| 

بعد حرب تشرين الأول 1973 استخلص النظام الرسمي العربي رسوخ المعادلة الإسرائيلية بالدعم الدولي الشامل شرقاً وغرباً، وعجزه عن تحقيق نصر عسكري استراتيجي يخضعها للقبول بالحقوق العربية.
تصرف العرب، ولو بأشكال مختلفة، على أن الهدف الواقعي الذي يحظى بتأييد «المجتمع الدولي» هو إزالة آثار حرب حزيران 1967، والعودة إلى خطوط الرابع من حزيران 1967. لم يخرج هذا التصور من مخيلة العرب وحدهم، بل من الشراكة مع أصدقائهم في العالم.
كانت النتائج الإيجابية لحرب تشرين الأول 1973 قادرة على فرض هذا الحل لولا سياسات التفريط التي قادها الرئيس السادات بداية بالتخلي عن أصدقائه السوفيات والاعتقاد أن 99 في المئة من الأوراق في يد أميركا، وتجريب سياسة الخطوة خطوة التي أدارها وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك هنري كيسنجر. هذا هو المناخ الذي ألقى بظله على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي راحت تبحث عن مسوغات لفكرة الدولتين، يعزز قناعتها بذلك ذهاب رئيس المنظمة ياسر عرفات إلى منبر الأمم المتحدة في خريف سنة 1974 حاملاً غصن الزيتون والبندقية معاً كما قال. في حدود معينة أظهرت منظمة التحرير بكل أطرافها واقعية تتلاءم مع الانعطاف الكبير في الوضع العربي نحو «الواقعية».
فقد كانت مشاركة بعض العرب في حرب تشرين وحظر النفط مدخلاً إلى إزالة الحدود الباقية بين الأنظمة الوطنية والمحافظة. سميت تلك المرحلة «الحقبة النفطية» مع ما يعنيه ذلك من ثقل خليجي في القرار العربي.
بدأت منظمة التحرير بتأثير هذا المناخ والحرب اللبنانية التي تورطت فيها تندفع أكثر لملاقاة سياسات كامب ديفيد و«خيارات التسوية»، ولو أن جسمها كان يتموضع في جبهة «قوى الصمود والتصدي» (1978) التي جاءت انشقاقاً على المسار العربي الآخر الذي أخرج مصر نهائياً من الصراع.
قاتل الفلسطينيون في لبنان، ساحتهم الحرة الوحيدة، من أجل التسوية التي اعتقدوا أنها ستعيد إليهم أرضاً محررة ينطلقون منها في صراعهم التاريخي مع الصهيونية. صار بؤس الأوضاع العربية وترديها يبرر للقيادة الفلسطينية البحث عن مخرج مما صار شعاراً أساسياً «القرار الوطني المستقل».
تلك البدايات هي نفسها التي توجت في اتفاقية أوسلو (1993) لأن رئيس منظمة التحرير أراد أن ينصب «خيمة» على أرض فلسطين لكي يتحرر من تناقضات الوضع العربي، أو كي يعيد لفلسطين بعضاً من الجغرافيا، ولمنظمة التحرير شرعية التفاوض. قد تكون هذه كلها أهدافاً ونيات نبيلة و«واقعية» لكنها لا تملك مقومات الواقع. فنبيّ التسوية لم يكن مسلحاً بغير رصيد الحقوق التاريخية، ولم يكن يملك قوة مادية على أرض فلسطين تجعله رقماً في المعادلة، فصار التفاوض حواراً بين الضحية والجلاد، وصار الحوار مساراً لمزيد من التنازلات تحت وهم حاجة «المجتمع الدولي» إلى حل قضية فلسطين من زاوية إنسانية.
