| 

(يبدو ان العودة الاجبارية الى المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، بالشروط السياسية المعروفة، من شأنها ان تقفل الأبواب امام وعود الماضي القريب الذي انطلقت في ميادينه حركة التحرر الوطني الفلسطينية، والتي اطلقت في سماء العالم العربي آمالاً خلابة بالتحرير والتقدم والنهضة. وليس السؤال اليوم، على أهميته، «لماذا هزمنا؟» بل «كيف ننتصر؟». وفي هذا الحقل من الجدال الفكري والسياسي يصبح النظر الى المستقبل عملية حيوية وضرورية للتخلص من عثرات الماضي من دون التخلي عن الأهداف الكبرى التي تبلورت في رحاب ذلك الماضي البهي الذي تعمد بالنضال الثوري، وبقادة كبار امثال جمال عبد الناصر وأحمد بن بلة وياسر عرفات وجورج حبش وخليل الوزير وغيرهم كثيرون. والتطلع النقدي الى المستقبل يكتسب، منذ الآن، مشروعية فكرية وسياسية معاً، ويستند، في الوقت نفسه، الى خلاصات جمة لتجارب كثيرة انخرطت فيها النخب النضالية العربية في كل مكان من العالم العربي، علاوة على جموع لا حصر لها من المناضلين من شتى الاتجاهات السياسية والمشارب الفكرية، وفي هذا الميدان  يرصد عزمي بشارة النضال الفلسطيني اليوم، ويحاول ان يكتشف مستقبل هذا النضال انطلاقاً مما يجري، فعلاً، على أرض الواقع من مفاوضات لم تؤد، طوال ست عشرة سنة، الى أي نتيجة ايجابية).
النضال الوطني الفلسطيني هو نتاج صراع بين السكان الأصليين العرب في فلسطين وحركة استعمارية استيطانية عرفت وتعرف نفسها كحركة قومية، ولا ينفصل فيها الانتماء القومي عن الديني، وتمارس الاستيطان كعملية من عمليات تأسيس الأمة وإقامة الدولة وبناء المؤسسات. وقد اتخذ النضال الفلسطيني شكلاً منظماً في سياق تشكل وعي عربي يرفض تقسيم بلاد الشام. ووصل هذا الوعي ذروته في ستينيات القرن الماضي مع وجود مشروع عربي يتبنى حركة وطنية تولدت عنها كيانية فلسطينية. ولم يظهر أي فصيل فلسطيني منذ عام 1936، ثم بعد النكبة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، خارج هذا السياق. فقد كان النضال الوطني الفلسطيني جزءا من الصراع العربي ضد إسرائيل، كمشروع احتلال استيطاني لأرض عربية.
وقد اختلت هذه المعادلة التي استوت على اعتبار قضية فلسطين قضية العرب عندما وصلت الى الحكم في أكثر من دولة عربية نخب سياسية عسكرية تبعتها فئات اقتصادية استخلصت من هزيمة حزيران 1967، ومن نتائج حرب 1973، ضرورة التسوية مع إسرائيل كجزء من الانتقال الى المعسكر الأميركي اقتصاديا وسياسيا (اقرأ التبعية!). لقد تطلب انفاذ هذا القرار تحولات سياسية واجتماعية، وحتى ثقافية، كما تطلب عبور حواجز وروادع لا يمكن تجاوزها من دون تغيّر عميق في الشخصية الثقافية والسياسية وفي الفهم الذاتي للنخب الحاكمة. فمثلا، تشترط التسوية المنفردة مع إسرائيل على اساس حدود 4 حزيران 67، ان قضية مصر مثلا هي استعادة سيناء. عندها تبدو استعادتها نصرا. والنصر كما هو معلوم افضل من الهزيمة. والواقع ان إسرائيل احتفظت بها لغرض مقايضتها بالسلام والاعتراف، وان هذه الصفقة، وأصنافها على كافة الجبهات، هي في الواقع تحقيق للهدف الإسرائيلي من الحرب. وهذا يعني ان قضية فلسطين ليست هذه الدولة. وإلا فكيف يمكن إقناع مجتمع او شعب او حتى جزء منه بالسلام مع إسرائيل وتبادل السفارات مع كيان استيطاني احتل جزءاً من الوطن العربي واستوطنه؟ لا بد من إقناعه بأن قضيته ليست قضية فلسطين، وإنما قضية أراضي هذه الدولة التي احتلت عام 1967 وهذا يعني ايضاً مساً ضميناً بعروبته وبداية التشكيك فيها، كما يعني أمرين آخرين: ان فلسطين قضية الفلسطينيين، وأن أي دولة عربية لم تحتل أراضيها عام 1967 ليس لها شأن بها. وما شأن المغرب وموريتانيا والعراق بموجب هذا التفكير؟ سوف تطرح هذه التحولات لاحقاً اسئلة كبرى متعلقة بالتطبيع مع إسرائيل وأسئلة كبرى متعلقة بهوية شعوبها، وأسئلة اخرى متعلقة بسلوك الدول العربية تجاه احتلالات اخرى في المنطقة.
