بعد اعلان قيام دولة إسرائيل، وفي خضم المعارك التي اعقبت دخول الجيوش العربية الى فلسطين، طلبت الهيئة العليا من السلطات المصرية السماح لها بالإشراف على قطاع غزة لتحتفظ، ولو رمزياً، بحقها في فلسطين كلها. وفي 22/9/1948 اعلنت الهيئة العربية العليا، وكانت في منزلة الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، قيام حكومة عموم فلسطين في غزة. لكن السلطات المصرية لم تسمح لهذه الحكومة بممارسة مهماتها من غزة، بل طلبت منها الانتقال الى القاهرة، وافتتاح مكاتبها هناك. أما ادارة شؤون قطاع غزة (الذي نجا مع الضفة الغربية من الاحتلال الصهيوني) فستكون من صلاحيات السلطة المصرية.
وبناء على دعوة سابقة من الهيئة العربية العليا لفلسطين، أقرّ عقد مؤتمر وطني فلسطيني في مدينة غزة في 1/10/1948. وبناء عليه توجه الحاج امين الحسيني الى غزة، حيث خفت جموع الشعب الفلسطيني الى استقباله والترحيب به، وكان في مقدمة الحضور من أهل القطاع نائبه في غزة الحاج موسى الصوراني، وعدد من انصاره ومؤيديه من رؤساء البلديات والشخصيات مثل عبد الرحمن الفرا رئيس بلدية خان يونس، والسيد ابو شرخ رئيس بلدية المجدل والشيخ محمد عواد رئيس بلدية الفالوجا، والشيخ عبد الله ابو ستة رئيس اللجنة التنفيذية للاجئين الفلسطينيين، والدكتور مطر ابو كميل. وفي الموعد المحدد افتتح المؤتمر برئاسة المربي الأستاذ خليل السكاكيني وقد حضر المؤتمر 85 عضواً تم اختيارهم ليمثلوا الشعب الفلسطيني، علماً بأن الدعوة كانت قد وجهت الى 150 شخصاً يمثلون البلديات والمجالس المحلية والغرف التجارية واللجان القومية ومختلف الهيئات. وقد حالت ظروف كثيرين دون تلبية الدعوة ولكن معظمهم ارسل برقيات تأييد الى هذا المؤتمر وما سيتوصل إليه من قرارات. وانتهى المؤتمر باعلان استقلال فلسطين على النحو التالي:
«بناء على الحق الطبيعي والتاريخي للشعب العربي الفلسطيني في الحرية والاستقلال، هذا الحق المقدس الذي بذل في سبيله زكي الدماء، وقدّم من اجله الشهداء، وكافح دونه قوى الاستعمار والصهيونية التي تألبت عليه وحالت بينه وبين التمتع به، فإننا نحن اعضاء المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في غزة هاشم نعلن هذا اليوم الواقع في الثامن والعشرين من ذي القعدة سنة 1367هـ وفق أول تشرين الأول سنة 1948 استقلال فلسطين كلها التي يحدها شمالا سورية ولبنان، وشرقا سورية وشرق الاردن، وغربا البحر الأبيض المتوسط، وجنوبا مصر، استقلالا تاما، واقامة دول حرة ديموقراطية ذات سيادة يتمتع فيها المواطنون بحرياتهم وحقوقهم، وتسير هي وشقيقاتها الدول العربية متآخية في بناء المجد العربي وخدمة الحضارة الإنسانية، مستلهمين في ذلك روح الأمة وتاريخها المجيد مصممين على صيانة استقلالنا والذود عنه. والله تعالى على ما نقول شهيد».
وتألفت حكومة عموم فلسطين على النحو التالي:
أحمد حلمي باشا عبد الباقي رئيساً للوزارة
جمال الحسيني وزيرا للخارجية
ميشال ابكاريوس وزيرا للمالية
عوني عبد الهادي وزيرا للشؤون الاجتماعية (قبل الوزارة ثم استقال)
رجائي الحسيني وزيرا للدفاع
الدكتور حسين فخري الخالدي وزيرا للصحة
سليمان عبد الرزاق طوقان وزيرا للمواصلات (رفض الوزارة)
الدكتور فوتي فريج وزيرا للاقتصاد
علي حسنا وزيرا للعدل
يوسف صهيون وزيرا للدعاية
أمين عقل وزيرا للزراعة
وانتدب أنور نسيبه سكرتيرا عاما لمجلس الوزراء.
