| 

وُلدت إسرائيل كدولة يهودية وكدولة لليهود. أقامها اليهود، وهي أقيمت من أجلهم. هذا ما تقره وثيقة إعلان دولة إسرائيل، الوثيقة التي لم يكن هناك حاجة إلى تحويلها إلى تشريع قانوني رسمي. ولهذا الأمر دلالتان: الأولى، أنها ليست دولة مواطنيها، أي أنها ليست دولة للفلسطينيين في داخلها؛ الثانية، إن الدولة هي دولة من هم خارجها، أي جميع يهود العالم، إذ يستطيع أي يهودي في العالم أن يهاجر إلى إسرائيل، ويصبح مواطناً فيها بين ليلة وضحاها.
لقد شكّل بقاء 150,000 فلسطيني داخل إسرائيل في إثر حرب 1948 نوعاً من الأعجوبة التاريخية لكلا الطرفين، الطرف العربي الباقي في وطنه، والطرف اليهودي. وقد اعتبر الطرف العربي هذا الأمر أعجوبة قياساً بـ800,000 لاجئ فلسطيني خسروا بين ليلة وضحاها، ومن دون أي سابق إنذار، بيوتهم وأرضهم ووطنهم، وبالتالي، شعر هؤلاء الذين بقوا في وطنهم بأن الله أسعفهم، وبأن الحظ حالفهم، ويكفينا أننا بقينا في وطننا. وبالإضافة إلى ذلك، شكل هذا الأمر أعجوبة أيضاً بالنسبة إلى الأغلبية اليهودية، علماً بأن قرار التقسيم نفسه، الذي هللت له القيادة الصهيونية (من دون أن تكون راغبة في تطبيقه حرفياً) كان يقضي بأن يكون داخل حدود الدولة اليهودية نفسها ما لا يقل عن 600,000 فلسطيني (في مقابل نحو 650,000 يهودي). وبالتالي، عندما وجدت إسرائيل نفسها مع انتهاء المعارك في سنة 1948 دولة تزيد مساحتها على تلك التي أقرها لها قرار التقسيم، ومع ربع السكان الفلسطينيين داخلها، احتفلت بهذا «الإنجاز» لأنه فاق أي سيناريو إيجابي كان يحلم به مؤسسو الدولة. ولذلك، فإن منح الفلسطينيين الباقين في وطنهم المواطنة الإسرائيلية شكل نوعاً من «الهدنة»، أو الحل الوسط الذي قبله الطرفان، وكان كل منهما راضياً عنه لأسبابه الخاصة: الفلسطينيون راضون لأنه على الأقل يضمن لهم البقاء على أرضهم، واليهود يقبلونه باعتبارهم اضطروا إلى منح عدد ضئيل من الفلسطينيين فقط المواطنة من دون غيرهم. وفي الحقيقة لم يكن أي من الطرفين «سعيداً» بهذا الزواج القسري: فالدولة الإسرائيلية والمواطنة الإسرائيلية فُرضتا على الفلسطينيين، في حين فُرض الفلسطينيون على الدولة الإسرائيلية. وفي كلتا الحالتين، لم يأخذ أي طرف هذه المواطنة على محمل الجد: فالفلسطينيون لم يعتبروا الدولة دولتهم، ولم يأخذوا المواطنة بجدية، والدولة من طرفها لم تعتبرهم مواطنيها بحق وحقيقة، ولم تر لزاماً عليها أن تهتم بأمرهم. وأعتقد أن كلا الطرفين كان مرتاحاً إلى هذه المعادلة في تلك الأيام التي عاش فيها الفلسطينيون على هامش الدولة تماماً من دون أن يكونوا جزءاً منها.