لقد تبلورت الهوية العربية الحديثة كهوية قومية ثقافية سياسية تطمح الى ان ترسي أساساً لبناء أمة من خلال تناقضات وتسويات محورها رفض تقسيم بلاد الشام في اتفاقيات سايكس ـ بيكو، والالتفاف حول فلسطين من المحيط الى الخليج، ولاحقاً حول تحرير الجزائر كقضية العرب جميعاً، ومن خلال التمسك بعروبة أي بلد عربي في صراعه ضد الاستعمار. ولذلك يصعب حصر تداعيات توقيع دولة عربية كبرى اتفاق سلام مع إسرائيل من دون حل قضية فلسطين، على الهوية العربية في كافة المجتمعات العربية.
كان هذا خيار قيادات ونخب سياسية اقتصادية. ولكنه بعد ان خلق واقعاً جديداً يتلخص بخروج مصر من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تحول هذا الخيار الذاتي الذي اتخذته قيادة سياسية عربية الى ظرف موضوعي بالنسبة للقيادات الفلسطينية. وكان بإمكان القيادة الفلسطينية ان تستنج من هذا الواقع المعطى الجديد خيارات مختلفة.
ما أجل حسم الخيارات المتعددة لعقد كامل هو وجود معسكرين عالميين، ورفض احدهما أي سلام برعاية الآخر. فقد وفر ذلك إمكانية التحالف مع الاتحاد السوفياتي ضد السلام المصري الإسرائيلي كسلام اميركي (باكس اميركانا هو التعبير الذي استخدم في تقبيحه، بغض النظر عن عدالته). وانتهت المهلة مع انهيار الاتحاد السوفياتي الذي تبعه تفكك النظام العربي الرسمي بشكله المعروف حتى تلك الفترة. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي انهارت الجبهة العربية ضد الصلح المنفرد (الصمود والتصدي)، وانهارت الروادع والكوابح لدى الذين ايدوا خطوة السادات وزيارته للقدس.
ففي عقد 1979ـ 1989 كان المعسكر الرافض للصلح المنفرد مع إسرائيل ما زال حياً يسنده معسكر عالمي. وكان مع بوادر وهنه يجهل دنو ساعته. ورافق انهيار المعسكر الاشتراكي تفكك النظام الرسمي العربي بعد حرب الكويت. ونجم عنهما انسداد السبل امام الانتفاضة الاولى. وما الانتفاضة الاولى إلا شكل فريد للنضال الشعبي تم الحفاظ على ديمومته في محاولة من القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في الداخل لمنع تهميش منظمة التحرير بعد عام 1982. لقد كانت الجبهة الوحيدة المفتوحة امام المقاومة الفلسطينية منذ حرب 1973 هي الجبهة اللبنانية وقد اغلقت هذه الجبهة بعد حرب عام 82. وبقيت جبهة الاحتكاك الرئيسية مع إسرائيل هي المناطق المحتلة عام 1967، وسرعان ما تحولت الى ساحة المواجهة والصدام الرئيسية للقيادة الفلسطينية، في صراعها لا مع إسرائيل، بل في صراعها من اجل البقاء كقيادة معترف بها عربياً ودولياً.

