| 

«أنا مطران العرب. هذا لقب جميل أعطانيه أبناء بلادي (في فلسطين) على اختلاف مذاهبهم، في كفاحهم وجهادهم لتحرير بلادهم من ربقة الصهيونيين».
هو المطران غريغوريوس حجار. بطاقة هويته انتسبت إليها أسماء وألقاب عديدة. عند ولادته، دعي بشارة جرجس الحجار، من بلدة روم اللبنانية، المتاخمة لجزين. وعندما ترهبن، سمي على اسم القديس الفيلسوف يوستينوس، ولدى سيامته كاهناً في دير المخلص، تسمى باسم جبرائيل، ولما تسلّم أسقفية عكا في فلسطين بعد سيامته مطراناً باسم غريغوريوس، أقام قداساً حبرياً لأبناء طائفته، فلقبوه «مسيح الشرق»، لغرته البيضاء وشعره الأشقر المنسدل على كتفيه.
من كل هذه الأسماء والألقاب، كان الأحب إليه «مطران العرب». فهو لقب لوظيفة لا علاقة له بالطقس الديني. وهي تسمية كفاحية، «تعلي من شأني ومن قدري وتشجعني في كفاحي ونشاطي في سبيل فلسطين وإنقاذها من الخطر الصهيوني». والتزم المطران حجار بما يمليه اللقب، فكان صوت فلسطين في المحافل الدينية والوطنية والدولية، ودافع عن الحق الفلسطيني بما أوتي من علم ومعرفة وبلاغة ومنطق، مسفهاً حجج البريطانيين ووعدهم الظالم، ومديناً الارتكابات الصهيونية، ومنبها أخوانه المسيحيين في لبنان من آثام التعامل مع الصهاينة.
لم يهادن البريطانيين والصهاينة. وقد كان لكلامه وقع السيف والسحر، ولشدة تأثيره على معارفه ومحيطه وخصومه، لقبه ملك الحجاز الشريف حسين، بـ«مفخرة هذه الأمة... وعلم من إعلامها»، أما الزعيم سعد زغلول فوصفه بأنه «أبلغ خطيب عربي».
حفظت لنا الوثائق الشهادة التي ادلى بها امام اللجنة الملكية البريطانية في القدس، عام الثورة الفلسطينية سنة 1936.
كانت اللجنة البريطانية تتوقع سماع صوت مسيحي، مختلف عن أصوات المسلمين الفلسطينيين. وقد خاب ظنها عندما سمعت المطران حجار يقف موقفاً متطرفاً مبنياً على تاريخ فلسطين وحقائق الوضع والكوارث المتوقعة، في ما لو غضت بريطانيا الطرف عن هوية فلسطين العربية، بمسلميها ومسيحييها.
جريمة تهويد فلسطين
استهل المطران شهادته أمام اللجنة معرفاً بنفسه كممثل وطني، لا كرجل دين مستقل، قال:
«أتيت لأتكلم لا باسمي الشخصي فقط، كرئيس ديني مستقل، وإنما لأنقل إليكم صدى ما سمعته وأسمعه من شعبنا العربي الفلسطيني في المدن والقرى، وأنا مختلط به اختلاطاً تاماً منذ 36 سنة كأسقف عربي، أحسُّ مع الشعب، فأتألم لألمه وأفرح لفرحه وهو يفضي إليّ بذات صدره في كل فرحة (...)، العرب هنا في هذه البلاد من آلاف السنين قبل اليهود، ولم يقوَ اليهود على طردهم، وبقيت البلاد باسمهم الى الآن؟
وفي سياق برهاني، يؤكد المطران في مطالعته امام اللجنة، على ان فلسطين ظلت عربية، برغم ما عرفته من ديانات أكانت يهودية أم مسيحية أم إسلامية.
وتساءل المطران في مطالعته عن الوعد الذي اعطي لليهود. فأي قومية من القوميات يعنيها الوعد؟». وإذ يؤكد ان الحلفاء خالفوا طريقتهم في تقسيم البلدان، فأعطوا وعداً لدين، لا لقومية او لجنس، فإن نتائج تنفيذ هذا الوعد ستكون وبالاً: «لا أظنكم إلا موافقين معي على انه لا يوجد شعب يهودي في العالم. ولو سألنا بلوم (رئيس وزراء فرنسا آنذاك) والمندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل، من أية جنسية أنتما، لأجاب كل منهما بالانتماء الى الأمة التي يحكمها ».
وحذر المطران من مغبة يهودية الدولة في فلسطين: «ومتى أصبحت فلسطين داراً لدين واحد. سيصبح أصحاب الوعد أصحاب البلاد ونحن كزنوج أميركا».
يعزو بعض كتاب سيرة المطران حجار، ان هذه المواقف وسواها من المسائل التي أثارها في مواجهة الصهيونية اليهودية، وتزايد نفوذه الشعبي لدى الفلسطينيين من كل المذاهب، كانت من أسباب التآمر عليه واغتياله، وقد جاءت حادثة الاغتيال، إن صحت الرواية، في طريق «وادي المجال» على درب العزيزية في حيفا، بعد لقائه المندوب السامي البريطاني في 20 تشرين الأول من 1940، ونجاحه في مسعى الإفراج عن عدد من شخصيات الثورة الفلسطينية الذين صدرت بحقهم ظلماً أحكام تتراوح بين السجن والإعدام.
احذروا يا مسيحيي لبنان!
في حديث مع جريدة «الصحافي التائه» تحذير لمسيحيي لبنان ورجال الاكليروس فيهم، من مغبة تأييد الصهيونية: «أنتم في لبنان مخدوعون في أمر الصهيونية، ولا ترون فيها غير المال الذي جاءت به الى بلادنا... إنه مالٌ باقٍ لليهود، وإذا استفاد منه بعض الملاكين القلائل عندنا، فهذا لا يعني ان فلسطين العربية استفادت منه... إن الفقر والحاجة اللذين يعيش بهما ابناء الشعب في فلسطين لم يسبق لهما مثيل... ان الاستثمار الذي قام به الصهيوني اخذ البقية الباقية من أموال الفلسطينيين».
وتأسيساً على هذا البؤس والظلم، ركب الفلسطيني الأخطار، في حرب كفاح مديد... ان اليأس الفلسطيني ليس منتجاً فلسطينياً، بل هو منتج الصهيونية، وبناء على ذلك يسأل اللبنانيين: «هل تعتقدون أن في فلسطين غير الشقاء والفاجعة... ومع هذا فأنتم في لبنان ما تزالون تعتقدون ان وجود اليهود عندنا ثروة لنا... وبينكم مما يتغنى بهم... ومن أحباركم الأجلاء يأخذ جانبهم... انتم بأجمعكم في لبنان، افتكرتم بتلك الجنيهات التي يصرفها بعض المصطافين اليهود أيام الصيف في بلادكم».
في سجل فلسطين، قيادات كثيرة. ومن يؤسس لدوام الذاكرة الفلسطينية وحياتها، ان يضيء شمعة المطران غريغوريوس حجار مرة اخرى، لتكون ذكراه، قدوة لأحبار مسيحيين، ورجال دين مسلمين، قرنوا إيمانهم بربهم، بعملهم من اجل الحرية ودفعوا ثمنها بدمائهم.