| 

استدلت إسرائيل في سنة 1948 على ممتلكات نحو مليون لاجئ فلسطيني، المنقول منها وغير المنقول. وهذا النهب هو أكبر سرقة جماعية حدثت في تاريخ فلسطين. وحتى يخفي الفلسطينيون معالم هذه الفعلة اسموها «استيعاب الأملاك المتروكة». ومثل هذه الألفاظ الخادعة لا يغير من طبيعة العمل، لأن ما سمي بـ«الاستيعاب» لا يعدو ان يكون اسيتلاء على ممتلكات الغير بلا وجه حق.

ضخامة ممتلكات اللاجئين العرب وقيمتها
تتألف الاملاك الخاصة باللاجئين العرب التي استولت عليها إسرائيل عام 1948 من العناصر الرئيسية الآتية:
(أ) عدد كبير من المدن والقرى بكاملها وبكل ما فيها. فقد استولت إسرائيل على مدن عربية خالصة هي يافا وعكا والناصرة واللد والرملة وبئر السبع وبيسان والمجدل وأسدود وبيت جبرين وشفا عمرو والأجزاء العربية من مدينة القدس الجديدة وحيفا وطبرية وصفد وأكثر من 860 قرية. ولما كان أهل هذه المدن العربية قد تعرضوا لإرهاب او لطرد او لاذوا بالفرار في حال من الفوضى والاضطراب، فقد عمدت إسرائيل الى الاستيلاء عليها جميعا، كما استولت في جميع الحالات تقريبا على محتوياتها، بما في ذلك الاثاث واللوازم المنزلية والمعدات والبضائع وما الى ذلك من الممتلكات المنقولة. وحيث انه لم يبق من السكان العرب في الأراضي التي احتلتها إسرائيل إلا نحو 10 في المئة، فإن الممتلكات التي تم الاستيلاء عليها انما تمثل 90 في المئة من أموال العرب في هذه الأراضي.
(ب) أراض واقعة خارج نطاق المدن. وطبقا للارقام الرسمية التي سبق ايرادها، كان العرب يملكون معظم أراضي فلسطين، وهي تشمل الأراضي الزراعية ومساحتها (6,705,568) دونما والأراضي المزروعة بالأشجار الحمضية ومساحتها (135,368) دونما والأراضي المزروعة زيتونا وموزا وغير ذلك من الاشجار ومساحتها (1,054,065) دونما، ومساحات كبيرة من المراعي.
(ج) أموال تجارية وصناعية، وهي تشمل حقوقا وموجودات وسلعا ومعدات لعشرات الآلاف من الافراد وشركات الاموال وشركات الاشخاص والمنشآت الصناعية والتجارية والمعامل والمطاحن والمشاغل، أي ما يقارب 7800 متجر ومكتب ومشغل ومستودع.
(د) منقولات واموال وامتعة شخصية. وهذا البند يمثل الممتلكات المنقولة والاموال الشخصية لمليون شخص. وفي حالات كثيرة شملت حوادث النهب النقود والمصنوعات الفضية والسجاد واللوحات والتحف الفنية.