ثانياً: الخيارات التفاوضية
بعد حرب الكويت وانهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك النظام العربي، ومعه الجبهة المعارضة للحل المنفرد، وبدء المفاوضات العربية مع إسرائيل التي تحولت الى مفاوضات منفردة في ما بات يسمى «مسارات» تخوضها «أطراف» (من ضمنها «طرف» إسرائيلي) في «عملية السلام» وقفت القيادة الفلسطينية امام خيارين لا ثالث لهما: 1ـ الانقراض في المنفى التونسي بعيداً عن جبهات المواجهة وعن اماكن تجمع الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة والاردن ولبنان وسوريا وبعيداً عن المفاوضات. 2ـ او طرح رزمة مغرية لإسرائيل والولايات المتحدة تتضمن تنازل القيادة الفلسطينية عن العناصر الرئيسية المكونة لقضية فلسطين وعن تاريخ حركة التحرر، لقاء الاعتراف الاميركي الإسرائيلي بـ م.ت.ف. وتأهيلها للانضواء تحت لواء الصلح المنفرد مع إسرائيل. ولكن هذا الصلح ليس صلح دولة عربية مع إسرائيل هذه المرة، بل صلح من يسمى «صاحب القضية» الذي «يستطيع ان يمنح إسرائيل الشرعية»، لأنه «الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني».
لقد كانت القيادة الفلسطينية مقتنعة بأن جهازها البيروقراطي في تونس من دون النظام العربي ومن دون النظام الدولي القديم، وبعيداً عن تجمعات الشعب الفلسطيني سوف ينقرض عاجلا ام آجلا، إذا بقي مقصياً عن صالونات الدبلوماسية. لقد اصرت الولايات المتحدة على التفاوض مع قيادة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كاستمرار لنهج كامب ديفيد المصري ـ الإسرائيلي الذي يرى في أراضي 67 المشكلة الوحيدة التي تحتاج الى الحل كشرط للسلام.
آنذاك، رأينا ان هذا الموقف خيار خاطئ. وازدادت قناعتنا بفداحته عبر السنوات، لقد كان هذا الخيار ضرورة وجودية لها. والمقصود وجودها هي، واستمرارها كقيادة، وليس وجود الشعب الفلسطيني. وقد اثبتت الأحداث هذا الترابط العضوي بين وجود القيادة وبين عملية التسوية، وكان التجلي الأوضح حين وضع حد لرمز هذا الخيار الرئيس الشهيد ياسر عرفات عندما تعارض وجوده مع استمرار التسوية، لأنه اصر حتى اللحظة الاخيرة على ان يستمر في التفاوض مع الحفاظ على بعض الثوابت، ومن بينها القدس. كما حاول ان يلتف على التنسيق الأمني مع إسرائيل، وهو الأمر الذي تعتبره إسرائيل وظيفة السلطة الرئيسية في الاتفاقيات.
وكانت المحاولة الاخيرة التي عشناها جميعا في الانتفاضة الثانية التي تعتبرها إسرائيل، خلافا لما يروجه انصار التسوية حالياً، احدى أكثر «حروبها» شراسة حتى اليوم. وقعت الساحة الفلسطينية في الاستقطاب فاستنتج منها مؤيدو التسوية ضرورة الاخلاص للتنسيق الأمني مع إسرائيل والرهان على المفاوضات وحدها وإقصاء كل خيار آخر. واستنتج منها مؤيدو المقاومة ان خيار التسوية يعني التنسيق الأمني مع الاحتلال لقطع رأس المقاومة، وحتى رؤوسهم كأفراد.
