| 

هناك خيط درامي إنساني واحد جَمَع الفيلمين الوثائقيين الجديدين «وطن» للهولندي جورج سلاوزر و«أطفال الحجارة ـ أطفال الجدار» للألماني روبرت كريغ: العودة إلى الماضي بحثاً في الراهن، أو العودة إلى الأشخاص أنفسهم الذين التقاهم المخرجان سابقاً، بطريقة أو بأخرى، لمعاينة المآل التي بلغها هؤلاء في مسارهم الحياتي الطويل. الفيلمان الوثائقيان منصبّان في الهمّ الفلسطيني: الأول تابع مصائر أفراد عائلتين تعرّف المخرج سلاوزر إليهم في منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وظلّ يزورهم في الثمانينيات، إلى أن التقاهم مجدّداً في مطلع العام الجاري. الثاني انطلق من صورة فوتوغرافية التُقطت عام 1989، في ذروة انتفاضة الحجارة، جمعت ستة أطفال في بيت لحم رفعوا شارة النصر، فإذا بالمخرج كريغ يحمل كاميراه بحثاً عنهم للقاء مفتوح على الحراك الفلسطيني على مدى واحد وعشرين عاماً، من خلال عيون أولئك الذين شاركوا في انتفاضة الحجارة صغاراً، وباتوا اليوم رجالاً أسرى جدار الفصل العنصري.
يخلو الفيلمان، من حساسية سينمائية مغايرة، على الرغم من الأهمية الإنسانية التي تمتّعا بها. فالاشتغال البصري عاديّ، وإن عاد سلاوزر مراراً إلى اللقاءات السابقة التي صوّرها في أفلامه القديمة، مُدخِلاً مقتطفات منها في السرد الحكائي، وجاعلاً بعضها دليلاً على التبدّل الحاصل في نمط التفكير الفردي. والبحث في المسارات المختلفة التي عاشها الأفراد جميعهم، «أبطال» الفيلمين، ظلّ عادياً في استخدام مفرداته الفنية والدرامية والجمالية. والتوغّل في عمق اللحظات الشاهدة على أحوال هؤلاء الأفراد في علاقاتهم مع أنفسهم ومع بعضهم البعض ومع الآخرين، أي أحوال الناس والمجتمع والبيئة والسياسة والحياة اليومية، هذا التوغّل لم يخرج على نسقه الإنساني إلى تفعيل الصورة السينمائية، وجعلها أقدر على منح الحكايات شيئاً من جمال الشكل، بل ظلّ بسيطاً على المستوى السينمائي، في مقابل جمالية المقارنة بين الماضي والآنيّ. بمعنى آخر، وفي مقابل مضمون هادف إلى إدراك التحوّلات الحاصلة في فلسطين، في مستويات العيش كلّها، ظلّ الشكل عادياً، بل أقرب إلى النمط التقليدي في صنع الفيلم الوثائقي. وهذا لم يُخفِّف من أهمية المادة، لأن المادة جزءٌ من معاينة المسار الإنساني لأناس لا يزالون يعانون الأمرّين في أحوال عيشهم في بلدهم المحتلّ والممزّق.

*****
في مقابل الانطلاق من صورة فوتوغرافية قديمة، هناك العودة السينمائية والإنسانية إلى ماض حفر عميقاً في وجدان الناس وأفكارهم، قبل أن يتحوّل إلى ذكرى. وفي مقابل الانتقال من حجارة الانتفاضة الأولى إلى جدار الفصل العنصري (لا شكّ في أن عنوان فيلم روبرت كريغ، على الرغم من بساطته، أعمق درامياً وأجمل فنياً)، هناك مراحل متفرّقة لمجموعة عمليات انتقال أدركها أفراد أسرتين فلسطينيتين (مسيحية ومسلمة)، قبل بلوغهم الراهن، بتبدّلاته القاسية. فالانتقال المُصَوَّر في «وطن» حاصلٌ في الجغرافيا (هجرات ومناف وحالات موت/ استشهاد) كما في الذات والروح الإنسانية. تماماً كما هو واقع حال الانتقال الحاصل في «أطفال الحجارة ـ أطفال الجدار»: من الطفولة وحماستها في قلب انتفاضة الحجارة، إلى ما يُشبه اليأس من الحالة الراهنة التي يعيشها الناس على التخوم القاسية لجدار الفصل العنصري. في حين أن ثنائية الطفولة / المراهقة/ الشباب الأول والحماسة النضالية فاعلةٌ، هي أيضاً، في «وطن» جورج سلاوزر: عرفت المراحل الأولى للصراع (السبعينيات والثمانينيات تحديداً) «تورّطاً» فعلياً لمقاتلين ومناضلين في العمل العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه في لبنان. بينما اتسمت المراحل اللاحقة بكثير من الهدوء والعمل السياسي وتبدّل بعض تفسيرات المفاهيم الأساسية، كالحرية والتحرير والوطن والعمل الميداني، من دون أن تفقد المفاهيم نفسها هذه مضامينها الأصلية وثوابتها الفكرية. بمعنى آخر، لم تعد الحماسة الانفعالية والعفوية، المنطلقة من عمق الفرد الفلسطيني المشغول بهموم الوطن والأرض والتحرير والنضال والاستقلال، عاملاً أساسياً في خوض الصراع ضد إسرائيل، لأن هذه الأخيرة أمعنت فتكاً بالأرض والمجتمع والبيئة والناس، بالإضافة إلى تغيير منطق الصراع، ودخول السلاح إلى صلب الانتفاضة الثانية وتعطيل مفاوضات السلام وغيرها، والحصار المدوّي الذي فرضته إسرائيل على أبناء بيت لحم (أطفال الحجارة ـ أطفال الجدار)، ما جعل وضعهم المعيشي والاقتصادي سيئاً للغاية، لأنها منعت عنهم العمل فيها.