مصادرة الأملاك غير المنقولة
استولت إسرائيل على الأموال غير المنقولة للاجئين الفلسطينيين بطريقة منتظمة وصادرتها. وقد تمت هذه العملية على مرحلتين: ففي المرحلة الاولى بين عامي 1948 و1950، وضعت إسرائيل يدها فعلا على جميع الأراضي والمباني التي كانت للاجئين الفلسطينيين، وسنت تشريعا يهدف الى الاستيلاء رسميا على أملاكهم. وأول تشريع في هذا الصدد هو قانون المناطق المتخلى عنها الصادر سنة 1948. وطبقا لهذا القانون تستطيع الحكومة ان تعلن ان اية منطقة محتلة هي منطقة «متخلى عنها»، وفي هذه الحال توضع الأنظمة الخاصة «بنزع ملكية هذه الممتلكات ومصادرتها». وليس ثمة ريب في ان الممتلكات التي اضطر اصحابها الى تركها وراءهم في ظروف القسر او الإرهاب او الطرد لا يمكن وصفها بحق بأنها ممتلكات «متخلى عنها». والواقع ان اللاجئين لم يكن في نيتهم أبداً «التخلي عن» ديارهم وأراضيهم، ومثل هذا الوصف واضح التضليل.
وأتبع قانون المناطق المتخلى عنها بأنظمة زراعة الأرض البور (1948). وقد عرفت «الأرض البور» بأنها الأرض غير المفلوحة، او التي يرى وزير الزراعة انها لا تفلح «بطريقة ناجعة». ومثل هذه الارض يمكن لوزير الزراعة الاستيلاء عليها. وواضح انه لما كان اللاجئون الفلسطينيون ممنوعين من العودة الى أراضيهم وغير قادرين على فلاحتها، فإن هذه الانظمة قد كانت حيلة للاستيلاء على جميع أراضي العرب المملوكة للاجئين في الأقاليم التي استولت إسرائيل عليها. ثم جاءت انظمة ممتلكات الغائبين (سنة 1948) فوسعت من نطاق الاستيلاء على جميع املاك اللاجئين العرب أيا كانت طبيعتها. وبمقتضى هذه الانظمة عهد «بأملاك الغائبين» الى حارس يتولى إدارتها من دون ان يكون له حق بيعها او تأجيرها لمدة تزيد على خمس سنين. وقد عرفت «أملاك الغائبين» بأنها الأملاك التي يحوزها او يملكها «غائب»، و«الغائب» هو أي شخص كان في يوم 29 من تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 مواطنا او مقيما في الدول العربية او كان مواطنا فلسطينيا ترك مكان إقامته ولو للجوء الى جزء آخر في فلسطين. وكان معنى هذا في الواقع ان جميع الأملاك، بما فيها الأراضي والمباني والمنقولات والأموال المملوكة للعرب الذين لم يبقوا في مكان سكناهم العادي في الأقاليم التي استولت عليها إسرائيل، قد عهد بها الى الحارس الإسرائيلي. وكان من حق الحارس ان يتقاضى رسما يعادل 5 في المئة من قيمة الاملاك لتغطية نفقات إدارته. وقد مكّنت هذه الانظمة إسرائيل من الاستيلاء على جميع الاملاك الخاصة باللاجئين الفلسطينيين.
لم تقتصر مصادرة إسرائيل لاملاك العرب على املاك اللاجئين العرب وحدهم، بل ان العرب الذين بقوا في الاراضي التي استولى عليها الإسرائيليون حرموا من أراضيهم بأساليب شتى، منها ما هو إداري ومنها ما هو تشريعي. ومن اجراءات المصادرة التي اتخذت شكلا تشريعيا نذكر توسيع نطاق قانون املاك الغائبين ليشمل المقيمين العرب الذين غيّروا اماكن إقامتهم قبل اول آب (اغسطس) 1948، ونذكر ايضا الانظمة التي صدرت في عام 1949 بتفويض وزير الدفاع بأن يعلن بأن مناطق معينة هي «مناطق أمن» يطرد منها جميع سكانها العرب، ونذكر القانون الخاص بالأراضي غير المزروعة (1949) وقانون نزع الملكية (1950) وقانون الاستيلاء على الاراضي (1953) وقانون التقادم (1958). فبموجب قانون املاك الغائبين لعام 1950، وسع معنى عبارة «غائبين» لكي يشمل العرب الذين، وان كانوا قد بقوا في الأراضي التي احتلها إسرائيل سنة 1948، إلا انه كان من سوء حظهم ان اضطرتهم الظروف السائدة الى ترك اماكن اقامتهم المعتادة بصفة مؤقتة. ومن عواقب هذا التشريع انه إذا غادر عربي قريته في سنة 1948 ولجأ الى مدينة او قرية مجاورة فراراً من المصير المحتمل، كما حدث مثلا للقرويين في دير ياسين، فهو يعتبر عندئذ من «الغائبين» ويستولى على أملاكه وتعطى لهيئة التنمية.