لماذا قمنا بهذا العرض؟ ليس لنكرر تحليلاً تاريخياً، بل لنبيّن ان هنالك خيارات وليس ضرورات فقط. والنضال خيار. لم يكن النضال بعد الانتفاضة الاولى خيار القيادة الفلسطينية، بل كان خيارها استثمار هذه الانتفاضة لإنقاذ نفسها في ظل المعطيات الدولية الجديدة. وذلك ليس لأن النضال يتعارض ومصالح الشعب الفلسطيني، بل لأنها وضعت استمرارها السياسي كقيادة فوق مصالح الشعب الذي تمثل وحقوقه. والدليل على ان هذا الخيار لم يكن الخيار الوحيد الممكن، انه في اللحظة التاريخية نفسها تولدت خيارات مقاومة اخرى انجبت قيادات اخرى. وبإمكاننا ان نتخيل ماذا لو قررت القيادة الفلسطينية في حينه استمرار النضال في الظروف الجديدة بوسائل جديدة في اطار يستوعب القوى الجديدة الناشئة على الساحة الفلسطينية والتي تتبنى خيار المقاومة؟

ثالثاً: ماذا يعني النضال في هذه الأحوال؟
عمم في العقود الأخيرة على مستوى النظام العربي نموذج كامب ديفيد المصري، من خلال الاتفاقات الموقعة والمفاوضات الجارية والمتوقفة. وكان تعميم نموذج الصلح المنفرد على المسار الفلسطيني هو الأهم بعد السلام المصري مع إسرائيل، وهو الاكثر تشويها. فقد خضع السلام لنموذج ميزان القوى بين دولتين (كما في حالة السلام المصري ـ الإسرائيلي)، بينما في الوضع الفلسطيني تم التنازل عن صيغة حركة التحرر الوطني قبل ان تحقق الحركة أهدافها، وحتى قبل ان تنشئ دولة على جزء من الأرض المحتلة. لقد تخلت القيادة الفلسطينية عن صيغة حركة التحرر، فخسرتها ولم تكسب الدولة. فكانت النتيجة سلطة فلسطينية مكلفة بشؤون السكان، ومكلفة بالتنسيق مع الاحتلال أمنياً ضد النضال الفلسطيني، وتتحمل اعباء الاحتلال، وتعتمد على اذونه وترخيصاته وتأشيراته، وعلى رضاه السياسي والأمني، وعلى التمويل الاوروبي والاميركي المشروط منذ الانتفاضة الثانية بحسن سلوك هذه القيادة وشعبها. لقد انتقلت القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني الى وضع الرهينة، رهينة الاحتلال.
والكارثة الكبرى أن فصائل منظمة التحرير التي عارضت الاتفاقيات، ولم تجد لها بديلاً نضالياً او حاضنة بديلة من النظام الدولي الذي انهار، تآكلتها في البداية الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في مصادر عمل بديلة للمناضلين السابقين ولكنها ما لبثت ان تحولت هي ذاتها الى ما يشبه الجمعيات غير الحكومية التي تمولها السلطة الفلسطينية، الممولة بدورها من «الدول المانحة».
وكما تعمم نموذج كامب ديفيد على مستوى الدول، تعمم نموذج المنظمات غير الحكومية على مستوى الفصائل والاحزاب التي اصرت على البقاء في المجتمع السياسي الجديد الذي يسيطر عليه خطاب اميركي ولغة اميركية والمنشغل بلعبة واحدة هي «عملية السلام» تأييداً ونقداً، مديحاً وذماً... ونجا من هذه الصناعة من بقى في اطار المقاومة.
كان النضال الفلسطيني نضالاً في إطار حركة التحرر. وكانت حركة التحرر محتضنة من قبل نظام عربي، كان في خطاب «تقدمييه» و«رجعييه» معارضاً للاحتلال الاجنبي، أي احتلال. لقد منعت الانظمة العربية المقاومة على حدودها منذ ان قررت نهاية خيار الحرب، ومنذ ان انخرطت في عملية التفاوض مع إسرائيل، التي تسمى احياناً «مسيرة السلام» على وزن «مسيرة النضال» او «مسيرة التحرر». وانضمت إليها القيادة الفلسطينية التي اصبحت نظاماً عربياً (او ترغب في ان تصبح). مذ ذاك غابت صورة التحرر الوطني، وانقسم العرب الى مناصري التسوية ومناصري المقاومة. وهي مفاهيم جديدة لم نعهدها من قبل. ومن نافلة القول اننا لم نعهد قبول العالم العربي احتلال بلد عربي، فبتنا نعهد تسليم النظام الرسمي العربي باحتلال فلسطين، ثم العراق، واعترافه بسلطات تحت الاحتلال.
ولم نعهد في الماضي نضالا خارج اطار حركة التحرر فبتنا نعهده كأن للنضال قيماً تعتبر المقاومة شرطاً ضرورياً، وكان يتجاوزه الى مفاهيم تحررية اخرى لا تقتصر على مقاومة الاجنبي. واكتفت المرحلة بـ«مقاومات» يميزها الاكتفاء بشرطها الضروري، وهو مقاومة الاجنبي.