كانت إسرائيل العقود الأولى أقرب إلى الثورة منها إلى الدولة: لا دستور للدولة؛ حدودها غير معرّفة وغير معترف بها، وما هي إلا تعبير عن موازين قوى حربية؛ مواطنوها المنتظرون لا يزالون خارج حدودها ويجب استحضارهم، بينما مواطنوها الفعليون ـ العرب ـ ليسوا مواطنيها تماماً؛ أغلبية الأراضي داخل الدولة لا تزال ذات ملكية فلسطينية ويجب الاستيلاء عليها. ولذا كانت إسرائيل العقود الأولى كأنها استمرار للمشروع الاستيطاني الصهيوني الذي يهدف إلى السيطرة على الأرض، واستيعاب الهجرة اليهودية، وكان ولاء الدولة مكرساً لهذه المشاريع لا لمواطنيها.
في تلك الأوضاع لم يكن هناك أي معنى للحديث عن المساواة بين الفلسطينيين واليهود في إسرائيل: كان هناك منتصر وخاسر، شعب يخسر وطناً وشعب يلد وطناً؛ شعب ينهي حالة اللجوء وشعب يتحول إلى لاجئ، فما معنى المساواة في أوضاع كهذه؟
سنعرض مثالاً لذلك كي نوضح صورة الوضع في مستهل الخمسينيات: لقد بادرت الحكومة الإسرائيلية إلى تشجيع المواطنين اليهود على السكن في المستعمرات المتاخمة للحدود، كي تمنع «المتسللين» الفلسطينيين من العودة إلى قراهم المهجرة، وفي سبيل ذلك مكّنت الناس من أخذ القروض وقدمت تسهيلات ضريبية. ماذا تعني المساواة للعرب في هذه الحال؟ أن يطالبوا بإقامة مستوطنات لهم من النوع نفسه مع إعفاءات ضريبية؟ لنأخذ مثلاً آخر هو المحفزات التي وفرتها الدولة لتشجيع المستوطنين الجدد على الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين اللاجئين. بماذا سيطالب الفلسطينيون في المقابل؟ موضوع آخر هو مصادرة الأراضي. لقد استقبلت إسرائيل في الأعوام الأولى لتأسيسها مئات الآلاف من اليهود الشرقيين، وكان من الواضح أن هناك ضرورة لبناء مساكن لهؤلاء علماً بأن أراضي البناء، في معظمها، كانت بأيد فلسطينية. ولم توجد حاجة مماثلة لدى الفلسطينيين آنذاك. فقد كان هناك فائض سكاني يهودي ونقص في الأراضي، بينما انعكس الوضع لدى الفلسطينيين. مثال آخر هو تلك القوانين التي تتعلق بتقديم قروض ومنح وهبات إلى جميع أولئك الذين شاركوا في المجهود الحربي من أجل إقامة الدولة. من الواضح أن المستفيد الوحيد من هذه القوانين هو الجنود اليهود وغيرهم ممن بذلوا جهداً في ذلك. كيف يستطيع الفلسطيني أن يصوغ مطلب المساواة بهذا الصدد؟ هل يطالب، مثلاً، بأن تقدم التسهيلات والمعونات الاقتصادية والضريبية إلى أولئك الفلسطينيين الذين شاركوا في المجهود الحربي ضد إقامة الدولة؟
في هذه الأوضاع فإن خطابي المواطنة والمساواة، مشلولان ومشوّهان ولا معنى لهما أصلاً، إذ لا توجد أرضية مشتركة ولا أي مرتكز مشترك يمكن الانطلاق منهما للحديث عن حقوق متساوية، كما لا وجود لمنطقة وسطى تمهد الأرضية للحديث عن المواطنة.