وفي اليوم الذي انعقد فيه المؤتمر الوطني الفلسطيني بمدينة غزة أي في 1/10/1948 عقد في عمان مؤتمر فلسطيني برئاسة الشيخ سليمان التاجي الفاروقي، واختير الشيخ سعد الدين العلمي نائبا للرئيس، وعجاج نويهض سكرتيرا، وهاشم الجاعوني والدكتور نور الدين الغصين كاتبين للمؤتمر. وانتهى المؤتمر بإصدار قرارات كان من أهم ما جاء فيها:
«نظراً للصلات الوطنية والروابط القومية بين فلسطين والمملكة الاردنية الهاشمية فإن المؤتمر يعلق على صاحب الجلالة الملك عبد الله المعظم أكبر الآمال في حفظ حقوق عرب فلسطين وصيانة عروبتها ومقدساتها. والمؤتمر واثق كل الثقة من ان جلالته لن يقبل ان تفرض على عرب فلسطين حلول من قبل تلك الفئة من متزعمي فلسطين سابقا الذين ضج الشعب الفلسطيني خلال الثلاثين عاما الماضية من سوء تصرفاتهم وأنانيتهم. والمؤتمر يفوض جلالته تفويضاً تاماً مطلقاً في أن يتحدث باسم عرب فلسطين، ويفاوض عنهم، ويعالج مشكلتهم بالشكل الذي يراه. وهو الوكيل عنا في جميع شؤون مستقبل فلسطين، كما ان المؤتمر يؤيد جلالته في كل خطوة يخطوها في سبيل حل قضية فلسطين ويعتبره المرجع الوحيد لعرب فلسطين الذين منحوه كل ثقتهم واخلاصهم واكيد ولائهم ووفائهم».
وقرر المؤتمر إرسال برقية الى الهيئة العربية العليا لفلسطين يقول فيها بأنه «نزع منها ثقة عرب فلسطين فهي لا تمثلهم ولا يحق لها أن تنطق باسمهم او تعبر عن رأيهم، لأن الحكومات العربية قد احتضنت قضية فلسطين، وهي اصبحت وديعة بين ايدي ملوك العرب الذين يطمئن الشعب الفلسطيني الى مساعيهم في سبيل صيانة عروبتها وتحقيق حريتها».
ظل الحاج امين الحسيني ورجاله في غزة بعد انتهاء المؤتمر الوطني الفلسطيني على امل ان تباشر حكومة عموم فلسطين اعمالها في قطاع غزة على اعتبار ان هذا القطاع أرض فلسطينية، وان من الطبيعي ان تكون هذه الحكومة فيه، لتتولى تدبير الشؤون الفلسطينية، ولكن حكومة محمود فهمي النقراشي عارضت ذلك بشدة، وطلبت من اللواء حسين سري عامر المدير العام لسلاح الحدود الملكي المصري ان يتوجه الى غزة ويحضر معه الحاج امين الحسيني. وفي 10/10/1948 اضطر الحاج امين إلى ان يترك مدينة غزة في سيارة اللواء حسين سري. وحسب التعليمات غادرت السيارة غزة ليلاً حتى لا يشعر الناس بهذا الإجراء وتحدث امور غير مستحبة ولا ترضى عنها السلطات المصرية.
ولم تستطع حكومة عموم فلسطين ان تباشر أي نوع من صلاحياتها تجاه وطنها وشعبها وضيقت عليها جامعة الدول العربية الخناق مالياً حتى توقفت عن دعمها ومساندتها، وبدأ الوزراء والمسؤولون بتقديم استقالاتهم واحداً بعد الآخر، وانتهى الامر بهذه الحكومة في شقة متواضعة للغاية في ميدان مصطفى كامل بالقاهرة، ثم تلاشت واختفت وكأنها لم تكن، ولم يبق من آثارها بين الناس غير جوازات سفر خضراء انيقة تحمل اسمها ولكنها لا تسهل لحاملها مهمة السفر بل تعقده، ما اضطر الناس الى التخلص منها والحصول على اية جنسية عربية او وثيقة سفر صادرة عن بلد عربي آخر. أما الضفة الغربية فقد صارت في عهدة الملك عبد الله، ولم يبق من فلسطين إلا اسم «القضية».