وانسدت حدود الدول العربية امام المقاومة. فالدولة باتت تعني التسوية والتمسك بـ«عملية السلام». وتدبرت المقاومة امرها في المناطق التي تنسحب منها الدولة او تضعف، مثل المناطق حيث لا تكون هناك دولة بل سلطة تحت الاحتلال، او كأن تحتمي المقاومة بطائفة، او بمجتمع مذهبي، حيث تضعف الدولة امام الطوائف.
هنا يطرح السؤال: هل هذا هو أفق النضال الذي نقدمه للاجيال القادمة» لا مكان ولا مجال للاستخفاف بضرورة الوقوف مع المقاومة ضد الاحتلال، فهامش المناورة هنا ضيّق عند من لا زال يحمل قيم النضال والتحرر. ولا يمكن ان تكون مؤمناً بالحرية والعدالة الاجتماعية، ولا يمكن ان تكون وطنياً من دون ان تتخذ موقفاً حاسماً بين المقاومة والتعاون مع الاحتلال. وكلما اتسعت الهوة بين المقاومة وعدم المقاومة، بتحويل عدم المقاومة الى فعل معاد للمقاومة، بالتنسيق مع الاحتلال مثلا، فإن هامش الخيارات يضيق أمام أي إنسان وطني. والوطنية ليست شعاراً او رسماً او طرزة قديمة عفّ عليها الزمن. الوطنية ليست تعصباً، ولا هي حركة ايديولوجية قومية. الوطنية هي الشرط اللازم لحياة مجتمع سوي، ومؤسسات شعب، واقتصاد طبيعي، وإنتاج ومنتجين، وتربية وتعليم، وقيم وأخلاق. في ظل الوطنية قد ننقسم الى ديموقراطيين وليبراليين وأصوليين. ولكن من دون وطنية لا ننقسم تحت سقف يجمعنا، بل ننحل انحلالاً. ونتحول الى عصابات ذئاب وأيتام على موائد اللئام يحكم علاقتهم قانون الغاب، وتعبث القوى الاستعمارية بهم وبهويتهم وثقافتهم، وحتى تصوراتهم عن ذاتهم. لا افهم وطنية تحتار في الخيار بين المقاومة، مهما كان طابعها، وبين التنسيق الأمني مع الاحتلال. ولا اعرف وطنية لا يثيرها ولا يستفزها ولا يدفعها الى الحسم تسليم شاب مناضل الى قوات الاحتلال، مهما كانت دوافع هذا الشاب، ومهما كانت دوافع الذي سلّمه.
وعندما أراجع مع شباب هذا الوطن تاريخ فصل قضية فلسطين عن العرب لتصبح قضية الفلسطينيين، وعندما أراجع النتائج المترتبة على ذلك في الفرز بين قوى التسوية من جهة، ومقاومة من دون حركة تحرر من جهة اخرى، فغالباً ما يذكرني ذلك بأن من لا يناضل من أجل حقوقه لا يتوقع منه ان يناضل من اجل فلسطين. فهل تريد ان ننتظر تحرر العرب لكي نعود ونخلق جبهة عربية من اجل فلسطين؟ هل علينا ان ننتظر ان يناضل العرب لتغيير واقعهم في دولهم؟ هل هذا ما تعنيه عبارة استعادة البعد العربي لقضية فلسطين؟
عندما كان العرب يلامون بأنهم لا يخرجون للتظاهر من اجل فلسطين كنت اقول ان الناس لا تحترف التظاهر، ومن لا يناضل من اجل قضاياه لا ينتظر منه ان يناضل من اجل فلسطين. والمقصود هو ان النضال من اجل فلسطين يتجاوز التضامن والتظاهر في المناسبات والازمات في ما لو كانت فلسطين قضية المجتمع حقاً، وإذا كان النضال في سبيلها جزءاً من مشروع نظام او جزءاً من مشروع معارضة، بحيث يتعلق الأمر برؤية مستقبل البلد ومستقبل العالم العربي. وخارج هذا السياق يكون الموقف مع فلسطين تضامناً صادقاً ومهماً، لكنه متقطع تنقصه الديمومة.
هل ننتظر إذاً نشوء مشاريع عربية لأنظمة، او مشاريع معارضات عربية؟ لا ليس هناك وقت للانتظار، ولكن الخلاف بيننا ليس على الانتظار، بل على ماذا نفعل. هنالك من استنتج من عدم الانتظار الذهاب الى التسوية حتى النهاية، بما في ذلك التنازل على الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف. فاشتدت دهشته حين وجد ان الاحتلال ليس متمسكاً بثوابته فقط، بل يزداد تمسكاً كلما تجرد هو من أسلحته ومن خياراته، حتى أصبح في وسع أي شاب فلسطيني أن يعدد الثوابت الإسرائيلية على النحو التالي:
ـ رفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.
