل بلورة جهوده وتوحيدها على طريق الضغط لإحداث التغيير في المجتمع، أكان باتجاه إنهاء حالة الانقسام والتشرذم، أم من أجل تعزيز الصمود، أم الفعل في سياق الدفع باتجاه تحقيق العدالة في الحصول على الموارد والفرص مترجمة بالسياسات العامة والتشريعات، والموازنة العامة للسلطة.
لذلك، نجد أن التسيس له تأثير كبير في بنية منظمات المجتمع المدني عبر الانشداد إلى واحدة من القوى السياسية، خاصة الرئيسية منها، حيث انعكست حالة الفرز والاستقطاب على وضعية منظمات المجتمع المدني من مؤسسات أهلية، ونقابات وأندية وأطر اجتماعية. وفي هذا السياق، غابت الأجندة المهنية والرسالة الرامية لتحقيق المجتمع المدني لمصلحة الحزبية والفئوية والفصائلية، وقد عمق ذلك من ثقافة التعصب والفئوية والنظرة للآخر نظرة عدائية وغياب ثقافة الحوار وإدارة الاختلاف بعيداً عن العنف وعبر لغة الحوار الوطني وأساليب العمل الديموقراطية.

الشباب والثقافة الجديدة
لقد أدى انسداد فرص العمل لدى جيل الشباب من متخرجين جدد وباحثين عن العمل في مجال القطاعات الحكومية والخاصة والأهلية إلى انخراط أعداد كبيرة منهم في صفوف القوى والأجهزة ذات الطابع العسكري أو الأمني، وأدت حالة الانقسام والصراع المسلح الذي نشب في قطاع غزة إلى تعميق ثقافة التعصب في إطار ارتباط الوظيفة (المصلحة) مع الانتماء السياسي، الأمر الذي عزز من حالة الشرخ والتفسخ، وأضعف إلى حد كبير ثقافة الحوار والتسامح، في إطار الاستبدال بآليات القوة وفرض الوقائع عبر أساليب الحسم، سواء ما يتم في غزة أو في الضفة الغربية.
وفيما يتعلق بعمل المنظمات الأهلية وأثرها في تنمية الشباب، هناك موضوعات تتكرر بصورة نمطية وتنعكس على صورة برامج وأنشطة تنفذها المنظمات الأهلية، حيث يحدد المانحون هذه الموضوعات، وإن كان جزء منها يتم بالمشاركة مع المنظمات الأهلية، إلا أن المنظمات الأهلية لم تستطع تشكيل شبكة تنسيقية شبابية منتظمة ومستمرة وذات بعد منهجي ومتواصل ومستدام، وتعزز التشبيك بين المنظمات الأهلية العاملة في مجال الشباب، فما زالت هناك حالة من الازدواجية والتكرار في تنفيذ البرامج والفعاليات، وهي تتكرر بين مؤسسة وأخرى عبر تنفيذ برامج «تدريب، ورش عمل، مجلات، جرائد، إعلام محلي عبر استخدام الإذاعات المحلية وغيره».
وإذا كان هناك تركيز في معظم المنظمات الأهلية على برامج الديموقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة والمواطنة وثقافة التسامح والابتعاد عن التعصب، وهي مفاهيم وموضوعات حيوية وضرورية تستجيب لحالة المجتمع الفلسطيني الذي يشهد حالة من التشرذم والانقسام، إلا أنه بات مطلوباً ترجمة تلك المفاهيم بخطوات وأدوات عملية تساهم في استنهاض حركة شبابية حقوقية ومطلبية تربط بين التمسك بحقوق ومصالح الشباب على المستوى المطلبي والاجتماعي من جهة، ومصالح المجتمع الفلسطيني على المستويات الوطنية والديموقراطية من جهة أخرى.

