| 

كتب المؤرخ الدكتور كمال الصليبي في تاريخ لبنان وسورية والاردن وتاريخ شبه الجزيرة العربية، وكانت له في ذلك كله مساهماته المميزة والفريدة والمثيرة للجدل في آن. وقد اشعل في سنة 1985، حين صدر كتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب» نقاشاً لم يهدأ، وشغفا بالحقيقة التاريخية لا يلين. ثم كتب «خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل» (1988) و«حروب داود» (1991) و«عودة الى التوراة» (2009) و«حكايات بني إسرائيل» (2010). وفي هذا الحوار يعيد كمال الصليبي النظر في المفهوم التقليدي لتاريخ بني إسرائيل، ويبرهن عن انهم لم يقطنوا فلسطين على الاطلاق، بل أقاموا في السراة وتهامة من بلاد عسير. وقد كانت الغاية من الحوار مع كمال الصليبي البحث في مفهوم «يهودية الدولة الإسرائيلية» الذي تفرضه إسرائيل اليوم على الفلسطينيين كشرط من شروط التسوية، إلا اننا آثرنا ان نبدأ من الأخبار التي تحدثت عن وجود نقوش اشورية في فلسطين تحمل اسماء مثل مناحيم وشمرون. وسألناه إذا كان ذلك صحيحاً فهذا يناقض نظريتك عن التاريخ القديم لبني إسرائيل؟.
- هذه الآثار او النقوش التي تحدثت عنها، والتي ذكرتها الأخبار عثر عليها في بلاد بابل وليس في فلسطين... لم يعثر على أي اثر من هذا النوع في فلسطين حتى الآن، ولا تزال اعمال الحفر والتنقيب مستمرة بلا طائل. وأنا على استعداد للتراجع علنا عن نظريتي في أي وقت يثبت فيه علماء الآثار المرموقون، وبشكل قاطع، ان مثل هذه الآثار موجودة فعلا في فلسطين. واعتقد ان الحفريات لن تكشف عن أي شيء في هذا الميدان.
* هل شهد تاريخ فلسطين أي سابقة تشير الى ما يسمى «يهودية الدولة الإسرائيلية»؟
- ماذا تعني بالدولة اليهودية الإسرائيلية أولاً. إذا كان المقصود شعب وأرض ونظام لفترة قصيرة وعابرة، فربما يكون ذلك صحيحاً نسبيا. لنقل ان شخصا اطلق على نفسه اسم «ملك إسرائيل» وكان اسمه شاوول. وبعد موت شاوول جاء داوود وخاض حروبا محلية ونصب نفسه «ملكاً» على احد فروع بني إسرائيل أي قبيلة بني يهوذا. وقد تضعضعت هذه القبيلة واحوالها بعد موت شاوول. لذلك جاء باقي اسباط إسرائيل الى داود واختاروه «ملكاً» (او شيخاً) على جميع قبائل بني إسرائيل. ثم مات داود فتبعوا ابنه سليمان. ولما مات سليمان التحقت قبيلة يهوذا بابنه رحبعام. ولكن، في تلك الاثناء، جاء شخص من قبيلة إسرائيلية اخرى ونصب نفسه بمساعدة مصر ملكاً، وسمى نفسه «ملك إسرائيل». واستمرت مملكته حتى سنة 721 ق.م. وهذه المملكة لم تكن في فلسطين قط، بل في الجزيرة العربية. ثم جاء الاشوريون فهزموا بني إسرائيل وشردوهم. هذا فيما يتعلق بمملكة إسرائيل. أما مملكة يهوذا فقد استمرت فترة من الزمن حتى قضى عليها نبوخذ نصر في عهد الدولة البابلية. إن فكرة المملكة في تلك الايام لم تكن تعني كما تعني في هذه الايام. نبوخذ نصر قضى على مملكة يهوذا سنة 586 ق.م. وقضى الملك الاشوري شلمنصر على مملكة إسرائيل عام 721 ق.م. والمملكتان مجرد تجمع لأسباط (أي قبائل) وليستا من الممالك الكبيرة في التاريخ.
* ماذا عن المملكتين: طبيعتهما والبنى التكوينية لهما؟
- مملكة يهوذا كانت تضم قبيلة بنيامين وقبيلة يهوذا، وقبيلة لاوي التي يأتي منها الكهنة. إن نصوص التوراة التاريخية عموما مكتوبة من وجهة نظر مملكة يهوذا لانهم كثيرا ما كانوا ينتقدون مملكة إسرائيل. أما مملكة إسرائيل فكانت في فترة من فتراتها اقوى عسكرياً من مملكة يهوذا. ولكن مملكة يهوذا كانت اكثر جبلية، والظاهر ان أفرادها تمرسوا بالقتال والمعارك فاستمرت مدة اطول، وحافظت على شريعة موسى أكثر، وكان لديها كهنة مؤتمنون على عقيدة الشعب. إذاً، كانت هناك مملكة شاوول إسرائيل، ومملكة كل إسرائيل، ومملكة يهوذا.