المنافع التي عادت على إسرائيل
من أملاك اللاجئين العرب
كانت اقتصاديات الدولة الجديدة في سنوات تكوينها تتراقص على هوة الافلاس... ولكن إسرائيل باستخدامها الواسع النطاق للأملاك التي تركها اللاجئون العرب عند فرارهم من فلسطين، استطاعت ان تستعجل هجرة اليهود إليها وان توسع مجالها الاقتصادي. وكما يتضح من هذه الحقائق، فإن اهمية الاملاك التي تركها اللاجئون العرب لا يمكن تحديدها، اذ ان قيمتها بالنسبة لإسرائيل يمكن فهمها بطريقة اوضح اذا نسبت الى مقدار الاملاك اليهودية عند انتهاء الانتداب، والى الدور الذي اضطلعت به في الحياة الاقتصادية للدولة الجديدة، ولا سيما في استيعاب ما يزيد على (700) ألف مهاجر جديد في بضع السنين الاولى لاستقلال إسرائيل.
إن الممتلكات التي تركها العرب هي من اعظم العوامل التي اسهمت في جعل إسرائيل دولة حيّة. فإن ترامي مساحتها وكون معظم المناطق بطول الحدود يتألف من املاك للغائبين، جعلت للممتلكات اهمية استراتيجية. ومن المستعمرات اليهودية الجديدة التي انشئت بين عام 1948 وأوائل عام 1953، وعددها (370) مستعمرة، كانت (350) منها على املاك للغائبين. وفي عام 1954 عاش اكثر من ثلث سكان إسرائيل اليهود في ممتلكات الغائبين، كما ان ما يقرب من ثلث المهاجرين الجدد (وعددهم 250 ألف نسمة) استقروا في مناطق داخل مدن تركها العرب. لقد تركوا مدنا بأسرها مثل يافا وعكا واللد والرملة وبيسان والمجدل و(388) مدينة وقرية وأجزاء كبيرة من (94) مدينة اخرى.
وهناك عشرة آلاف متجر ومشروع ومستودع تركت في ايدي اليهود. ولدى انتهاء الانتداب، بلغت جملة مزارع الاشجار الحمضية في أراضي إسرائيل نحو (240) ألف دونم، نصفها كان مملوكا للعرب.
وبحلول عام 1956، كان هناك (73) ألف دونم بين أراض مزروعة او صالحة للزراعة وفي عام 1951- 52 انتجت بساتين العرب السابقة مليونا وربع مليون من صناديق الفاكهة، صدر منها (400) ألف صندوق. وإن الفاكهة العربية المصدرة الى الخارج قد زوّدت البلاد بنحو (10) في المئة من واردات القطع النادر الناتجة عن صادرات عام 1951... وفي عام 1949، كانت غلة الزيتون من بساتين العرب التي تركوها تحتل المنزلة الثالثة في صادرات إسرائيل الرئيسية، بعد الحمضيات والألماس وان الاهمية الاقتصادية النسبية للممتلكات العربية بلغت ذروتها من عام 1948 الى عام 1953 وهي فترة اضخم هجرة وأعظم حاجة.
وقد قدرت لجنة التوفيق الدولية مقدار الاراضي القابلة للزراعة التي كانت مملوكة للعرب الفلسطينيين اللاجئين والتي استولت عليها إسرائيل بما يعادل مساحة الممتلكات الخاصة باليهود مرتين ونصف مرة تقريبا.
ومن الحق ان يقال ان إسرائيل قد عاشت وازدهرت الى حد كبير على ما نهبته من املاك اللاجئين العرب في فلسطين.

المصدر هنري كتن، «فلسطين في ضوء الحق والعدل» (ترجمة: وديع فلسطين)، بيروت: دار النهار، 1970.