| 

هيأ اتفاق أوسلو والاتفاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية التي تلته، وما سبقه من مفاوضات علنية وسرية، لتحولات واسعة في الحقل السياسي الفلسطيني، لعل أبرزها قيام سلطة وطنية على جزء من إقليمها الفلسطيني. وتمخض عن قيام سلطة فلسطينية تغييرات في العلاقات الفلسطينية الإقليمية والدولية، وتحديداً مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، بعد اعترافهما بـ«م.ت.ف»، لكن من دون أن ينجم عن هذا الاعتراف، الإقرار بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والعودة، أو الإقرار علناً بحقه في دولة مستقلة. وبات حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بعد اتفاق أوسلو، يتم عبر عملية تفاوض تحكمها بنود هذا الاتفاق لا قرارات الهيئات الدولية، ويتم تحت إشراف (وضغوط) الولايات المتحدة بعد أن استُبعدت منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والهيئات الدولية الأخرى من أي دور في العملية، واحتفظت جمهورية روسيا، كراع للمفاوضات، بدور شكلي.
من أبرز التغييرات التي دخلت الحقل السياسي الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو، انتهاء دور «م.ت.ف» التي هيمنت على ذلك الحقل، وتولي السلطة الفلسطينية التي قامت، وفقاً للاتفاق المذكور، بدور محوري في ترتيب الأوضاع الداخلية للحقل.
أولاً: صناعة «هيمنة» جديدة
مع قيام السلطة الفلسطينية انتقلت عملية صناعة «الهيمنة» في الحقل السياسي الجديد من أطر «م.ت.ف» إلى أطر سلطة فلسطينية تسعى للتحول إلى دولة على إقليم فلسطيني. ولذا باشرت فور قيامها منح نفسها رموز دولة حديثة وشكلها، في المجالات المتاحة لها وفقاً لاتفاق أوسلو والاتفاقات اللاحقة. لقد انتقلت السلطة من حقل يخيم عليه خطاب التحرير والمقاومة، ويقيم ائتلاف فصائل مسلحة، ويتسم بالتعددية السياسية والفكرية والإعلامية وبدرجة عالية من التسيس الجماهيري، ويدير تحالفات عربية ودولية على أساس الموقف من حقوق الشعب الفلسطيني، إلى حقل تسيطر عليه سلطة مركزية تحتكر استخدام العنف في المناطق المحددة لها وفقاً للاتفاقات مع إسرائيل.
باختصار، لم تعد «م.ت.ف»، بفصائلها المسلحة المتعددة ومقراتها في «الخارج»، هي التي تهيمن على الحقل السياسي الفلسطيني، وإنما سلطة جديدة تحتكر شرعية «العنف» الداخلي وصناعة القرار السياسي، وتقيم على إقليمها وتتفاوض مع إسرائيل. وبات يحكم سلوك السلطة الفلسطينية اعتباران أساسيان: الأول، فرض سلطتها الوحيدة على إقليمها في مناطق الضفة الغربية والقطاع؛ الثاني، توسيع رقعة هذا الإقليم وتوسيع مجالات صلاحياتها كي تأخذ شكل دولة حديثة عبر قنوات التفاوض الثنائي، بإشراف أميركي، وتنظم علاقات بمحيطها الإقليمي والدولي على هذا الأساس. لقد نجم عن هذا تداعيات اجتماعية ـ اقتصادية وثقافية على مجتمع الضفة الغربية وقطاع غزة. كما نجم عن تهميش دور التجمعات الفلسطينية في الخارج ووضعها في حالة قلق شديد على مصيرها. وربما كان أخطر ما تحمله تفاعلات الحقل السياسي المتكون المحتمل على الهوية الوطنية الفلسطينية، كما صاغتها «م.ت.ف» بفصائلها ونضالاتها وبعدها التحرري ومضمونها الموحد لشعب شرد وألحق واحتلت أرضه وحُرم من حقه في تقرير المصير.
الشعب الفلسطيني الأكثر ديموقراطية؟
من «التصويرات» التي راجت مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية تصوير مفاده أن الشعب الفلسطيني أكثر ديموقراطية من الشعوب العربية الأخرى. ويعتبر هذا التصوير أن الشعب الفلسطيني شعب ديموقراطي لا بمعنى أنه ينشد الديموقراطية كما هو حال شعوب أخرى في عالمنا المعاصر، وإنما بمعنى أنه ديموقراطي بسجيته ويمارس «الديموقراطية» من فترة طويلة.
