في 1/1/1965 بدأت مرحلة جديدة في حياة الشعب الفلسطيني، ففي هذا اليوم بالذات أعلنت حركة «فتح» انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة، وكشفت عن مجموعة من العمليات العسكرية التي نفذتها ضد قوات الاحتلال الاسرائيلي. ومع أن العمليات الأولى كانت بدائية ومحدودة الأثر العسكري، إلا أن أثرها المعنوي كان شديد الأهمية. ومنذ البداية كان هناك مناخ من عدم الثقة بين «فتح» والنظام الأردني، ففي 7/1/1965 سقط أول شهيد لحركة «فتح» هو أحمد موسى، لكن ليس على أيدي الجيش الاسرائيلي، بل برصاص إحدى الوحدات العسكرية الأردنية حينما كان عائداً من تنفيذ عملية عسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
أوجد الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة وضعاً جديداً تماماً، وخلق مشكلات لم تكن في حسبان قيادة الحركة على الإطلاق، الأمر الذي أرغم حركة «فتح» على الانتقال الفوري من مرحلة بناء القواعد السرية في الأرض الفلسطينية المحتلة إلى مرحلة بناء قواعد الاسناد الثابتة في الأردن، وكان خليل الوزير (أبو جهاد) المسؤول المباشر عن هذه المهمة.
في 28 آب 1967 بدأ شن العمليات العسكرية مجدداً في ما اعتُبر الانطلاقة الثانية للحركة. ومع تصاعد العمليات القتالية راح العمل الفدائي يكتسب مكانة عالية جداً من الاحترام في صفوف العرب، وبدأ يتحول، بالتدريج، من أعمال التسلل وزرع الألغام إلى عمل منظم إلى حد ما، وذي فاعلية لا يمكن إنكارها. وهذا الأمر أقلق قيادة الجيش الاسرائيلي التي لم تنعم طويلاً باحتلالها الضفة والقطاع والجولان وسيناء في حزيران 1967، وتوهمت أن في إمكانها القضاء على الفدائيين بعملية عسكرية كبيرة، فقامت في 21/3/1968 بالهجوم على بلدة الكرامة حيث تنتشر قواعد الفدائيين. وجرت معركة كبيرة بجميع المقاييس أسفرت، في نهاية المطاف، عن انسحاب الجيش الاسرائيلي بعد أن خلّف وراءه 28 قتيلا و90 جريحاً وأربع دبابات وخمس عربات عسكرية، وسقط له أيضا طائرة واحدة.
حوّلت معركة الكرامة حركة فتح من مجرد منظمة مسلحة إلى حركة تحرر وطني حقاً. وفي الأثر قامت بعض المجموعات الفدائية الصغيرة خلال شهور قليلة بحل تشكيلاتها والانضمام إلى «فتح» مثل «جبهة التحرير الوطني الفلسطينية» (ج. ت. ف.) و«منظمة طلائع الفداء» (فرقة خالد بن الوليد) و«جبهة ثوار فلسطين».
أقلقت هذه التطورات النظام الأردني قلقاً شديداً، وشرع في مراقبة نمو الحركة الوطنية الفلسطينية بريبة كبيرة، وتخوف من أن تتحول منظمة التحرير الفلسطينية إلى قوة سياسية كبيرة في الأردن، ومسلحة في الوقت نفسه، وتحظى بتعاطف فئات واسعة من السكان، تماماً مثلما خاف النظام اللبناني من تزايد التأييد للعمل الفدائي في صفوف المواطنين اللبنانيين عقب استشهاد خليل عز الدين الجمل في سنة 1968، فأشعل معارك 23 نيسان 1969. أو مثلما ارتعب اليمين اللبناني من جنازة القادة الفلسطينيين الثلاثة في 11 نيسان 1973 الذين اغتالتهم اسرائيل في قلب بيروت، فاندلعت أحداث 2 أيار 1973.