*****
على الرغم من إصابته بعارض صحي منعه من المشي بسهولة على قدميه، جال جورج سلاوزر مدناً وبلداناً عدّة، بحثاً عن شخصيات أفلامه السابقة، التي أنجزها بين العامين 1974 و1983. التقاهم في جغرافيا انتشارهم، بين بيروت وفلسطين وإيطاليا وغيرها. سألهم بعضاً من أسئلته الماضية، فحصل على أجوبة مختلفة، أو متناقضة أحياناً. استعاد معهم الماضي وتفصيلاته وهمومه وهواجسه ونضالاته. زار قبور الشهداء منهم. وفي هذا كلّه، رسم لوحة إنسانية جميلة عن التقلّبات والتحوّلات التي طرأت على الجميع جرّاء انهيارات شتى عرفها هؤلاء وعاشوا تداعياتها عليهم. واللقطة المؤثرة كامنةٌ في لقاء المخرج عجوزاً بلغ الثانية والتسعين الذي لم يستطع حبس دموعه أمامه، قائلاً لأفراد عائلته الملتفين حوله: «إنه لا يزال يتذكّرنا بعد هذا الوقت كلّه». براعة جورج سلاوزر واضحة في قدرته على مزج اللحظات المؤثرة بوقائع التحوّل. والتحوّل هنا حاضرٌ في المقاربات الأكثر واقعية في التعاطي مع الحالة الفلسطينية، بالنسبة إلى الهوية والتزام الكفاح المسلّح والعمل السياسي والعيش اليومي.
اللافت أن التحوّل وتأثيراته السلبية في الفلسطينيين شكّلت العنوان الرئيس للحالة التي عاشها الأطفال/ الرجال الستة في واحد وعشرين عاماً. أطفال الحجارة باتوا، اليوم، رجالاً مقيمين على حافة الجدار. أو بالأحرى في قلب الهاوية التي صنعتها إسرائيل، بتشييدها الجدار، وبما فعله الجدار في الجغرافيا والنفوس والحياة اليومية. فالحصار الاقتصادي فرض نمط عيش على الفلسطينيين لا يليق بالمكانة الإنسانية للفرد. فإذا بهؤلاء الرجال يشتغلون في أمور شتى للحصول على بعض المال لإعالة أنفسهم وعائلاتهم، بعد أن خاضوا حرباً مفتوحة مع إسرائيل بحجارة الانتفاضة الأولى. في حين أن السخرية بادية في بعض أقوالهم العفوية، لكن الطالعة من أعماق جراحهم، كأن يقول أحدهم إن صهاينة عديدين كانوا يستفيدون من حجارة الانتفاضة لتشييد منازلهم أو ترميمها بها. وهذا من دون تناسي السخرية من الواقع السياسي والحياتي أيضاً. في «أطفال الحجارة ـ أطفال الجدار»، هناك أيضاً لقطات مصوّرة سابقاً، استفاد روبرت كريغ منها بصرياً.
فيلما سلاوزر وكريغ شهادة إضافية على بؤس الحياة الفلسطينية وبشاعة الاحتلال الإسرائيلي، بعيداً عن أي خطابية فجّة.