على مدى عقود لم تكن إسرائيل بحاجة إلى تشريعات واضحة تضمن يهوديتها، فيهودية الدولة كانت أمراً مفروغاً منه، وهي حقيقة جغرافية وطبيعية تاريخية. كذلك لم يكن هناك حاجة إلى إقرار قوانين تمييزية صارخة، وقليلاً ما يمكن العثور في إسرائيل على قوانين تمييزية صارخة تكرس التفوق اليهودي، والسبب في ذلك يعود إلى كون يهودية الدولة حاضرة في كل شيء، وفي كل مكان، ومختبئة وراء كل نص، من دون الحاجة إلى أن تفصح عن نفسها. فـ«الماكينة» بأكملها تقوم على هذه الفرضية، والدولة بمجملها تقوم على خدمة هذا المشروع، وهو الحقيقة السرمدية، تلك الحقيقة التي تنظم المشروع، من دون الحاجة إلى الإفصاح عنها قانونياً يوماً بعد يوم.
في المحصلة، لم يكن لدى إسرائيل حاجة إلى نظام أبارتهايد، فقد وفرت على نفسها هذا النظام بطريقتين: الأولى، عبر طرد قسم كبير من الفلسطينيين، ومع إقصاء الفلسطيني جسدياً تبطل الحاجة إلى إقصائه من صلب النص، فالتمييز هو علامة على الوجود، لكن حين يختفي الوجود الفلسطيني تُلغى الحاجة إلى إخفائه قانونياً وإلى التمييز ضده؛ الثانية، وهي مهمة لكل ما يتعلق بالفلسطينيين الذين بقوا داخل إسرائيل، إذ إنها تقوم على سن تشريعات تخاطب متطلبات معينة لفئات محددة داخل الشعب اليهوي، من دون سن تشريعات تفصل بين اليهود والعرب مباشرة. وقد سهّل الاختلاف المعيشي بين العرب واليهود، جغرافياً وتاريخياً ودينياً، هذه المهمة على حكومات إسرائيل، ولم يكن هناك حاجة إلى فصلهم بعضهم عن بعض قانونياً لأنه لا يوجد ما يجمعهم أصلاً. وبهذه الطريقة ولهذا السبب اختفت الدولة اليهودية من معظم الوثائق القانونية أربعة عقود أو أكثر، ليس لأنها لم تكن حاضرة، وإنما لأن حضورها كان من البديهيات.
عندما واجهت المؤسسة الإسرائيلية التحدي الأول ليهودية الدولة في سنة 1965 من خلال «حركة الأرض»، فوجئ النظام القانوني الإسرائيلي برمته بعدم وجود أي نص قانوني يمنح أي هيئة أو مؤسسة، بما فيها المحكمة العليا، صلاحية منع أي حزب سياسي من المشاركة في انتخابات الكنيست إذا كان لا يعترف بإسرائيل دولة يهودية، وإذا كان يتحدى طبيعتها. لقد احتاجت المحكمة العليا الإسرائيلية إلى نظريات وادعاءات قانونية مبنية على نظريات القانون الطبيعي ـ وليس الوضعي ـ لتبرر قرارها بمنع الحزب من خوض الانتخابات وحظره. إن غياب نص قانوني يمنح المحكمة صلاحية كهذه، لم ينبع من خلاف بشأن تعريف إسرائيل كدولة يهودية وكدولة اليهود، وإنما على العكس من ذلك تماماً، لم يفطن أحد إلى ضرورة وضع نص قانوني واضح يلزم الأحزاب المشاركة في الانتخابات الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، لأن هذه الحقيقة تشكل بديهية مفروغاً منها.
بيد أن شيئاً ما حدث خلال الخمسينيات والتسعينيات، الأمر الذي أوجد الحاجة إلى تعريف إسرائيل داخل النص القانوني باعتبارها دولة يهودية. وسأعرض فيما يلي هذه التطورات باختصار شديد:
أولاً: انتخابات الكنيست في سنة 1977 والانقلاب على السلطة، إذ خسر حزب مباي السلطة لأول مرة، وحل محله حزب الليكود. وكان مصوّتو الليكود، في معظمهم، من اليهود الشرقيين الذين قدموا من الدول العربية خلال الخمسينيات، أي أنهم لا ينتمون إلى جيل مؤسسي الدولة.