ما إن انتخب ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في ختام الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني في 1/2/1969 حتى راحت غيوم كثيرة تتجمع في سماء المقاومة الفلسطينية: فدائيون من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يدمرون طائرة بوينغ تابعة لشركة «إلعال» الاسرائيلية في مطار زيوريخ في 18/2/1969، انشقاق الجبهة الديموقراطية بقيادة نايف حواتمة على الجبهة الشعبية في 22/2/1969، اندلاع حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية في 8/3/1969، اندلاع التظاهرات المؤيدة للعمل الفدائي في بيروت في 23/4/1969، انشقاق «الهيئة العاملة لتحرير فلسطين» بقيادة عصام السرطاوي على حركة فتح في 23/5/1969، انقلاب عسكري في السودان حمل إلى السلطة العقيد جعفر النميري في 24/5/1969، انقلاب عسكري في ليبيا أوصل إلى سدة الحكم العقيد معمر القذافي في 1/9/1969، اجتياح اسرائيلي لمنطقة العرقوب اللبنانية بحثاً عن الفدائيين في 12/5/1970، إعلان مبادرة وليم روجرز في 19/6/1970، قبول مصر هذه المبادرة في 23/7/1970، اشتداد الصراع الداخلي في سورية بين اللواء صلاح جديد واللواء حافظ الأسد في آب/ أغسطس 1970، بداية انسحاب بريطانيا من منطقة الخليج العربي في سنة 1970. في هذه الحقبة كانت المقاومة قد أصبحت قوة حقيقية في الأردن، وانتقلت من تكتيك «اضرب واهرب» إلى تكتيك «المواجهة المحدودة» ثم إلى «الحرب المتحركة» فإلى عمليات «التحرير الموقت».
في هذا الميدان أنشأت حركة فتح «القوة المحمولة» في سنة 1969، وهي مؤلفة من 600 مقاتل و80 سيارة جيب مزودة بالسلاح الملائم. غير أن بعض المنظمات الأخرى التي كانت لا تزال تعمل ضمن خطة «البعوضة والفيل»، أي مجرد عمليات إزعاج للجيش الاسرائيلي، انصرفت إلى تأسيس قواعد للفدائيين التابعين لها في مخيمات الأردن، وبدأ هؤلاء الفدائيون يظهرون بالسلاح في المدن الأردنية، الأمر الذي أثار حفيظة الناس، وفوق ذلك راحت سياراتهم تسير من دون لوحات، الأمر الذي يخالف القانون.
اعتُبرت هذه المظاهر تحدياً للدولة الأردنية وهيبتها، وتعدياً على القانون والنظام العام. وكانت هذه الحساسيات والاحتكاكات قد أدت إلى توجس متراكم بين الطرفين منذ أن هاجم الجيش الأردني قواعد الفدائيين في مخيم الحسين وفي مخيم الوحدات في عمان، وفي مخيم «شنلر» في مدينة الزرقاء في 15/10/1968 وفي 5/11/1968. وازداد عدم الثقة حينما طلب الملك حسين وقائد الجيش الشريف ناصر بن جميل (وهو خال الملك) من الفدائيين إبلاغ الجيش الأردني بأي عملية عسكرية ضد اسرائيل قبل تنفيذها، وعدم شن أي عملية في المنطقة المحيطة بميناء العقبة. ورفض ياسر عرفات هذه الشروط، وساندته فصائل المقاومة الفلسطينية في هذا الموقف بعدما أيقنت ان النظام الأردني يستعد لتصفيتها، فسارعت فتح إلى إنشاء «الميليشيا» ذات الطابع المدني، فضلا عن «القوة المحمولة». وبالفعل، شرع الملك حسين يستعد للمواجهة الحاسمة منذ سنة 1969، فبدأ في تقوية علائقه بعشائر الأردن وقبائله، هذه العشائر والقبائل التي يأتي منها معظم ضباط الجيش. وقام بتعزيز مكانة الجيش الأردني، فأصدر مجلتين: «الأقصى» و«الجندي»، وراحت إدارة التعبئة توزع القرائين على الجنود وتحرضهم على اليساريين «البلشفيك الملحدين». وجرى تعزيز امكانات الاستخبارات التي كرست نشاطها لمراقبة الفدائيين وقادتهم، كما أُنشئت مجموعات فدائية «مزورة» تابعة للاستخبارات الأردنية مثل منظمة «اأقصى».