* ماذا عن الخلافات او الصراعات الناجمة عن الاستئثار بالسلطة او توريثها في تلك الممالك؟
- لما خلف سليمان أباه على مملكة كل إسرائيل لم يكن الابن الأكبر لداود، ومع ذلك تسلم الحكم. لكن أخاه أدونيا اعترض وجاء بالكاهن الاعظم ابياثر الذي يتحدر من نسل هارون اخي موسى، واول كاهن على إسرائيل وآخر السلالة الهارونية. وقد ساند ابياثر ادونيا الابن الاكبر لداود في مسألة الوراثة. لكن سليمان كان ابن المحظية، وهذه ذهبت الى داود، وطلبت منه ان يسلم الحكم لابنهما سليمان. فأرسل داود وراء تصادوق، وهو احد المساعدين لأبياثر، واخترع لنفسه نسباً هارونياً (أي لاوي)، وطلب إليه ان يصعد بابنه سليمان الى الهيكل ويعلنه ملكاً. هنا تأكد أدونيا، ان الحكم «راح عليه»، فذهب الى أخيه سليمان يطلب منه ان يبقيه على قيد الحياة. لكن سليمان لفق له قصة الزنى بأخته وقتله ليحكم بمفرده. ثم ارسل خلف قائد الجيش (يؤاب) وكان يحتفظ بما يسمى «تابوت العهد» فقتله أيضا. وبقي ابياثر الذي قال له سليمان: لو لم أرك بعيني تحمل تابوت العهد في زمن والدي لقتلتك، ولكنني سأبقيك. ثم نفاه الى قرية «عنطوطة» (قرب جيزان في السعودية اليوم) فذهب الى ذلك المكان ولم يرد له أي ذكر لا هو ولا سلالته في التاريخ. ولما سقطت مملكة يهوذا كان هناك من تنبأ بسقوط الكهنوت التصادوقي وسقوط المملكة، وكان اسمه إرميا من كهنة عنطوطة. وكان الصراع في ذلك الوقت بين مصر وبابل. وكان رؤساء يهوذا والكهنة التصادوقيون ميالين الى مصر. ولما جاء البابليون وأطاحوا مملكة يهوذا وسبوا شعبها (اليهود) اعتقدوا ان ارميا سيكون رجلهم. فبقي في مكانه، غير ان بعض الكهنة التصادوقيين والعائلة المالكة الذين لم يلحقهم السبي هربوا الى مصر واخذوا ارميا معهم، بعدما احتالوا عليه وهذا آخر ما عرف عنه. وحتى في العهد القديم لا يعود أي ذكر لسلالة هارون (اللاويين) أي الكهنوت الشرعي. الآن ليس لليهود كهنوت، والموجود لديهم هم التصادوقيون، ولديهم ما يطلق عليه الرابي او الحاخام او الحكيم.
* بعد السبي البابلي كيف تطورت الأمور؟
- بعد السبي ما عاد هناك ملوك بل مطالبون بعرش داود، وهؤلاء من سلالة يهوذا. أما الذين ما كان يهمهم استرجاع المملكة فهم الكهنة الذين احتفظوا بمكانتهم وجمعوا كتابات بني إسرائيل (اعني أدبهم وكتاباتهم الدينية وكل ما نسميه اليوم «العهد القديم»)، ونظموا جماعتهم في السبي انطلاقا من بابل كجماعة دينية. ان كلمة اليهود مأخوذة من يهوذا. واليهودية اسم لديانة مشتقة من اسم شعب بني يهوذا وهم من بني إسرائيل الذين عاشوا في شبه الجزيرة العربية.
* ماذا عن الرابط بين يهود بابل وفلسطين؟
- لا وجود لأي رابط او خط تواصل. ما حصل في رأيي، من وقائع كان يجري في الحجاز وعسير.
* حسناً، كيف بدأت علاقة بني إسرائيل بفلسطين. وكيف وصلوا؟ ومتى؟
- في بابل ظهرت، اول مرة، المجموعة الدينية اليهودية أي صار لهذه المجموعة دين يدعى «الدين اليهودي». أما كيف وصلوا الى فلسطين ومتى؟ لنر ما يقوله هيرودوتس. الرحالة والمؤرخ الاغريقي الذي زار سوريا في العام 450 ق.م. وكان اليهود ما زالوا يعيشون آنذاك في بابل مع ان الدولة تغيرت من البابلية الى الفارسية بعدما اجتاح الفرس عام 535 ق.م. بابل واحتلوها بما فيها الجزيرة العربية والعراق والشام حتى مصر، وفتحوا قناة بين البحر الأحمر والنيل. إذا في ذلك الوقت جاء هيرودوتس الى فلسطين وسماها فلسطين التي في سوريا، ووصف شعبها بأنهم سوريون في فلسطين. كلمة سوريا باليونانية هي اشوريا. ولماذا سموا سوريا سوريا فلأن القسم الشمالي منها امتداد لآشور. وأنا اسلّم بأن معلوماتنا عن الازمنة القديمة يجب اعادة النظر فيها كلها جذرياً. ومهما يكن الأمر، فإن هذا ما قاله هيرودوتس، وهو لم يذكر بني إسرائيل او اليهود ولم يأت على ذكر أي هيكل. وفي فترة ما بعد هيرودوتس راح اليهود يتكاثرون بالتدريج بما يعرف اليوم بفلسطين نتيجة للهجرة من بابل ومن غيرها.
