أيقن الأتراك ان القدس ستسقط في أيدي الجيش الانكليزي بعدما راحت مواقعهم في جنوب فلسطين تتهاوى الواحد تلو الآخر. وعندما تأكد المتصرف التركي في القدس ان مقاومة الجيش التركي للزحف الانكليزي لن تكون مجدية التقى مفتي القدس كامل الحسيني، ورئيس بلديتها حسين سليم الحسيني، في مدرسة المطران بحي الشيخ جراح، وقال لهم ان الجنود الانكليز أحاطوا القدس، وهم يستعدون لاحتلالها، وهو يود ان يضع بين أيديهما حملاً ثقيلاً، وهو تسليم المدينة للفاتحين. وناولهما وثيقة تنص التالي:
«الى القيادة الانكليزية:
منذ يومين والقنابل تتساقط على القدس المقدسة لدى كل ملة. فالحكومة العثمانية رغبة منها في المحافظة على الأماكن الدينية من الخراب، قد سحبت القوة العسكرية من المدينة، وأقامت موظفين للمحافظة على الأماكن الدينية كالقيامة والمسجد الأقصى. وعلى أمل ان تكون المعاملة من قبلكم على هذا الوجه، فإني ابعث بهذه الورقة مع وكيل رئيس بلدية القدس حسين بك الحسيني».
متصرف القدس عزت
وفي صباح اليوم التالي (الأحد 9/12/1917) انسحب الأتراك من القدس نهائياً بعد ان امضوا فيها 400 عام. وقد كانت السماء ماطرة، وتخيم على المدينة سحب قاتمة من الرهبة والسكون. وفي نحو الساعة التاسعة ذهب رئيس البلدية يصحبه ابن أخيه توفيق صالح الحسيني ومفتشا الشرطة عبد القادر العلمي وأحمد شريف والشرطيان حسين العسلي وابراهيم الزعنون وفريق من الشبان منهم رشدي محمد المهتدي وجواد اسماعيل الحسيني وحنا اسكندر اللحام. وكان هذا الأخير حاملا العلم الأبيض علامة التسليم. والتقى هؤلاء قائد الفرقة الستين الجنرال شي (Gen. Shea) على طريق الشيخ بدر، فسلموه وثيقة الاستسلام فدخل الجيش الانكليزي في الساعة العاشرة والنصف المدينة.
وعندما وصل الجنرال أللنبي الى القدس بعد يومين (أي في 11/12/191٧) دخلها ماشيا من باب الخليل. وأذاع على سكان بيت المقدس، من على درج القلعة الواقعة بباب الخليل البيان التالي: «الى سكان بيت المقدس وأهالي القرى المجاورة:
«إن انهزام الأتراك امام الجيوش التي تحت قيادتي، ادى الى احتلال مدينتكم من قبل جيوشي. وفي الوقت الذي أذيع عليكم فيه هذا النبأ، أعلن الأحكام العرفية. وستبقى هذه الأحكام نافذة المفعول ما دامت ثمة ضرورة حربية. ولئلا ينالكم الجزع، كما نالكم من الأتراك الذين انسحبوا، اريد ان اخبركم انني ارغب ان أرى كل واحد منكم قائما بعمله وفق القانون، دون ان يخشى أي تدخل من قبل أي كان.
وفضلاً عن ذلك بما ان مدينتكم محترمة في نظر اتباع الديانات الثلاث الكبرى، وترابها مقدس في نظر الحجاج والمتعبدين الكثيرين من ابناء الطوائف الثلاث المذكورة منذ قرون وأجيال، أود ان احيطكم علما بأن كل بناء مقدس، ونصب، ومكان مقدس، او معبد، او مقام، او مزار، او أي مكان مخصص للعبادة من أي شكل والى اي طائفة من الطوائف الثلاث، سيصان ويحتفظ به عملا بالعادات والعنعنات المرعية وبالنسبة الى تقاليد الطائفة التي تملكها».