المقدمات المتسارعة
في 10/2/1970، أي في اليوم التالي للقاء الملك حسين والرئيس جمال عبد الناصر، اجتمع مجلس الوزراء الأردني في جلسة خاصة حضرها ولي العهد الأمير حسن، وقائد الجيش ناصر بن جميل، ومدير الاستخبارات العامة نذير رشيد. واتخذ مجلس الوزراء مقررات عدة من بينها حظر حيازة الأسلحة ونقلها، ومنع المسيرات والاجتماعات العامة، وفرض الرقابة على المطبوعات وعلى العمل الحزبي. وفي 12/2/1970 وقع اشتباك مسلح بين عناصر من الفدائيين ومجموعة من الجيش الأردني سقط فيه 13 فدائياً و6 جنود. وكان ياسر عرفات، في تلك الاثناء، في موسكو في أول زيارة رسمية له إلى الاتحاد السوفياتي. فسارع إلى العودة إلى عمان في اليوم نفسه لوقوع ذلك الاشتباك، أي في 12/2/1970، وتمكن من وقف المعارك ومنعها من الامتداد إلى مناطق أخرى.
منذ ذلك الوقت تمادت الاشتباكات بين الفدائيين والجيش الأردني، وراح الوضع الأمني يتدهور بالتدريج. ففي 2/5/1970 وقعت اشتباكات في وادي الأردن حينما استولى الجيش الأردني على قاعدتين للفدائيين. واندلع القتال مجدداً في 7/6/1970 في مدينة الزرقاء، وفي محيط مخيم «شنلّر» بالتحديد. واستفحل الأمر في 9/6/1970 عندما قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باقتحام فندقين في وسط عمان، واستولت عليهما، واحتجزت فيهما 88 رهينة من الأجانب. وقد توقفت الاشتباكات بالفعل في 11/6/1970 بعد اجتماع عقده الملك حسين وياسر عرفات. وبادر الملك حسين فور انتهاء الاجتماع إلى تسريح قائد الجيش ناصر بن جميل، وقائد المدرعات زيد بن شاكر، وتولى بنفسه قيادة الجيش، وعين مشهور حديثة الجازي رئيساً للأركان وعبد المنعم الرفاعي رئيساً للحكومة، وذلك كله لتطمين ياسر عرفات الذي وضع بين يدي الملك حسين معلومات متينة عن دور بعض الضباط الكبار في التخطيط للقضاء على المقاومة الفلسطينية بالتنسيق مع دول خارجية، علاوة على أدوارهم في إثارة الاشتباكات المتنقلة بين الجيش والفدائيين.
في 23/7/1970 أعلن الرئيس جمال عبد الناصر موافقته على مشروع روجرز، وأصدر أوامره بوقف النار على طول قناة السويس، ما يعني انتهاء حرب الاستنزاف. وحذا الملك حسين حذوه، وتعهد في 26/7/1970 وقف الأعمال القتالية ضد اسرائيل. وقد وجد ياسر عرفات نفسه فجأة في وسط عاصفة سياسية وعسكرية معاً، ووقعت القيادة الفلسطينية في بلبلة واضطراب حقيقيين. وفي ذلك الوضع العصيب قامت الجبهة الشعبية باختطاف خمس طائرات إلى الأردن: واحدة فشلت، والثانية فُجرت في القاهرة، وثلاث حطت في مطار «داوسن» وجرى تفجيرها. وفي هذه الأوضاع أعاد الملك حسين الفريق زيد بن شاكر إلى قيادة سلاح المدرعات في 6/8/1970، وكان ذلك نذيراً بالخطر المقبل.