وقد يصل مثل هذا التصوير إلى تبني نزعة جوهرانية ترجح أن للشعب الفلسطيني معدناً «من أجود معادن الشعوب»، وهو بين الشعوب العربية «يملك أكبر عدد من المتعلمين... وأكبر عدد من المهندسين، والأطباء، والاختصاصيين، ورجال المال والأعمال والصناعة والزراعة...».
لكن هذا التصوير ليس هو التصوير السائد بين الناس، وإنما هو تصوير من إنتاج فئة من المثقفين، وقد تراجع، إلى حد بعيد، في ضوء ممارسات بعض الأجهزة الأمنية، وبعد صدور تقرير هيئة الرقابة العامة الأول لعام 1996 بشأن إساءة استخدام بعض المسؤولين لمواقعه، ومطالبة المجلس التشريعي بمحاسبة هؤلاء المسؤولين. لكن هذا يقابل بالمحاججة التي تعيد مظاهر الفساد والمحسوبية لا إلى بنية السلطة ونظام الحكم، وإنما إلى «الثقافة السائدة التي تنخر مجتمعنا العربي، ومنه الفلسطيني، من إقليمية وعشائرية وطائفية»، وإلى انتشار «اللامبالاة في صفوف المثقفين».
وهكذا يرتد التصوير على ذاته، فيصبح «الشعب الفلسطيني مثل إخوانه العرب كلهم».
الدولة الفلسطينية قائمة!
كما هو حال التصوير بشأن التفوق الديموقراطي للشعب الفلسطيني، برز بعد قيام السلطة الفلسطينية تصوير مفاده أن الدولة الفلسطينية باتت حقيقة قائمة أو على وشك. فالبعض اعتبر أن «الدولة الفلسطينية باتت قائمة بعد الانتخابات العامة، وأن فلسطين الدولة، وليس فلسطين الثورة، هي التي تفاوض اليوم من أجل استكمال سيادتها المنقوصة».
إنها عملية استبدال الواقع بالصورة التي تبرز في المغالاة في الرموز الدولانية: المبالغة الشديدة في استخدام النشيد الوطني؛ التقديس اللفظي والمجرد للوطن؛ إشاعة مفردات «الدولة» (من سيادة الرئيس، إلى معالي الوزير... إلخ)؛ الرتب العسكرية (لواء، وعقيد...)؛ جوازات السفر الدبلوماسية؛ الإصرار على استعراض حرس الشرف في كل مناسبة، وغير ذلك. إنه حقل سياسي مشدود إلى أقصى الدرجات نحو الدولة.
«الخارج» و«الداخل»: النظر في المرآة!
بعد قيام السلطة الفلسطينية وما رافق ذلك من عودة آلاف من كوادر «م.ت.ف» وتنظيماتها السياسية ومن رجال شرطة وغيرهم، نشأ تصوير يضع «العائد» في مواجهة «المقيم» والعكس. وتترسم في طبعاته السائدة صورة «العائد» كرجل سلطة يستحوذ على المناصب العليا والامتيازات، ويحمل «ثقافة» تختلف عن «ثقافة» المقيم وتتسم بالاستخفاف بالتقاليد المحلية، والتعامل مع أهالي الضفة والقطاع بغلظة واستعلاء، وعدم فهم العقلية الإسرائيلية كما يفهمها أهل «الداخل»، ولا يجيد، بالتالي، التفاوض مثل «المقيم»، كما لا يجيد إدارة دفة الحكم كونه أمضى معظم إقامته في الخارج في صراع مع الأنظمة العربية. وفي المقابل، يجري تنميط مجتمع «الداخل» بالتقوقع والمحافظة والعشائرية وسيادة النزعة المحلية والنظرة السلبية وغياب الاهتمام بالثقافة. ويرى بعض علماء الاجتماع الفلسطينيين أن الفارق بين العائدين والمقيمين يكمن في مسائل الثقافة الاجتماعية، إذ «إن (سلوك العائدين) ينم عن خلفية (متجذرة في تجربتهم في المنفى) أكثر حضرية، وعلمانية، واغتراباً عن المجتمع».