وكان لهذا التغيير مدلولات عديدة، أهمها حدوث انقطاع بين حالة الييشوف، أي اليهود في فلسطين قبل قيام إسرائيل، والدولة. فالدولة الإسرائيلية ليست استمراراًً للييشوف اليهودي، ومن يقرر تركيبة الكنيست والحكومة هو الشعب الإسرائيلي برمته وليس جيل المؤسسين. وشكلت هذه اللحظة علامة فارقة انتصرت فيها الدولة ومؤسساتها على الثورة التي أنتجت الدولة.
ثانياً: حدثت تطورات اقتصادية مهمة خلال الثمانينيات تمثلت في عملية الخصخصة الاقتصادية، وخروج الدولة من السوق، ونشوء اقتصاد حر مع استقلال نسبي عن سيطرة الدولة. وتم بذلك فصل الدولة عن السوق، إضافة إلى فصل الدولة عن المجتمع.
ومن مفارقات القدر أن هذه الليبرالية الاقتصادية التي قادها حزب الليكود، وإن كان الأمر بتأثير السياسة النيوليبرالية العالمية خلال أواسط الثمانينيات، سمحت بتطور بعض النخب الاقتصادية العربية داخل إسرائيل، وببروز الطبقة الوسطى التي تطور لديها وعي قومي حرر العرب من قبضة السياسة الاقتصادية المركزية للهستدروت وأذرعها.
ثالثاً: رافق هذه الليبرالية الاقتصادية، ليبرالية سياسية أيضاً، وإن لم يترافق هذان العاملان حتمياً. فقد صدّعت حرب 1973 الإجماع القومي الصهيوني، وأجبرته على الصحو من سكرة حرب 1967، كما ازدادت الأصوات النقدية داخل المجتمع الإسرائيلي.
غير أن أهم هذه التطورات حدث في المجال القانوني، وخصوصاً في المحكمة العليا التي شعرت بأن مرحلة تأسيس الدولة وتقرير الحق الجماعي انتهت، وأن إسرائيل أثبتت وجودها، وبعد أن تحقق تقرير مصير الجماعة، أصبح من الممكن والضروري تحقيق تقرير مصير الفرد ـ المواطن. وعلى هذه الأرضية أصدرت المحكمة العليا العديد من القرارات التي تمنح المواطنين الحريات السياسية، وتحد من قدرة الدولة على التدخل في شؤونهم الفردية والشخصية، وتضع حدوداً للرقابة العسكرية والسياسية.
رابعاً: مع مرور الزمن أقامت الدولة مؤسسات عديدة ذات طابع دولتي، مستبدلة بذلك مؤسسات الييشوف التي كانت قائمة على أساس قومي ـ إثني يهودي. فالمؤسسات الدولتية بحكم تعريفها هي مؤسسات لجميع المواطنين وليست لليهود فقط، وكان الكنيست نفسه أولى هذه المؤسسات. ثم فتحت الهستدروت أبوابها للعمال العرب رويداً رويداً، وجرى تأسيس وإقامة هيئات دولتية أخرى تقوم بحكم طبيعتها الدولتية بتمثيل مصالح المواطنين كافة.
إلا أن التغيير الجدي والتصعيد الأكبر بدآ يظهران في مستهل التسعينيات، حين نادى التجمع الوطني الديموقراطي بشعار «دولة كل مواطنيها»، وساهم عزمي بشارة شخصياً في توضيح هذا الشعار ونشره وإدراجه في جدول أعمال النخب الثقافية والصحافة الإسرائيلية. وقد حقق هذا الشعار بعض الإنجازات المهمة خلال التسعينيات. وكانت إسرائيل في تلك الفترة، وخصوصاً بعد اتفاق أوسلو، على ثقة كبيرة بالنفس، يغمرها الشعور بأن مشروعها التاريخي انتصر، وأن الفلسطينيين والعرب ودول المنطقة برمتها يوشكون أن يقبلوا بها، وبذلك تطبّع وجودها نهائياً. وعزز هذا الشعور تدفق أفواج المهاجرين الجدد الذين بلغ عددهم نحو مليون مهاجر، واعتُبر ذلك إنجازاً ديموغرافياً مهماً عزز موقع الأغلبية اليهودية في البلد.
