| 

بعد 1967، أدى احتلال الضفة الغربية وغزة إلى نشوء نظام عسكري ومدني للفلسطينيين كان هدفه اخضاع الفلسطينيين وتحقيق الهيمنة الإسرائيلية، أي بمثابة امتداد للنموذج الذي قامت عليه إسرائيل. وأنشئت مستوطنات في أواخر صيف 1967 (وجرى ضم القدس)، ولم تقم بذلك أحزاب يمينية بل حزب العمل الذي كان عضواً في الدولية الاشتراكية. ولم يكن تشريع المئات من «قوانين المحتلين» يخالف بشكل مباشر أسس الاعلان العالمي لحقوق الانسان فحسب بل مواثيق جنيف أيضاً. وتعددت هذه الانتهاكات لتمتد من الاعتقال الإداري إلى المصادرات الجماعية
للأراضي وهدم المنازل والاجلاء القسري للسكان والتعذيب واقتلاع الأشجار والاغتيال وحظر الكتب وإغلاق المدارس والجامعات. لكن توسيع المستوطنات اللاشرعية استمر دائماً فيما شملت سياسة التطهير العرقي المزيد من أراضي العرب كي يمكن توطين اليهود القادمين من روسيا وأثيوبيا وكندا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان.
بعد توقيع اتفاقات أوسلو في أيلول 1993، شهدت أوضاع الفلسطينيين تدهوراً مستمراً. واصبح من المستحيل بالنسبة إلى الفلسطينيين أن يتنقلوا بحرية بين مكان وآخر، وحُظر عليهم الوصول إلى القدس، وأدت مشاريع بناء ضخمة إلى تغيير جغرافيا البلد. وفي كل شيء جرى الحرص بدقة على التمييز.
لا جدال ان المأزق الأخلاقي الذي يواجهه كل من يحاول ان يتناول النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي هو مأزق عميق. فاليهود الإسرائيليون ليسوا مستوطنين بيضاً من الصنف الذي استعمر الجزائر أو جنوب افريقيا، على رغم ان وسائل مماثلة استُخدمت. ويُنظر إليهم بحق كضحايا تاريخ طويل من الاضطهاد الغربي المسيحي المناهض للسامية بشكل أساسي، وقد توِّج بفظاعات المحرقة النازية التي تكاد تتجاوز حدود التصديق. لكن بالنسبة إلى الفلسطينيين فإن دورهم هو دور ضحايا الضحايا. ويفسر هذا لماذا ينأى الليبراليون الغربيون بأنفسهم، وهم الذين أيَّدوا علناً حركة مناهضة نظام التمييز العنصري، أو الحركة الساندينية في نيكاراغوا، أو البوسنة، أو تيمور الشرقية، أو الحقوق المدنية في أميركا، أو إحياء الأرمن لذكرى الإبادة التي نفذها الأتراك أو قضايا سياسية أخرى كثيرة من هذا النوع، عن التأييد العلني لحق تقرير المصير للفلسطينيين.. أما بالنسبة إلى السياسة النووية لإسرائيل، أو حملة التعذيب المشرَّعة قانونياً، أو استخدامها للمدنيين كرهائن، أو رفضها إعطاء الفلسطينيين أذونات للبناء على أراضيهم في الضفة الغربية، فإن القضية لم تُطرح إطلاقاً في المجال العلني الليبرالي. ويرجع السبب في جانب منه إلى الخوف، وفي جانب آخر إلى الشعور بالذنب.
ثمة تحد أكبر من السابق نفسه، ويتمثل في صعوبة الفصل ما بين المجموعتين السكانيتين الفلسطينية والإسرائيلية، وهما الآن متداخلتان من نواح تفوق الحصر، على رغم الهوة الكبيرة بينهما. ويدرك الكثيرون مناً، الذين نادوا سنين طويلة بإقامة الدولة الفلسطينية، ان «دولة» كهذه (المزدوجان هنا في مكانهما الصحيح!) إذا قُدّر لها ان تولد من كارثة أوسلو، ستكون ضعيفة ومعتمدة اقتصادياً على إسرائيل ومفتقرة تماماً إلى أي قوة أو سيادة. فوق كل ذلك فإن خريطة الضفة الغربية حالياً تبين ان مناطق الحكم الذاتي منفصلة بعضها عن بعض (مساحتها الآن لا تتجاوز ثلاثة في المئة من مساحة الضفة الغربية، فيما تواصل حكومة نتنياهو رفض إعطائها 13 في المئة إضافية) وهي بذلك ستكون بمثابة بانتوستانات تسيطر عليها إسرائيل من الخارج. الحل المعقول الوحيد، إذن، هو ان يجدد الفلسطينيون ومساندوهم الصراع ضد المبادئ الإسرائيلية الأساسية التي تضع غير اليهود موضع الهوان في أرض فلسطين التاريخية. يبدو لي ان هذا هو المطلب المنطقي لأي حملة لتحقيق العدالة للفلسطينيين، بدل المطالبة بالانفصال بين الطرفين، كما تفعل بين حين وآخر، وبتردد وضعف، حركة «السلام الآن» الإسرائيلية. ليس هناك مبدأ لحقوق الإنسان، مهما كان مطّاطّاً، يمكن ان يتوافق مع التمييز الذي تمارسه إسرائيل ضد غير اليهود، أي ضد الفلسطينيين بالدرجة الأولى. وليس من أمل في مصالحة على أرض فلسطين ـ إسرائيل ما لم تتم مواجهة التناقض بين عقيدة إسرائيل الانعزالية على الصعيدين الديني والإثني من جهة، ومتطلبات الديموقراطية الحقيقية من الجهة الثانية. أما التهرُّب من هذه القضية أو تغطيتها كلامياً أو اللجوء إلى تعريفات غائمة لـ«السلام» فلن تجلب للفلسطينيين، وللإسرائيليين على المدى الطويل، سوى المعاناة والقلق.


* إدوارد سعيد، «نهاية عملية السلام»، بيروت: دار الآداب، 2002.