غياب دور الشباب
فلم نلمس دوراً بارزاً للشباب في مجال رفع الصوت باتجاه إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية أو الدفاع عن الحريات العامة والشخصية أو تعزيز المصالحة الشعبية وإزالة ما خلفته حالة النزاع الداخلي في ضوء حالات التوتر والانقسام إلا باستثناءات قليلة، إضافة إلى الدور المطلوب للحفاظ على حق الجمعيات الأهلية بالعمل وتجنيبها آثار الانقسام السياسي والتجاذبات الفئوية، وكذلك النضال لرفض الاعتقال السياسي والسماح بحق التعبير عن الرأي والتجمع السلمي التزاماً بالقانون الأساسي الفلسطيني ولترسيخ أسس ديموقراطية حقوقية في الحياة السياسية والاجتماعية الفلسطينية، حيث باتت تلك الأسس تشكل شرطاً لضمان كرامة المواطن وتعزيز الصمود في مواجهة الاحتلال. وعبر ذلك فقط، تتم عملية إعادة البناء الديموقراطي للنسيج الاجتماعي وللنظام السياسي الفلسطيني في إطار جدلية الوطني والديموقراطي. إن غياب تلك الفعاليات يعكس ضعف الأدوات الشبابية القادرة على التعبير عن حقوق ومصالح الشباب كقطاع اجتماعي حيوي وجزء من مكونات الشعب الفلسطيني.
وفي إطار هذه الرؤية، من الضروري التركيز على المشاريع التي تساهم في تمكين الشباب ونقلهم من مرحلة الإغاثة أو البحث عن المساعدات إلى مرحلة الإنتاجية والتنمية والاعتماد على الذات، عن طريق تشجيع المشاريع الريادية الصغيرة لتستطيع توليد فرص عمل وتجاوز عملية الارتباط بوظيفة أو بمساعدة إغاثية إنسانية ومن أجل ضمان دخل مستدام.
إن تنفيذ بعض البرامج التدريبية للطلبة المتخرجين عن طريق إدماجهم في بنية المنظمات الأهلية أو القطاع الخاص أو الوزارات الحكومية يشكل ضرورة بحاجة إلى الاستمرارية بهدف إكساب الطلبة الخبرة العملية بعد حصولهم على الخبرة النظرية أو الأكاديمية.
كما من المهم تشجيع العمل الطوعي لدى الطلبة أثناء الدراسة عبر احتساب عدد من ساعات العمل الطوعي بوصفه متطلباً جامعياً في إطار عمل هؤلاء الطلبة داخل المنظمات الأهلية أو الخاصة أو الحكومية.

المجتمع الحر
وبالتزامن مع ذلك كله يتوجب على مؤسسات المجتمع المدني إعادة الاعتبار لرسالتها المبنية على الكفاح من أجل بناء مجتمع حر (التحرر الوطني) يلتزم بسيادة القانون واحترام الحريات ومبادئ حقوق الإنسان بالاستناد إلى فلسفة المواطنة الحرة والمتساوية.
إن الخطوات الأساسية المطلوبة في هذا المجال تكمن في التأكيد على بنية ورؤية ورسالة منظمات المجتمع المدني، التي يجب أن تتفق على ميثاق يتضمن معايير محددة، مثل (الاستقلالية، البناء الديموقراطي المبني على الإدارة الرشيدة، الالتزام بمبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان، الالتزام بأسس القانون).
وعليه، فقد بات مطلوباً توسيع دائرة التنسيق والعلاقة والشراكة بين جميع المؤسسات والاتحادات والأطر المؤمنة بتلك الأسس والمعايير حتى تتحول بتجمعها إلى وسيلة ضغط شعبية قادرة على التأثير والتغيير في المجتمع بصورة سلمية وديموقراطية وحضارية، بعيدة عن العنف.
ومن الضروري أيضاً، إفساح المجال للشباب كي يأخذوا دورهم في المبنى الإداري لتلك الأطر بنسبة لا تقل من 30%، خاصة في المنظمات ذات الطابع الاجتماعي والحقوقي، وذلك لتعزيز التبادل ونقل الخبرات والتجارب والمشاركة وتوفير الفرصة باتجاه وصول الشباب إلى مواقع اتخاذ القرار في بنى وهياكل ومؤسسات المجتمع المدني.
لقد آن الأوان لقيام منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الشباب بالعمل على احتضان تشكيل حركة اجتماعية مهنية ومستقلة وديموقراطية للشباب، تحدد أولوياتها واحتياجاتها ووسائل عملها وتعمل وفق أجندتها بصورة ديموقراطية ومتراكمة وسلمية لتحقيق الأهداف، وذلك عبر آليات المناصرة والضغط والتأثير والمفاوضات.
فلم يعد مقبولاً تحكم نخبة في بنية العمل المدني دون التواصل مع الأجيال الجديدة التي من الضروري أن تكتسب الخبرة والمعرفة لتتبوأ المركز القيادي في صناعة القرار الإداري، تمهيداً للقيام بالدور القيادي في المؤسسات الكبرى المرتبطة بالسلطة كالمجلس التشريعي، ومجلس الوزراء.
كما بات مطلوباً من الأحزاب والاتحادات النقابية أن تعزز من تمثيل الشباب في مبناها الإداري التزاماً بالمبدأ نفسه القائم على إعطاء الفرصة وتعزيز الخبرة في إطار العلاقة الجدلية بين الأجيال.
تستطيع منظمات المجتمع المدني إذا قامت بالالتزام بالأسس المهنية وعملت على إخراج ذاتها من دائرة التجاذبات السياسية القائمة، العمل على التصدي لحالة الاحتقان والتأثير في الرأي العام عبر الدعوة إلى إعادة الحياة الصحية لنسيج المجتمع الفلسطيني على الصعد الوطنية والاجتماعية والثقافية.
فإذا كنا متفقين على الرؤية والأهداف والأدوات، فعلينا العمل بسرعة باتجاه وقف حالة الاستنزاف الراهنة وإعادة الحياة إلى مجراها الطبيعي عبر ترتيب البيت الداخلي وإنهاء حالة الانقسام السياسي والجغرافي والعودة إلى بناء المؤسسة السياسية والإدارية الموحدة للوطن بطرق ديموقراطية كرد على مخططات الاحتلال القائمة على التشرذم وفرض المعازل والكانتونات في الوطن بديلاً عن تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني القائم على أهداف العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.
ولا يمكن تحقيق تلك الأهداف في إطار حالة التهميش للشباب، وثقافة العنف بعيداً عن التسامح، فالديموقراطية والحرية شرط للوحدة والتلاحم، كشرط حاسم في المقابل لتحقيق الأهداف الوطنية والاجتماعية.