ـ التمسك بيهودية إسرائيل.
ـ وضع الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية فوق أي اعتبار للسلام. وضمن تفسيرات وتطبيقات هذه الاعتبارات أن يكون أي كيان فلسطيني منزوع السلاح، وأن لا ينشأ تواصل بينه وبين الدول العربية من دون إذن إسرائيلي.
ـ لا عودة إلى حدود 67 في الضفة الغربية.
ـ الاحتفاظ بالسيادة الإسرائيلية على القدس.
قد يعني عدم الانتظار إذا الاندفاع نحو التسوية. وقد يعني النضال ضد مظاهر الاحتلال اليومية، وضد التواطؤ معه، والنضال ضد تقديم تنازلات متعلقة بالحقوق الثابتة، مهما اشتدت الظروف وتحولت الاعتبارات. والدافع هنا مبدئي. ولكن عملياً أيضاً يمكن الاستمرار في النضال من دون استنزاف الشعب ووضعه أمام خيار التنازل كأنه ضرورة. وحتى من تبنى البراغماتية كإيديولوجية لا بد أن يلاحظ أن التنازل عن الحقوق الثابتة لم يقابل بتنازلات إسرائيلية تحقق للفلسطينين حقوقاً، بل تمت مقايضتها بتأمين حياة أكثر راحة تحت الاحتلال.
وقد كنا في الماضي نطلق تسمية معينة على من يقايض الأهداف الوطنية بظروف حياة أفضل تحت الاحتلال، مثلما لم يكن تسليم معلومات للاحتلال عن مناضلين يسمى «تنسيقاً أمنياً». لنتذكر كيف كان يوصف فرد أو مجموعة تجتمع مع ضباط الاحتلال لمناقشة كيفية إحباط عملية فدائية، أو كيفية تسليم مطلوبين، أو لتبادل المعلومات عن مكان وجودهم. بالتأكيد ما كنا نصف ما يقومون به بعبارة «تنسيق أمني». أما حين تمارس ذلك قيادة مُمَأسسة، ومعترف بها دولياً، ولديها إمكانات فإن المصاب جلل، لأنه في هذه الحالة يتم نخر المجتمع الفلسطيني، بنخبه ومثقفيه، بواقعية ليست واقعية، وثقافة استهلاكية لا تنجم عن الانتاج والنمو بل عن بيع الحقوق الوطنية والثقافة والتاريخ. جاء في القرآن الكريم: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرينَ أعمالا الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الحياةِ الدُّنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» (الكهف 103 ـ 104)، وفي حالتنا، لا يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، بل يعرفون ماذا يفعلون. ولكنها مغسلة اللغة. وجاء على لسان السيد المسيح: «ماذا ينفع الإنسان لو كسب العالم كله وخسر نفسه؟» ونحن نطرح سؤالاً أكثر تواضعاً؛ ماذا ينفع الإنسان لو ربح بضعة من ملاهٍ ومقاهٍ وأكشاك ومجمعات استهلاكية في ظل الاحتلال، وخسر مقابل ذلك ذاته كشعب؟ وكيف نكون فلسطينيين من دون فلسطين، هل نصبح ضفاويين وغزاويين ومقدسيين، أو نابلسيين وغزاويين؟ إن من بدأ التعامل مع المناطق المحتلة عام 67 كأنها هي فلسطين لم يتنازل عن التاريخ وحده بل تنازل عن الشتات والقدس وفلسطين التي احتلت عام 48، وتنازل لاحقاً حتى عن الرابط بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ومن يدري ماذا ينتظرنا؟ إنه المنطق التفكيكي نفسه الذي بدأ بالتنازل عن عروبة الدولة العربية وانتهى بتفكيكها إلى طوائف.