* أين كان اليهود يعيشون في ذلك الوقت؟
- كانوا في مصر وفي الجزيرة العربية والعراق وإيران. اليهود كانوا يقرأون ويكتبون ويتكلمون الآرامية ولديهم مكانة بين سكان الامبراطورية الفارسية. بعد فتوحات الاسكندر في سنة 370 ق.م. تقاسم خلفاء الاسكندر الأراضي فيما بينهم، فأخذ انطوخيوس اوروبا، وسلوقوس المناطق العراقية والسورية، وبطليموس أخذ مصر. وطلب منهم سلوقوس ترجمة كتبهم الدينية الى اليونانية، ما عرف بالترجمة «السبعونية». وفي أيام البطالمة والرومان كان اليهود في مصر على قدر من الأهمية والفاعلية.
واعتقد انه لما جاء الاسكندر الى مصر فتح الأبواب لتكون فلسطين مدخلا الى مصر. ويمكن القول انه شجع استقرار اليهود في فلسطين. وأرجح ان ذلك تم في أيام البطالمة، وبدأ اليهود يستقرون حول القدس التي اطلقوا عليها اسم اورشليم، حنينا الى اورشليم المذكورة في نصوصهم التاريخية. وهذا الاستقرار الكثيف حول القدس لليهود القادمين من مصر دفع اليونان الى ان يسمونها بلاد اليهود او اليهودية. عندما نقرأ الأناجيل نجد كلمة «يهوذا» Joudia. وعندما اجتاح السلوقيون فلسطين وجدوا أنفسهم على غير وئام مع اليهود. وكان هناك رجل اسمه ماتاسياس لديه خمسة ابناء، كبيرهم يدعى يهوذا المكابي من أسرة الكهنة، وجده اسمه حشمون (للعلم فإن الكاثوليك والارثوذكس يقبلون اسفار المكابيين ككتابات مقدسة). وقد وقعت ثورة ضد السلوقيين في اليهودية ونصبوا المكابين أمراء او رؤساء على اليهود وهم في الأصل كهنة، واتخذوا لقب «نسي» ومعناها «امير». حتى ان رئيس الدولة في إسرائيل يسمونه اليوم نسي.
واستمر ذلك حتى سنة 103 ق.م.، عندما وصل الرومان الى بلادنا وتضعضعت الاحوال. وفي أيام الحشمونيين الاوائل توسعت حدود اليهودية نحو الخليل. وكان يقيم في تلك الارجاء الايدوميون (كانوا عربا) واجبروهم على اعتناق اليهودية. وعندما توفي آخر الحشمونيين وكان يهوديا ولا علاقة له ببني إسرائيل الذين نشأوا في الحجاز وعسير. وحتى يحبب هيرودوس نفسه لليهود من بني إسرائيل بنى لهم هيكلا للعبادة. وبعد ذلك قسم الرومان أراضيه الى اربعة اقسام ثلاثة منها لاولاده والرابعة لحاكم روماني. وبيلاطس البنطي ليس إلا واحداً منهم الذي حكم في زمن يسوع المسيح.
* برأيك ماذا تعني فكرة يهودية الدولة الإسرائيلية اليوم؟ وما يترتب عليها سياسياً وتاريخياً؟
- إن طرحها الآن لا يقوم على أي قاعدة تاريخية. انها مجرد سياسة وسياسة فقط. ان ما يسمى «مملكة إسرائيل» لم يكن لها دين معروف في التاريخ تحت أي اسم عدا اتباع هؤلاء لشريعة موسى. وهذا امر مشترك بين الناس الذين اسمهم يهود واسمهم نصارى واتباع عيسى الناصري المطالب بعرش داود، الذي قتل في القدس. لقد ظهر المشروع اليهودي الصهيوني في الغرب أولاً، أي في القرن الماضي مع ظهور فكرة القوميات، إذ راح فريق منهم يدعي ان اليهود ليسوا جماعة دينية فقط، بل هم شعب وأمة أيضاً، وان من حقهم، والحال هذه، ان يكون لهم دولة قومية باسم إسرائيل، بغض النظر عن الشمولية التاريخية لهذا الاسم. وهؤلاء راحوا يفكرون كأمة سيكون لها أرض. الامر الذي يعني دولة يهودية. وهذا مجرد زعم لا سند له بأن هذه الدولة مرتبطة تاريخياً بإسرائيل التوراتية. وهذا الزعم، علاوة على انه متهافت تاريخياً، خطير سياسيا، لأنه يفرض على الفلسطينيين الاعتراف بما يشكل مساساً بتاريخهم وأهدافهم.