الشباب والهجرة
تبقى الإشارة إلى ضرورة التصدي لظاهرة هجرة الشباب بوصفها ظاهرة مقلقة في المجتمع الفلسطيني، حيث أفادت نتائج الاستطلاع الأخير الصادرة عن برنامج دراسات التنمية – جامعة بير زيت أن 54% من الفئة الشبابية المستطلعة تسعى للهجرة، الأمر الذي يعتبر مؤشراً خطيراً على انعدام الثقة واليقين بالمستقبل، لا سيما أن الشباب هم العمود الفقري في المجتمع، ومصدر الطاقات الإنسانية الرئيسية التي ستساهم في بناء المستقبل. ولا يبدو ممكناً التصدي لهذه الظاهرة إلا من خلال إعادة ثقة الشباب بأنفسهم، والمساهمة في توفير الفرص والموارد لهم، والعمل على تنمية طاقاتهم وزيادة قدراتهم وفتح الخيارات أمامهم في إطار مفهوم التنمية الإنسانية.
لقد تراجع دور الحركة الطلابية بوصفها جزءاً من الحركة الشبابية، وهذا يعود إلى زيادة حدة الاستقطاب السياسي الفئوي وتقديم الأولوية الحزبية والفصائلية على الأولوية النقابية والمطلبية والحقوق الاجتماعية لجمهور الطلبة. وساهم تفاقم حدة الاستقطاب بما يترتب عليه من مصالح لدى النخبة القيادية للحركة الطلابية بالابتعاد عن الأسس النقابية والمطلبية والحقوقية لمصلحة تأمين المصالح الفردية والفئوية. وساعد في ذلك أيضاً، النظام الزبائني الذي نحياه في إطار توفير الأموال والموارد من قبل القوى السياسية النافذة والتحكم بمصادر المال والنفوذ، الأمر الذي يؤثر على حالة الشباب ومستقبلهم ويدفعهم لتأمين مصالحهم عن طريق الارتباط بهذه القوة السياسية أو تلك، بدلاً من تنمية الجهد الجماعي الرامي إلى التمكين والتقوية وزيادة القدرات واستنهاض الطاقات لضمان المصالح الجماعية لفئة الطلبة كجزء من قطاع الشباب، عبر نضال مطلبي جماعي ذي مضمون اجتماعي مبنى على فلسفة الحقوق والمواطنة.

محسن أبو رمضان منسق شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة