| 

كانت القضية الأولى التي واجهها النظام السياسي في إسرائيل، فيما يتعلق بعلاقته بالفلسطينيين، هي قضية الهوية وحدود المجتمع. وقد عرّفت الهوية الإسرائيلية على اساس إثني/ ديني، أي تطابق الهوية المدنية والانتماء اليهودي. ولذلك، فإن المجتمع الإسرائيلي يستثني غير اليهود، وخصوصا الأقلية الفلسطينية، لكن عوامل ومتغيرات مهمة تدخلت في تحديد مكانة الفلسطينيين في إسرائيل.
من بين هذه العوامل الرأي العام العالمي (الغربي) الذي أثر في تحديد مكانة الفلسطينيين في اتجاهين متعاكسين: فمن جهة، ساهمت حساسية إسرائيل إزاء الرأي العام في البلاد الغربية في دفعها الى اتخاذ قرار منح الفلسطينيين المواطنة الإسرائيلية وما يترتب عليها من حقوق مدنية، بصورة رسمية على الاقل، ولا سيما حق المشاركة في العملية الديموقراطية. كما ان العامل الدولي شكل طوقاً وقيداً لسياسة دولة إسرائيل تجاه الأقلية، بحيث انه حدد حرية هذه الدولة في تهجير ابناء الأقلية الفلسطينية. وساهم التزام إسرائيل المواثيق الدولية في الحد من إمكان تشريع قوانين عنصرية. ولذلك، فإن القوانين الإسرائيلية، باستثناء عدد ضئيل منها، تتميز بأنها مطاطة، بحيث انها تمنح السلطة التنفيذية مجالا للتمييز، وإن تكن نصوص هذه القوانين لا تميّز بصورة مباشرة.
من جهة أخرى، فإن ما حصلت إسرائيل عليه من اعتراف وشرعية دوليين قد شكل عنصراً سلبياً بالنسبة الى الأقلية العربية ـ الفلسطينية لأنه مكّن الدولة من سلخ قضية الأقلية من القضية العامة، وتخفيض مستواها من قضية قومية الى قضية محلية داخلية، إذ اصبحت قضية الفلسطينيين في إسرائيل قضية حقوق مدنية ومساواة، ولذلك فإنها لا تحظى باهتمام الرأي العام العالمي، او لا يمكن طرحها على مستوى دولي. وباتت القضية الاساسية قضية نزاع بين دول يدعى «نزاع الشرق الأوسط» او «النزاع العربي ـ الإسرائيلي»، لا قضية نزاع بين فئتين قوميتين بشأن الوطن نفسه.
كانت نتيجة هذه العوامل والاعتبارات منح الفلسطينيين الجنسية المدنية وما يترتب عليها من حقوق المشاركة في العملية السياسية، على المستوى الرسمي. لكن مشاركتهم الفعلية قيّدت فلم تتجاوز عملية التصويت في الانتخابات البرلمانية، وأحياناً الانتماء الى أحزاب معينة، مثل حزب مبام والحزب الشيوعي، والتمثيل المحدود في الكنيست. وقد نجم عن الإجراءات التي اتخذت، بحجة الأمن (وهو يشكل في حد ذاته قيمة عليا)، للحد من مشاركة الفلسطينيين ان سدت امامهم جميع الطرق للحيلولة دون وصولهم الى مراكز اتخاذ القرار وتأثيرهم في توزيع موارد الدولة، وبالتالي، كانت حصتهم من هذه الموارد ضئيلة. كما ان الاجراءات تسببت بتقييد حركتهم وتحديد إمكان تنظيم أنفسهم جماعة ضاغطة، واعتبرت محاولات التنظيم غير شرعية في معظمها بادعاء انها معادية للدولة، على الرغم من انها قانونية.
ليس من السهل التمييز بين السياسي والاجتماعي في معاملة دولة إسرائيل للأقلية الفلسطينية، فهما مجالان متشابكان في معظم الأحيان، لأن السياسة في المجال الاجتماعي متأثرة بالمواقف السياسية، وهي مكرّسة لخدمة الأهداف السياسية, ولغرض التحليل، فإننا نميز السياسة التي اتبعت في مجال العلاقات بين الأكثرية والأقلية من مجال العلاقات داخل الأقلية نفسها.
لقد قامت السلطة بتمييز العرب على المستوى الرسمي وبتعريفهم بمصطلحات، مثل «غير اليهود» و«أقليات» و«مسلمون ومسيحيون ودروز وبدو» و«الوسط العربي». بل جرى التمييز حتى في بطاقة الهوية الشخصية. وأدى ذلك الى عزل الفلسطينيين عن الأكثرية اليهودية في جميع الحياة، بما فيها العلاقات اليومية بين الجماعات والأفراد، وبرزت نتيجة المعاملة الخاصة في السكن والعمل والخدمات، وغيرها.
وسهل التوزيع الجغرافي، الذي عززه اتباع سياسة تمييز في مجال السكن، عملية العزل بين الطرفين. اذ ان هذه السياسة لم تشجع انتقال الفلسطينيين الى المدن المختلطة والمدن اليهودية، فلا تزال الاغلبية العظمى من الفلسطينيين تعيش في تجمعات سكانية خاصة بها. وقد ساهمت هذه الحقيقة في تكريس العزل المؤسسي، بحيث ان الفلسطينيين يحصلون على الخدمات في مؤسسات منفصلة. وليس هناك شك في ان إقامة جهاز خاص بالتعليم العربي واستخدام اللغة العربية في مدارسه كانا من أهم عوامل العزل بين الطرفين، بغض النظر عن سبب وهدف الفصل بين جهازي التعليم الإسرائيلي والعربي.
كانت نتيجة سياسة العزل بين الطرفين تكثيف التفاعل والتبادل الاجتماعي داخلياً، وهو ما ساهم في المحافظة على الانسجام في حياة القرية الاجتماعية والثقافية، واستمرار العادات والتقاليد والتراث المشترك التي شكلت أساساً قوياً لاستمرار نسيج العلاقات اليومية. وقد ساهم في تعزيز التفاعل والتبادل تجمع العمال الفلسطينيين في أماكن عمل يشكلون فيها نسبة عالية من العاملين، مثل قطاعي البناء والزراعة، وبعض انواع الصناعات. إضافة الى ذلك، فقد تسببت سياسة التمييز التي أشرنا إليها بإحداث انسجام طبقي ومهني وثقافي بين الفلسطينيين. وبهذا، تكون سياسة العزل الاجتماعي والجغرافي قد انضافت الى سياسة التمييز السياسي والاقتصادي والى الاختلاف الثقافي وأنماط الحياة، مشكّلة حدوداً حاجزة بين الجماعتين. لكن هذه الحدود ودرجة مرونتها ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالسياسة الثقافية التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية، والتي سنعرض لها لاحقاً.
ولقد تجاوزت السياسة في المجال الاجتماعي مستوى العلاقات بين الأكثرية والأقلية الى مستوى العلاقات الاجتماعية داخل الأقلية نفسها. إذ ان هذه السياسة هدفت الى بقاء الفلسطينيين أقلية ضعيفة في جميع المجالات، وغير قادرة على تحمل تبعات النضال ضد سياسة السلطة. ومن اجل تحقيق هذا الهدف، كان لا بد من ان تبقى هذه الأقلية مقطعة الأوصال ومتعددة الانتماءات وهزيلة التنظيم وممزقة الى فئات متنافسة ومتصارعة.
على هذا الاساس تعاملت السلطة مع الفلسطينيين بصفتهم ينتمون الى أديان وطوائف وملل، فقسمت المسلمين منهم الى مسلمين عرب ومسلمين بدو ودروز، وتعاملت مع المسيحيين على اساس الانتماء الطائفي، وشددت على الاختلافات والفوارق، وعملت على طمس المشترك بينهم. كما انها استخدمت سياسة «الجزرة والعصا» في تجزئة الأقلية الى عناصر «ايجابية» وأخرى «سلبية». أما على المستوى المحلي، فقد استغلت السلطة البنية الاجتماعية للقرية العربية الفلسطينية من اجل تجزئة السكان الى فئات وجماعات صغيرة متنافرة ومتصارعة. فعلاقاتها بالأفراد والجماعات كانت تمر عبر زعماء الحمائل والعائلات، الذين كان من الممكن من خلالهم فقط تحقيق مصلحة او منع عقاب وكانت هذه القاعدة التي قامت مؤسسة الوساطة (Protectionism) عليها.
وكان جهاز الحكم العسكري يشكل في العقدين الأولين من قيام الدولة الوسيلة الرئيسية في تطبيق هذه السياسة، فقد تدخل موظفوه في كل كبيرة وصغيرة في حياة المواطن الفلسطيني، وشاركوا في الحياة الاجتماعية للقرية سراً وعلانية، وخصوصاً في تقرير العلاقات العائلية والشخصية. وساهم الجهاز عبر ذلك في تصعيد الخلافات وتأجيج الصراعات، حتى ان الحكام العسكريين قاموا بدور في تحديد الولاءات والتحالفات العائلية والحمائلية.
وتعزز دور جهاز الحكم العسكري بتدخل جهاز الاستخبارات في العلاقات الاجتماعية من وراء الكواليس. ونتيجة هذا التعاون بين الجهازين، وكذلك نشاط اجهزة الحكم الأخرى والمؤسسات المختلفة، استطاعت السلطة التغلغل في حياة القرية وتوجيه التطورات المحلية على نحو يخدم هدف تعميق الخلافات والتمزق، وإنشاء التحالفات وتعزيزها بما يخدم سياسة السلطة.
هدف النظام الثقافي، الذي نتج من طبيعة المجتمع الإسرائيلي، الى ترسيخ ايديولوجيتين، إحداهما خاصة بالمستوطنين والاخرى خاصة بالسكان الأصليين، وظيفتهما تبرير الواقع، ولا سيما أوضاع هؤلاء السكان والسياسة المتبعة تجاههم.
وقد شملت الايديولوجيا الخاصة بالمستوطنين شقين يكملان احدهما الآخر: الاول يبرر الحاجة الى الهجرة وإقامة كيان سياسي خاص، والآخر يبرر السياسة المتبعة إزاء الأقلية الفلسطينية ونتائجها. أما الأيديولوجيا الخاصة بالسكان الأصليين، فلا تختلف عن الاولى، لكنها تشمل مجهوداً لإقناعهم بأنهم لا يشكلون جماعة إنسانية واحدة، وبأن مصالحهم الشخصية تتحقق بمحاباة السلطة ونبذ المصالح العامة، وبأن وحدتهم غير ممكنة والاتفاق فيما بينهم مستحيل. وتشمل هذه الأيديولوجيا ايضاً محاولة إقناع هؤلاء بأن السبب الحقيقي لتدني أوضاعهم هو ثقافتهم، أي تفسير التخلف بالتخلف، وبأن الأوضاع التي يعيشونها افضل كثيراً من أوضاع آبائهم وأجدادهم، ويعود الفضل في ذلك الى «التمدن» الذي أتى مع مجيء المستوطن المتطور.
وتم تكريس هاتين الأيديولوجيتين عن طريق سيطرة السلطة المركزية في إسرائيل على اجهزة التنشئة السياسية الرئيسية التالية: جهاز التعليم، وسائل الإعلام، الجيش، وسائل الاتصال بين الأكثرية والأقلية وبين الأخيرة والعالم الخارجي. فالسلطة هي التي تنتج منهاج التعليم وتقره، وتعين المدرسين في المدارس، وتحتكر وسائل الإعلام الجماهيرية الرئيسية (محطتا التلفزة والإذاعة...) التي تخضع لسلطة البث الحكومية، وتفرض رقابة على الصحافة. وتساهم في التنشئة السياسية أيضاً الابحاث الاكاديمية، التي تشكل دعامة قوية للأيديولوجيا الاستيطانية ووسيلة مهمة في بلورة المواقف من السكان الأصليين.

* لمزيد من التفصيل أنظر: عزيز حيدر، الفلسطنييون في اسرائيل في ظل اتفاق اوسلو، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية ١٩٩٧.