هل يتناقض النضال مع التفاوض؟ وهل يمكن تصور نضال بلا نهاية لا تتبعه مفاوضات؟
لقد تخللت المراحل الأخيرة من نضال جميع حركات التحرر الوطني في العالم محادثات سياسية ومفاوضات، بما فيها تلك التي انتهت بإنهاء الاحتلال كما في الجزائر، وبتفكيك النظام القائم، كما في جنوب أفريقيا. هذه ليست القضية. ومن يناقشها يختلق قضية وهمية. النضال يجري على كافة الجبهات والوسائل من الكفاح المسلح، وحتى النشاط الثقافي والتربوي والنقابي، والرأي العام الدولي، والرأي العام في دولة الاحتلال. النضال الوطني نضال شامل. وقد تتخلله هدنات وترافقه مفاوضات ومحادثات سياسية، وغير ذلك. المهم أن المفاوضات لا تُطرح كبديل من النضال قبل تحقيق الحقوق.
وعندما يُلقى سلاح النضال، ويتم التخلي عن استراتيجية النضال الشامل تغدو المفاوضات تفاوضاً على الحقوق، وليس لإحقاق الحقوق. إن شرط المفاوضات النهائية مع أي قوة احتلالية هو اعتراف هذه القوى بنهاية الاحتلال، ورغبتها في أن تجري النهاية بشكل منظم، وأن تتفاوض على كيفية إنهاء الاحتلال، أما المفاوضات الجارية بين السلطة وإسرائيل فلا تجري على تفكيك الصهيونية والاحتلال، بل على تفكيك التاريخ والجغرافيا الفلسطينية. وبذلك فإنها تقدم نموذجاً حياً للتناقض بين النضال والتفاوض عند من تخلى عن النضال قبل تحقيق الأهداف.

رابعاً: أفق النضال الفلسطيني
لقد أصبح رفض الرأي العام الفلسطيني التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني شرط استعادة البُعد العربي لقضية فلسطين حالياً، خاصة بعد أن تذرعت الأنظمة الرسمية العربية بمقولات مثل «الممثل الشرعي الوحيد»، و«أهل مكة أدرى بشعابها»، و«لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين». وهو شرط تفعيل حركة التضامن الدولي. وهذا ممكن. ولكن لا يمكن تحريك تفعيل التضامن مع من يحرجه التضامن، وتحرجه مقاطعة إسرائيل، ويعتبرهما تدخلاً في المفاوضات وفي «علاقته الثنائية مع إسرائيل».
لا بد من التمسك بحقوق ثابتة غير قابلة للتصرف، مثل حق العودة، وزوال الاحتلال، وعروبة القدس، وغير ذلك لغرض استعادة هذه الأبعاد. وكلنا يعرف أن هذا التمسك يحبط التسوية، فإسرائيل لن تقبل بتسوية هذه شروطها. ومن هنا فعاجلاً أم آجلاً يجب أن يطرح أفق أوسع للنضال يمكن أن نعتبره عنواناً سياسياً جامعاً لمئات المبادرات الفلسطينية المحلية التي قامت من دون إذن من أحد في مرحلة تهميش السلطة الفلسطينية لـ«م.ت.ف» ويجب أن تجمع مئات المبادرات الشبابية والطلابية، واللجان المحلية في مختلف أماكن وجود الشعب الفلسطيني، تحت سقف سياسي عنوانه رفض التنازل عن الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف، حتى لو تعذر التوصل إلى تسوية عادلة بين كيانين في دولتين. والأفق الوحيد لأي تحرر يحمله جيلنا والجيل المقبل هو أن يعيش السكان في فلسطين كلها كمواطنين متساوي الحقوق في دولة واحدة. ولكي يحصل ذلك يجب أن تقوم هذه الدولة على المواطنة الديموقراطية المتساوية، فتفكيك الصهيونية شرط لتحقيق المواطنة، وأن تنتمي فلسطين الديموقراطية هذه إلى حاضنة أكبر هي الوطن العربي.
البديل من هذا الحل العادل على المدى البعيد ليس حل الدولتين، فنحن نرى تطبيقه جارياً أمام أعيننا، بل أن يتم التعامل مع هذا الكيان الصهيوني من جانب شعوب المنطقة (خلافاً لأنظمتها) كدولة صليبية جديدة ستزول عاجلاً أم آجلاً. ومجرد التفكير بذلك يجعل حل الدولة الواحدة في فلسطين يبدو كما هو فعلاً حلاً عادلاً، وليس شعاراً متطرفاً.