لكن خطورة التنميط الجديد الذي تروجه فئات اجتماعية معينة هو تحميل الكثير من مشكلات وصعوبات وتعقيدات الوضع الراهن في الضفة والقطاع لـ«العائدين» باعتبارهم فئة موحدة، وتصويرهم كمتسلطين على المقيمين «المغلوبين على أمرهم». وكان من الصعب تجنب تأثير سياسة التعيينات في وظائف السلطة المدنية والعسكرية التي أوجدت صورة للعائدين كمنافسين للمقيمين. وغذى بعض مظاهر الثراء الذي اتخذ طابعاً استعراضياً هذا التصوير.
«المنظمات غير الحكومية»
ضمان الديموقراطية الفلسطينية!
من التصويرات التي بدأت ترتسم خلال الانتفاضة، وارتفعت وتيرة تناقلها بعد قيام السلطة الفلسطينية، تلك التي ترى في مؤسسات «المجتمع المدني الفلسطيني في المناطق المحتلة ضماناً للديموقراطية ضد التسلط والتفرد وخرق حقوق المواطن والإنسان. وهو تصوير يستند إلى تشكل جزء مهم من المنظمات غير الحكومية في الضفة والقطاع في سياق مواجهة إجراءات الاحتلال. أي أن الكثير من هذه المنظمات قام في مواجهة الدولة المحتلة وفي موازاتها لا بالتنسيق أو التوافق معها، وبدوافع سياسية أساساً.
لكن تغييب الشرط التاريخي الذي نشأت فيه «المؤسسات غير الحكومية» الفلسطينية وتعدد أنماطها هو أحد روافد هذا التصوير الذي لا يلاحظ، على سبيل المثال، افتقاد أغلبية منظمات «المجتمع المدني» لتقاليد الممارسة الديموقراطية، سواء شمل هذا المؤسسات الدينية، أو الخيرية، أو المؤسسات الإغاثية، أو التعليمية الأهلية والدولية، أو النقابات والاتحادات، أو مجالس العائلات والحمايل، أو لم يشمل. ويشكل التوتر الذي ساد بين السلطة الفلسطينية والمنظمات غير الحكومية الرافد الآخر لهذا التصوير. وهو توتر استند، في جانب منه، إلى التنافس بشأن مصادر التمويل الخارجي، كما استند إلى أن بعض هذه المنظمات شكّل قاعدة اجتماعية لقوى وتنظيمات سياسية، في حين شكل بعضها الآخر أداة لتجديد نفوذ الفئات الاجتماعية العليا في المجتمع الفلسطيني.
«التكنوقراط» هم بناة الدولة الحديثة
هناك تصويرات أخرى، ما زالت في حالة تبلور، أو هي أقرب إلى «الإيديولوجيا» منها إلى التصوير، منها الترويج لمقولة أن فئة «التكنوقراط» هي الفئة القادرة على بناء الدولة الفلسطينية العصرية وتخليص النظام السياسي الفلسطيني من مظاهر الفساد والمحسوبية وسوء الأداء. وقد يكون وراء هذا التصوير مسعى الطبقة الوسطى، التي نمت مع قيام السلطة الفلسطينية، لتولي دور أكبر في الحياة العامة، ورغبة الفئات العليا من التكنوقراط في السلطة في تحسين مواقعهم.
لكن الدعوة إلى «حكومة تكنوقراط» وإلى إعلاء شأن «الخبراء»، بما في ذلك المفاوضات مع إسرائيل تعلن في أساسها، كما أشار أحد علماء الاجتماع الفلسطينيين، نزعة احتقار للعمل السياسي والاستخفاف التاريخي بالتجربة السياسية الفلسطينية. فحكومة «تكنوقراط» ليست هي الأقدر على بناء نظام سياسي ديموقراطي يتمتع بفصل السلطات والمساءلة والمراقبة، بل هي الأضعف في مواجهة الضغوط والتحديات، والأقل قدرة على إدارة مفاوضات من وزارة سياسيين، وتحديداً إن كان هؤلاء ممن ينتمي إلى أحزاب أو حركات سياسية نشيطة. فالتكنوقراط لن يكونوا أقوياء سوى في وجه المواطن. فالأحزاب والحركات الاجتماعية هما المعنيتان بطرح رؤى مجتمعية لا «التكنوقراط».


جميل هلال باحث اجتماعي فلسطيني مقيم في رام الله. ولمزيد من التفصيل أنظر كتابه «النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو»، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998.