في أوائل سنة 1949 ألفت الحكومة الإسرائيلية لجنة وزارية لوضع الخطوط العامة، قانونياً وتربوياً واقتصادياً، التي من شأنها تسهيل دمج السكان العرب في إطار الدولة الإسرائيلية. وفي تلك الفترة أيضاً جرى تأليف «وحدة الأقليات» في الجيش الإسرائيلي التي تألفت، في البداية، من 850 عنصراً (400 درزي، 200 بدوي، 100 شركسي، 150 ضابطاً وجندياً يهودياً محترفاً)، جرى تجميعهم من عناصر كانت ساعدت القوات الصهيونية قبل نكبة 1948 في أعمال الرصد والمراقبة والتجسس وتقصي الأثر.
ومن مفارقات تلك الحقبة، وبالتحديد في أواخر أربعينيات القرن العشرين، أن شموئيل ميكونيس، وهو من قادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ماكي) طالب بأن تشمل الخدمة العسكرية الإلزامية السكان العرب، والفتيات العربيات بالتحديد، لأن من شأن ذلك، بحسب ميكونيس، أن يساهم في تحرير النساء العربيات من تخلفهن ومن اضطهادهن الاجتماعي الموروث. وفي سنة 1950 وجه مئير فلنر إلى دافيد بن غوريون سؤالاً في الكنيست عن عدم تجنيد السكان العرب. أما عضو الكنيست توفيق طوبي فرأى ان استثناء العرب من التجنيد العسكري الإلزامي هو تمييز عنصري ضدهم.
في تموز 1954 قرر وزير الأمن الإسرائيلي فرض التجنيد الإلزامي، بموجب قانون، على الشبان العرب الذين ولدوا بين 10/9/1934 و 12/7/1937. وقد جرى تعديل هذا القانون في 3/5/1956 ليقتصر على الشبان الدروز وحدهم، بموجب اتفاق مع «قيادة الطائفة الدرزية» التي قدمت الطلب. ورحب الحزب الشيوعي الإسرائيلي آنذاك بقرار فرض التجنيد العسكري على العرب الفلسطينيين، لكنه عاد وطالب بإعفاء الفتيات العربيات من الخدمة مراعاة لمكانتها التقليدية في مجتمعها. والمعروف أن الشبان الدروز خدموا في الجيش الإسرائيلي كمتطوعين منذ سنة 1949 حتى سنة 1955، ثم باتوا يخدمون بموجب القانون منذ سنة 1956 فصاعداً.
انقسم الدروز في الموقف من هذا القانون، فبعض القيادات الدينية كان يطالب بهذا القانون منذ البداية، وكانت ذريعته أن التجنيد مدخل إلى الحصول على مكاسب وظيفية لأبناء طائفته، علاوة على إعلان الولاء لدولة إسرائيل. بينما رفض البعض الآخر لأنه رأى في هذا الأمر استثناء للدروز وعزلة لهم عن بقية أبناء شعبهم. وقد نشأت لاحقا قوى وطنية منظمة تعارض التجنيد. وكان من بين أبرز المعترضين على التجنيد الشيخ فرهود فرهود الذي قام لاحقاً في آذار 1972 بتأسيس «لجنة المبادرة الدرزية»، التي كان سكرتيرها عاصم الخطيب الذي سجن فيما بعد بتهمة العضوية في شبكة تجسس لمصلحة العرب. وفي هذا السياق لم يتورع عدد من الشباب الدروز عن التصدي لهذا القانون. وكان من بين أعضاء هذه اللجنة عدد من الشيوعيين أمثال الكاتب محمد نفاع الذي صار، في ما بعد، أميناً عاماً للحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكح) والشاعر نايف سليم وجهاد سعد. وفي ما بعد تعرضت هذه اللجنة للانشقاق، وأسس المنشقون «حركة المبادرة الدرزية» برئاسة الشيخ جمال معدّي.
لكن التيار الوطني بين الدروز شهد أفضل أطواره مع «التجمع الوطني الديموقراطي» بقيادة المناضل عزمي بشارة حين أمكن تأسيس «ميثاق المعروفيين الأحرار» الذي ترأسه بداية المحامي سعيد نفاع، وكان عضوا في التجمع. وما لبث التجمع أن اقام لجنة التواصل لتشجيع التواصل بين دروزالداخل وبقية ابناء شعبهم في الخارج. ومع أن التجمع فصل سعيد نفاع من صفوفه في ما بعد لأنه سلك مسلكاً طائفياً في بعض تحركاته في الكنيست، وهذا مخالف للاتجاه القومي العلماني للتجمع، إلا أن الحركة الوطنية ظلت تتوسع في اوساط الدروز. وما برحت تتصاعد، ويزداد عدد الرافضين للتجنيد الإلزامي ويزداد معه عدد القابعين في السجون الإسرائيلية جراء هذا الموقف. والمعروف أن الدروز دفعوا نحو 350 قتيلاً كجنود في صفوف الجيش الإسرائيلي في معاركه مع العرب طوال الفترة الماضية، ومع ذلك فإن أراضيهم ما زالت عرضة للمصادرة مثل أراضي بقية أبناء شعبهم، ولم تتبدد النظرة العنصرية الإسرائيلية إليهم؛ فولاؤهم لإسرائيل ما زال مشكوكاً فيه لدى الدوائر الأمنية، وهم يخدمون في وحدات عسكرية غير حساسة أمنياً (حراس حدود، سجانون، وحدات مشاة عادية... الخ) ولا يترقون في الرتب إلى أعلى من عقيد.