لقد اختار الملك حسين الزمان الملائم تماماً لحسم «ازدواجية السلطة» لمصلحته، أي لحظة افتراق المقاومة عن جمال عبد الناصر. ومهما يكن الأمر، فقد انزلقت الأوضاع إلى انفجار القتال في مخيمات عمان في 31/8/1970. وازدادت الأمور سوءاً مع تعرض موكب الملك حسين لاطلاق النار قرب مطار عمان في 1/9/1970. وصار جلياً أن المساكنة بين «الدولة» و«الثورة» ما عادت ممكنة، خاصة أن الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة كانتا تشجعان الملك حسين وضباط جيشه على القيام بعملية عسكرية ضد المقاومة. وما إن حصل الملك حسين على وعد من اسرائيل بحماية نظامه في حال وقوع أي تدخل خارجي من العراق أو سورية مثلا، حتى كان يحزم أمره ويقدم علانية على ما كان قد خطط له في السر.

المعركة الحاسمة
في 16/9/1970 أعلن الملك حسين تأليف حكومة عسكرية برئاسة اللواء محمد داود، وتعيين حابس المجالي قائداً أعلى للقوات المسلحة، وزيد بن شاكر نائباً لرئيس الأركان. وعلى الفور أعلنت الحكومة العسكرية الجديدة الأحكام العرفية في الأردن كله. وفي 17/9/1970 اقتحم اللواء 60 المدرع مدينة عمان، وشرع في قصف مخيمي الوحدات والحسين. وهكذا بدأت معركة طاحنة استمرت اثني عشر يوماً، وانتهت بالاتفاق على خروج منظمات المقاومة من العاصمة عمان وضواحيها. وقد سقط في هذه المعركة نحو 3440 قتيلا بينهم نحو 1000 فدائي، فضلا عن نحو 18 ألف جريح. وبينما كانت الاستخبارات العسكرية الأردنية تعتقل الفدائيين وقادتهم أمثال صلاح خلف (أبو إياد) وبهجت أبو غربية وابراهيم بكر وفاروق القدومي (أبو اللطف) وتسعى للعثور على ياسر عرفات، إذ به يظهر في القاهرة إلى جانب الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان دعا في 22/9/1970 إلى قمة عربية استثنائية لبحث الأوضاع في الأردن. وفي القاهرة قام الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز والرئيس جمال عبد الناصر بوساطة أدت إلى عقد اجتماع بين ياسر عرفات والملك حسين لمعالجة ذيول المعركة التي صار اسمها، منذ ذلك الوقت «أيلول الأسود». ومع أن ياسر عرفات اتفق والملك حسين على بقاء بعض مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في عمان، والإبقاء على بعض القواعد العسكرية في شمال الأردن، إلا أن وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في 28/9/1970 أتاحت للملك حسين أن يطبق الاتفاق كما أراد، فأُخليت عمان من أي وجود فدائي، وبدأت حملة اعتقالات طاولت كل من كانت له علاقة بالمنظمات الفدائية. وفي 28/10/1970، وبعد استقالة الزعيم محمد داود ولجوئه إلى القاهرة، جرى تأليف حكومة جديدة برئاسة وصفي التل المعادي للفدائيين الذي تابع حملة الاعتقالات في صفوف الفلسطينيين في الأردن. وفي 30/3/1971 طوّق الجيش الأردني، بأوامر مباشرة من وصفي التل، منطقة جرش وأحراج عجلون في شمال الأردن، وراح يطلق النار على قواعد الفدائيين. وقد أدرك ياسر عرفات انه بات بلا حماية بعد ما فعلته القوات العراقية، وبعد التحولات التي وقعت في سورية والتي أوصلت اللواء حافظ الأسد إلى السلطة. ومع ذلك خاض الفدائيون المعركة الأخيرة للبقاء في شمال الأردن في 14/7/1971 والتي قادها أبو علي إياد (وليد أحمد نمر الحسين) واستشهد فيها، ولم تُعرف تماماً كيفية استشهاده. وقد أسفرت نتيجة هذه المعارك عن خروج المقاومة الفلسطينية من الأردن كله، وبدأت بذلك، مرحلة جديدة من تاريخ الثورة الفلسطينية دشنها ياسر عرفات بندائه المشهور: «يا سارية، الجبل، الجبل». وتدفق الفدائيون على جبل الشيخ ومنطقة العرقوب في لبنان.