لم يكن المفاوض الفلسطيني في أوسلو مشدوداً إلى رسم سقف الحل النهائي بمقدار ما كان مشدوداً إلى «التقاط اللحظة التاريخية» لاعتراف إسرائيل والمجتمع الدولي بحل الدولتين وبدولة فلسطين المستقلة. خرجت سوريا من مفاوضات مدريد لكنها ظلت موجودة على خارطة الصراع. كان الفلسطينيون يشعرون عن حق أو عن توهم أن الزمن يلعب في غير مصلحتهم وأنهم إذا لم يمسكوا بأوراق على الأرض سيعودون إلى ما قبل انطلاق ثورتهم المعاصرة. في مكان ما صارت منظمة التحرير جزءاً من مقومات النسيج السياسي العربي، البيروقراطية والشخصانية والفساد، والخلل الاستراتيجي في الرؤية، والتعب النضالي، فلم تكن فضائلها في الوضع الذي يجعلها تستفيد من دروس الانتفاضة الأولى (1987) لكي تصوغ استراتيجية المقاومة على أرضها. من أوسلو بدأت مرحلة الاستنزاف الإسرائيلي لكل الرصيد النضالي الفلسطيني وتحويله إلى عبء على ما صار يسمى «السلطة». كانت الخطة الإسرائيلية واضحة ومعلنة: التفاوض لعقود من الزمن، امتصاص الطاقة النضالية للشعب الفلسطيني، تغذية التناقضات في صفوفه، إفساد أحلامه ووعيه، وإدخاله في نفق الانتظار، وتجزئة القضية وتفكيكها على ملفات إنسانية لا بصفتها قضية تحرر وطني. ومن باب هذا الانحدار الفلسطيني استراح النظام الرسمي العربي وصار يسارع خطاه للانفكاك عن قضية فلسطين حتى جاء اليوم الذي أعلن أنها لم تعد جزءاً من الهم القومي، بل مجرد مشكلة سياسية على حدوده كمشاكل الجوار الأخرى.
قدم «المجتمع الدولي» مواعيد كثيرة للحل النهائي ولقيام الدولة الفلسطينية، لكنه كان تدريجياً يتبرأ من مرجعيات الحل على صعيد القانون الدولي ويتعاطى مع موازين القوى التي رجحت لصالح إسرائيل. ثم كانت إسرائيل، وهي دولة قامت على مبدأ القوة وفرض الوقائع، تسارع إلى استثمار ظروف التفاوض لكي تأخذ ما بقي من فلسطين طالما أنها أخذت معظم فلسطين بشرعية القوة. تعاقب على القيادة الإسرائيلية مجموعة من المحترفين في الإرهاب لا يجدون قيوداً أمام توغلهم في الجرائم رفعوا شعارات «تكسير العظام» والتغيير الديموغرافي، والحل الاقتصادي، وتنصلوا من أي تصور يقودهم إلى «السلام» لأنهم منشغلون في دور إقليمي أكبر يمهد له حال البؤس العربي والهجمة الغربية المتجددة على المنطقة لا سيما بعد 11 أيلول 2001 واحتلال العراق وسلسلة القرارات الدولية التي أخضعت المنطقة لوصاية أجنبية وطوقتها بالأساطيل والقواعد العسكرية.
لكن الحدث الأخطر من كل هذه التحولات الخارجية هو تطور «الداخل الفلسطيني» الذي صار سلطة متعاونة مع الاحتلال باسم ضرورات التسوية وأوهام السلام، وسلطة أخرى كأنها استساغت طعم السلطة وما تعنيه من فرض سلوكيات على الناس وهي تسعى إلى بناء نواة مناهضة لأي حل واقعي أو حتى مرحلي، فانقسم الفلسطينيون حول أهداف ورؤى لا مكان واقعياً لها من جهة التسوية أو من جهة التحرير.
يعود المفاوض الفلسطيني إلى التفاوض ليقدم المزيد من التنازلات وتتقدم الجرافة الإسرائيلية بأقصى سرعة لمحو الوقائع الفلسطينية. المفاوض يراهن على تأييد النظام الرسمي العربي والوعود الإنسانية الدولية، و«المقاوم» أو «الممانع» يراهن على التاريخ والتحولات التي يمكن أن تقع في الإطار الإقليمي وتؤدي إلى لجم الاندفاعة الإسرائيلية.
لم تكن سياسة التفاوض يوماً عيباً يعاب به أصحابها، بل ذاك التفاوض الذي يعطي العدو الفرص لرفع الضغوط عنه وتشريع سياساته التوسعية. لقد سقط مبدأ التفاوض فلسطينياً عندما فقد إطاره المشروع وطنياً، أي عناوين الحل النهائي لمصلحة الملهاة ـ المأساة في الترتيبات الأمنية أو الإغراق في تفصيلات إثبات نية الفلسطيني السلمية وليس إثبات حسن نية الطرف الإسرائيلي في إيجاد تسوية تاريخية.
منذ مسيرة أوسلو لم تتعامل «السلطة» على أنها مسؤولة عن مجموع مصالح الشعب الفلسطيني وأنها رافعة لتنظيم صفوفه وتقوية وحدته وتوفير مقومات الصمود لجولات طويلة من الخداع الإسرائيلي. إنها المحطة الأكثر مفارقة في التاريخ أن يفاوض الفلسطيني على قضايا في عمق فلسطين كالقدس واللاجئين بينما إسرائيل تجرف من حول مقرات السلطة الأرض والبناء والشجر وتؤسس المعطيات جميعها لتجديد المشروع التوسعي الصهيوني بلافتة مفضوحة اسمها يهودية الدولة.