يجب ألا يفهم مما ورد كأن إسرائيل التسعينيات كانت دولة ليبرالية مدنية، دولة المواطنين، دولة حيادية وتنشد المساواة، فقد كانت لا تزال بعيدة عن ذلك، وجلّ ما حدث في هذا العقد هو وضع هذا الإمكان على الطاولة وتداوله. وحتى أعوام قليلة خلت، عندما كنت تقول: «الدولة»، فإن يهوديتها كانت مضمرة في المصطلح نفسه، أما في التسعينيات فقد أصبح الموضوع قابلاً للنقاش وأصبح على الدولة أن تختار يهوديتها.
شكل تطور الخطاب المدني جزءاً فقط مما كان يعتمل في المجتمع الإسرائيلي في العقود الأخيرة. وفي مقابل تطور هذا الخطاب، ظهر الخطاب اليهودي الديني المشيحاني، وخصوصاً بعد حرب 1967، حين استعادت القوى الدينية ثقتها بنفسها، وأسبغت على هذا الاحتلال معاني دينية، وأصبح صوغ الأسئلة السياسية عن إمكان إخلاء أماكن مقدسة للشعب اليهودي، مثل الخليل، خاضعاً للخطاب الثيولوجي الديني بدلاً من أن يكون خاضعاً لموازين قوى أرضية سياسية. ووجد هذا الخطاب تعبيره الأقوى داخل القوى الدينية القومية، وداخل المعاهد الدينية القومية (اليشيفوت)، وكانت حركة «غوش إيمونيم» أحد تجلياته الواضحة.
وقف هذا الخطاب بالمرصاد لمن يختلف معه في الرأي، وكانت أولى ضرباته اغتيال رئيس الحكومة السابق يتسحاق رابين في سنة 1995، إذ في ذلك الوقت، علل القاتل يغآل عمير فعلته بكون اتفاق أوسلو الذي قاده رابين، قد تم تمريره في الكنيست بالاعتماد على أصوات أعضاء كنيست عرب، ودلالة ذلك أن الشعب اليهودي فقد قدرته على تقرير مصيره بيديه، وأوكل جزءاً منه إلى أياد عربية. وبالتالي، فإن هذا الشعب، وفق منطق عمير، لم يعد سيداً وحيداً لا منازع له في السيادة على البلد وفي اتخاذ القرارات الحاسمة. وقد اجتاح هذا التيار الجارف إسرائيل بقوة كبيرة بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، واستعاد اليمين الإسرائيلي ثقته بنفسه باعتبار أن الانتفاضة أثبتت أن «لا شريك فلسطينياً للسلام». وقد أثارت فكرة «إسرائيل دولة كل مواطنيها» الذعر لدى اليهود الإسرائيليين، وهم يسعون لدفن الفكرة كي يعفوا أنفسهم من ضرورة التفكير فيها أصلاً. إن السهولة النسبية التي يتم فيها نجاح اليمين في إسرائيل في تحقيق ذلك تدل على هشاشة الإنجازات التي تحققت في التسعينيات، والتي على الرغم من كونها إنجازات محدودة جداً ومتواضعة فإنها كانت كافية لاستنفار قوى عديدة لإعادة الولاء إلى يهودية الدولة.
سيكون من الخطأ الفادح الاعتقاد أن يهودية الدولة هي موضوع يخص اليمين الإسرائيلي فقط، إذ إنه موضوع إجماع داخل المجتمع الإسرائيلي، لكن ذلك لا يعني أن هناك تطابقاً كاملاً بين الصيغة التي يرتئيها اليمين الإسرائيلي وتلك التي يرتئيها اليسار الليبرالي، على ضآلته وهامشيته.
