| 

قرأت مقالة الأستاذ صقر أبو فخر عن الشهيد عبد القادر الحسيني في العدد الأول من ملحق «فلسطين» (14/5/2010)، فعادت بي الذكرى الى لقائي الأول والأخير معه، قبل استشهاده في نيسان 1948. رأيته، اول مرة، قبل أيام من استشهاده، وكان ذلك على مدخل فندق الشرق Orient Palace في دمشق المقابل لمحطة الحجاز، وكان جميع القيادات العسكرية امثال طه الهاشمي وفوزي القاوقجي يتخذون هذا الفندق ملتقى لهم، وكذلك رعيل الحكام السوريين. وكنت آنذاك يافعاً أقف على باب الفندق حارساً من حراس فوزي القاوقجي، وإذا بي أرى رجلين يتقدمان نحوي، الاول يرتدي «سدارة» عراقية تبين لي لاحقاً انه عبد القادر الحسيني، والثاني كان قاسم الريماوي. وقد سألني الحسيني هل طه الهاشمي موجود، فأجبته انه في صالة الفندق.
التقى الاثنان طويلاً، ثم انتقلا الى مقابلة الرئيس شكري القوتلي وجميل مردم، وخرج عبد القادر الحسيني من ذلك الاجتماع خالي الوفاض إلا من عشرات البنادق ذات النوعيات المتعددة والذخائر المختلطة.
ولا ازال حتى اليوم اذكر وجهه المتجهم، ودمعة ترقرقت في عينيه وهو يقول للريماوي: أبهذا السلاح سنقاوم إسرائيل؟ وما هي غير لحظات حتى توقفت سيارة على مقربة من الفندق، وكان فيها الحاج أمين الحسيني والشيخ مصطفى السباعي والشيخ زهير الشاويش، فركب عبد القادر معهم وتوجهوا الى معسكر قدسيا الذي كان يتدرب فيه فوج من المقاتلين الفلسطينيين. وفي اليوم التالي غادرت الى مقر قيادة الجيوش العربية في مدينة الزرقاء باكراً. وقد التقيت عبد الرزاق الملقي في عمان، ثم توجهت الى مضافة الصديق صبري الحكيم وسألته ان يتدبر لنا بعض الذخيرة لمسدساتنا، فسارع الى احضار كمية كبيرة من الرصاص وأربع بطانيات لاتقاء البرد القارس. لكن رئيسي الملازم الاول فتحي الأتاسي رمى البطانية وتركنا الى فلسطين.
أما أنا فقد ذهبت في صباح اليوم التالي الى مقابلة العقيد محمود الهندي الذي طلب إليّ العودة فوراً الى الزرقاء بعد ان أسلم رسالة الى فوزي القاوقجي في بلدة جبع في فلسطين، على ان اذهب منفرداً وليس مع فتحي الأتاسي الذي التحق بالجبهة. وفي اليوم التالي تلقيت أكبر صدمة في حياتي، فقد علمت ان فتحي الأتاسي استشهد، وكذلك استشهد عبد القادر الحسيني. وهكذا عشت مع الأول عدة أيام شاقة على أرض فلسطين، وعشت مع الثاني يومين. وفي هذين اليومين فقدت الأمة العربية بطلين من خيرة أبطالها.
عندما احتل نابليون مصر، واندفع نحو الشام أذاع بياناً يخاطب اليهود فيه قائلاً: «لن تزعج دمشق مدينة داود بعد الآن والى الأبد». وعلى أبواب عكا، وهي احد ثغور الشام، ذاق طعم الهزيمة وارتد خائباً مدحوراً. وأنا ابن دمشق الخالدة اقول لبونابرت وأمثاله: خسئتم، فليس غير دمشق سيستعيد القدس، ويبقى يزعج الغاصبين أينما كانوا.