إن القضية الأساسية التي يلتقي فيها اليسار واليمين تتعلق بالإبقاء على أغلبية يهودية داخل إسرائيل، وبالتالي معارضة كلية لحق العودة. كذلك يلتقي الطرفان على موضوعات أخرى أقل أهمية، مثل دور اللغة العبرية في الحياة العامة، وعلاقة الدولة بيهود المهجر. غير أن نقاط الاتفاق والإجماع يجب ألا تخفي عن الأعين نقاط الخلاف، وإن كانت هذه الأخيرة آخذة في الاضمحلال.
يبقى من المثير التعامل مع طلب الاعتراف بحقوق اليهود كمجموعة قومية، وخصوصاً عندما يأتي الأمر من الليكود، الوارث الطبيعي لحركة حيروت، ابنة التيار التنقيحي في الصهيونية. لقد كتب جابوتنسكي في سنة 1927 مقالته الشهيرة عن الجدار الحديدي، والتي فحواها أن لا طائل من محاولة استرضاء الفلسطينيين والعرب بصورة عامة، لأن ذلك يعتبر استهزاء بهم. فالعرب، كبقية الشعوب الأصلية، لن يقبلوا الوجود القومي اليهودي، وسيرفضون الصهيونية، وكذلك التنازل عن وطنهم، وبالتالي يجب ضربهم بقوة وإقامة جدار حديدي بين الدولة اليهودية التي ستقوم وبينهم. ولا بد من أجل تحقيق ذلك من الركون إلى قوة دولية عظمى تساند الدولة اليهودية. إلا أن أهم ما في المقالة هو غياب الحاجة والرغبة في الوصول إلى اعتراف العرب بحقوق اليهود. وبمصطلحات هيغلية، يمكن القول إن جابوتنسكي لم يكن يعتقد أن السيد يحتاج إلى اعتراف العبد به، إذ يكفيه اعتراف الأسياد الآخرين به سيداً، وليذهب العبد إلى الجحيم.
إنه لمن المثير للانتباه أن اليمين الإسرائيلي لا يكتفي بلغة القوة والأمر الواقع، بل يريد التحول إلى لغة الاعتراف، أي إلى لغة الحقوق. فهو يريد اعترافاً فلسطينياً بحق اليهود في تقرير المصير في دولة خاصة بهم. إن نتنياهو يريد من وراء ذلك حالة الوصول إلى حل أن نهائي، أي أن يحل مشكلة سنة 1967 وكذلك مشكلة سنة 1948. وبهذا المعنى، فإنه يريد حلاً جذرياً، لكن من دون العودة إلى الجذور، ويريد إقفال الملف التاريخي قبل أن يفتحه أصلاً، ويريد من الفلسطينيين التنازل عن حق العودة قبل أن يعترف بوجود حق كهذا. إلا أنه على الرغم من هذا وذاك، فإن الانتقال إلى خطاب الاعتراف وخطاب الحقوق يجب ألا يخيف الفلسطيــنيين. إن أي حل تاريخي مع إسرائيل، وليس مجرد تسوية، عليه أن يوضح ما هي حقوق اليهود.
إن نتنياهو من دون أن ينتبه، ومن غير قصد، يجعل حق اليهود في فلسطين موضوعاً للنقاش، فضلاً عن أنه يدعو العرب والفلسطينيين إلى التدخل في طبيعة الدولة اليهودية وشكلها.
إن اشتراط نتنياهو بعضه تعجيزي يهدف إلى عرقلة المفاوضات، لكن بعضه الآخر يشكل اعترافاً ضمنياً بأن الحصول على اعتراف السيد وراء البحر، لا يكفي لإنجاح مشروع الدولة اليهودية، وأن لا بديل من اعتراف الضحية نفسها.

رائف زريق كاتب وأكاديمي فلسطيني. تُنشر هذه المقالة في العدد الرابع والثمانين من «مجلة الدراسات الفلسطينية»